د.محمّد جلال أحمد هاشم في الجاهليّة لم يكن يقدر على إقامة مجالس شرب الخمر إلاّ سراة القوم الأغنياء، الأثرياء. وكان شرب الخمر على هذا طقساً يتنادى له هؤلاء، دون عامّتهم، 

فيمكثون عليها يشربونها بالأيّام والأسابيع، وليس أعيب من أن تنفد الخمرُ والنّاسُ بالمجلس عاكفين؛ كما ليس أعيب من أن ينفد اللحمُ والثّريدُ وهم بالمجلس عافكون. ولذا لم يكن يقدر عليها إلاّ سراة القوم من الأغنياء، الأثرياء. ثمّ، مع شربهم للخمر وأكلهم للحم إذ ينحرون الإبل نياقاً وبعيرا، كان القوم يُساهمون في الميسر.

فماذا يا تُرى كان عامّةُ النّاس يفعلون إزاء مجالس شرب الخمر هذه؟ كانوا يتحلّقون حولها، منهم من يُريد لحماً، ومنهم من يُريد كوزاً من الخمر يروي به غليله، ومنهم من يُريد كليهما، ومنهم من يُريد الفُرجة على سادات العرب، ومنهم من يُريد جميع هذا، ومنهم من يأنس للمَلمّات فتجذبه تجمّعات النّاس، فيشقّ غمارها لا يلوي على شيء. فإذا كان ساداتُ العرب قد تركوا أشغالَهم، وعذفوا عن اجتراح المكرُمات، فجلسوا لشرب الخمر ولعب الميسر، فما عساهم عامّةُ النّاس يفعلون أكثر من أن يسعَوا إلى الانضمام إلى نادي سراة القوم المنصوبة سُرادقُه بمرأى منهم! باختصار، كان شربُ الخمر، من حيث هو كطقس اجتماعي أرسيتوقراطي في الجاهليّة وصدر الإسلام، أمراً انصرافيّاً وانشغالاً بأمر “الفارغة” دون “المليانة” من قبل قادة القوم. ولكنّها في حالها تلك، مع ما فيها من مضارّ، كانت تنفع النّاس، أي الآخرين ممّن لم تشملهم المجالس، أي عامّة النّاس ﴿قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾.

كانت مجالس شرب الخمر عادةً ما تنتهي بالحروبات، فضلاً عن هلاك الحرث (النّخيل والأعناب) والنّعم (ذبائح الإبل وخلافها). فقد تُذبح مئات الإبل في فترة وجيزة، وقد يخسر أحد سادة العرب مئات الإبل في الميسر، فلا يخرج من مجلسه إلاّ وقد شدّ منه العزم على استرجاعها بالقوّة غدراً وخيانة. وباختصار، لم تكن مجالس شرب الخمر عند العرب سوى مجلبة للفتنة، فضلاً عمّا يصاحبها من تبطّل وخمول لا يتناسب والمهام الجهاديّة الكبيرة التي كانت دولة الإسلام بصددها ﴿إنّما يريد الشّيطان أن يوقع بينكم العداوةَ والبغضاءَ في الخمر والميسر، ويصدُّكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾.

أمّا الأنصابُ فتعني ما نعنيه اليوم بكلمة “النّصب”، من قبيل “النّصب التّذكاري للجندي المجهول” وخلافه. وقد كانت تُقام حول الكعبة، وكانت تختصّ بآلهة العرب في شركهم. وكانت لكلٍّ منها طقوسُها يقوم بها الأعرابُ في حال تطوافهم حول الكعبة، أكان ذلك في موسم الحجّ أم اعتماراً. وقد واصل هؤلاء الأعراب على ممارسة هذه الشّعائر حتّى بعد فتح مكّة، إذ كانوا يعلمون مواقع الأنصاب بعد أن أُزيلت. وبما أنّها كانت لا تزال في عقولهم كمعتقد، إذ لمّا يدخل الإيمان إلى قلوبهم بعد إسلامهم، كانوا يشعرون بواجب أدائها متى وقفوا إزاء أمكنتها. وكان المسلمون يتحلّقون حول هؤلاء الأعراب لدى ممارستهم هذه الشّعائر الشّركيّة أثناء طوافهم، أي كانوا يتوقّفون عن طوافهم بغية الفرجة. وقد احتمل الإسلام هذه الطّقوس العربيّة الجاهليّة منذ لحظته الأولى إلى ما بعد فتح مكّة. أمّا الأزلام، فكانت العرب تستقسم بها حسماً لخيارين، فيضعون في وعاء الرّأي الإيجابي (مثلاً الخروج في تجارة) في سهمٍ، ويضعون الرّأي السّلبي (عدم الخروج في تلك التّجارة) في سهمٍ آخر، ثمّ يقومون بالاختيار العشوائي بينهما، فإذا جاء السّهم الإيجابي، قاموا بإنفاذ الأمر، وإلاّ انتهوا عنه. وهذا ضرب من الشّعوذة والعشوائيّة، أبدلهم الإسلامُ بما هو أفضل منه، ألا وهو الاستخارة والتّوكّل بما فيهما من اعتلاق بالإيمان.

فماذا فعل الإسلام وقتها إزاء هذه العادة المتأصّلة في نفوس الأعراب؟ أمر باجتنابها! ولكن، هل يمكن أن نذهب في معنى الاجتناب إلى النّهي عن التّحلّق حول مجالس شرب الخمر ولعب الميسر من جانب، ثمّ من جانب آخر النّهي عن التّحلّق حول الأعراب حال توقّفهم في طوافهم لأداء طقوسهم الشّركيّة لأنصابهم؟ أي بما لا يشمل عين الشّرب! إذ مناط الاجتناب هنا موجّه بالكلّيّة إلى طقس اجتماعي بعينه! هذا باب واسع للتّأمّل والتّفكّر نتركه مفتوحاً عسى أن يجعل الله لنا فيه جميعاً مخرجا.

ولكن ماذا عن الأحاديث التي تواترت عن منع المسلمين من شرب الخمر مطلقاً، قياساً بالسُّكر؟ في رأينا أنّ مقبولة جميعاً، بصرف النّظر عن أسانيدها، تعديلاً وتجريحاً. ولكن، ألا يمكن أن يُفهم وجه التّحريم هنا على أنّه موجّه للسُّكر، لا لعين الشُّرب؟ ألا يُزيل لنا هذا أوجه التّناقض في هذه الأحاديث التي جعلت الفقهاء يتمحّلون النّصوص بغية إزالة اللبس عنها؟ إذ ربّما حرّم النّبيّ شرب الخمر من حيث عين الشّرب ومن حيث انعقاد مجالسها، ثمّ تراجع عن هذا وفقما يقول به عبدالله بن مسعود؟ ألا يجوز أن يكون هذا هو مكمن اللبس والانبهام ما بين الحِلّيّة والحُرميّة؟ هذا باب واسع للتّأمّل والتّفكّر، يقوم في أساسه على الشّجاعة في كسر التّابوهات. ونتركه مشرعاً، لا نوصده باعتمال أيّ إجابة. إذ ليس المقصد عندنا استخلاص الأحكام بقدر ما هو تمكين النّاس من التّحرّر من التّابوهات، إذ بعد هذا يمكنهم استشراف المرحلة التي فيها يقومون باستخلاص الأحكام.

ثمّ ماذا تُرى يعني حكم التّحريم هنا؟ هل هو تحريم في مستوى الإسلام الدّين، أم تحريم في مستوى الإسلام الدّولة؟ إن كان تحريماً في مستوى الإسلام الدّين، فهو إذن من أصول الدّين؛ أمّا إن كان تحريماً في أصول الإسلام الدّولة، فهو إذن من قبيل الممنوعات الدّنيويّة التي تسنُّها الدّولة مع جواز تراجعها عنها ومراجعتها تارّةً بعد تارّة. في هذا الصّدد، يمكن الخلوص إلى أنّ الآية ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاةَ وأنتم سكارى حتّى تعلموا ما تقولون ولا جُنُباً إلاّ عابري سبيلٍ حتّى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم الغائط أو لمستم النّساءَ فلم تجدوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إنّ الله كان غفوراً رحيما﴾ [النّساء: 43] تتعلّق بأخلاق وآداب الصّلاة، إذ ليس أكثر في السّفه وسوء الأدب من أن يقرب المرءُ الصّلاةَ وهو سكران، وهو الذي أفلحت المدنيّة الحاضرة عندما منعته من قيادة السّيّارة وهو مخمور، فكيف وهو في حضرة خالقه؛ وكذلك الحال بشأن مقاربته للصّلاة وهو جُنُب … إلخ. على هذا، يجوز الخلوص إلى أنّ الآيات [البقرة: 219 والمائدة: 90-91] تتعلّق في جانبها الأكبر بالإسلام الدّولة، باستثناء جزئيّة الأنصاب، إذ لها اعتلاق بشعيرة تعبّديّة هي الطّواف في الحجّ؟

 

خاتمة

نخلص من مراجعتنا لأمر الخمر أنّ هناك اختلافاً كبيراً بين الفقهاء والمدارس الفقهيّة حول ما هي الخمر من جانب، ثمّ ما هو حكمها. إلاّ أنّهم جميعاً يتّفقون على أنّ عقوبتها ليست حدّاً من حدود الله، بل تعذير. في هذا وصلنا إلى أنّ هناك عين الشّرب وهو أن يكترع المرء الخمر كممارسة شخصيّة، وبين شرب الخمر كطقس اجتماعي عُرفت به العربُ قبل الإسلام، فاحتمله الإسلام كونه كان مرتبطاً بالأجيال المتقدّمة في السّنّ والمكانة (سادات وشيوخ العرب). وكلّ هذا يختلف فقهيّاً عن السُّكر الذي لا يعرف معه المرء ما يجري حوله. وقد نزلت آيات أشارت بوضوح إلى لذّة الخمر بوصفها من نعم الله على الإنسان، بمثلما نزلت آيات أشارت بوضوح إلى أنّ الخمر فيها منافع كما فيها مضار، بينما مضارّها أكثر من منافعها. من جانب آخر، نزلت آية نهت عن السّكر لدى مقاربة الصّلاة حصراً دونما تعميم. بجانب كلّ هذا نزلت آيات تأمر المسلمين بتجنّب تتبّع مجالس شرب الخمر بغرض الانتفاع أو الفرجة ضمن طقوس أخرى مرتبة بطقس شرب الخمر. كلّ هذا دون أيّ إشارة للتّحريم أو العقاب، إذ جميعها تدخل في باب الإسلام الدّين، أي أن تُترك المسألة للضّمير، وليس للدّولة التي من شأنها إنفاذ العقوبات المادّيّة القائمة على استخدام القوّة القسريّة. وقد جاء تحريم الإسلام الدّولة للخمر بعد ذلك بسنوات طويلة، تحديداً في عهدي أبي بكر وعمر بن الخطّاب. عليه، هذا ممّا يدخل في باب سياسات الدّولة التّقنينيّة من قبيل ما نشهد في دول الغرب من تحريم (منع) التّدخين في أماكن العمل والسّكن ثمّ في الأماكن العامّة. إلاّ أنّ الأمر تطوّر لاحقاً إلى حالة من التّحريم التي بلغت في بعض أوجهها مرحلة أقرب إلى التّابوهات الاجتماعيّة دونما أيّ تأسيس فقهي قوي.

من جانب آخر، قصدنا في مناقشتنا لجزئيّة الخمر أعلاه إلى أن نُري القارئ الكريم الفاعليّة الكبيرة، غير المحدودة، في مقاربة مفاهيم جديدة من خلال تقليب وجهات النّظر دون قيود من قبيل المحرّمات الفقهيّة التي كبّلوا بها الفقه نفسه، فكان أن أهلّ علينا عصر الجمود. وقد كان من أثر هذه المغالاة في التّحريم أن انقفل باب الاجتهاد، فتأخّرت المجتمعات المسلمة حتّى أصبحت تتعيّش في كلّ ما يجري في حياتها على ما تنتجه ثقافات العالم الآخر غير المسلم.

مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الإسلام الثّقافي: فقه ما بعد الحداثة