بقلم: البرّاق النذِّير الورَّاق يبدأ العالم اليوم احتفالات (ستة عشر يوماً من النشاط) وهي الأيام من 25 نوفمبر وحتى 10 ديسمبر من كل عام، وقد حددت الأمم المتحدة هذه التواريخ، لاحتشادها بأيام تعتبر عالمية 

وللتذكير ببعض القضايا والمواضيع التي تهم العالم، إبتداءً من العُنف ضد المرأة، العنصرية، الأيدز، المدافعات عن حقوق النساء، الإعاقة…ألخ، وحتى الوصول لليوم العالمي لحقوق الإنسان 10 ديسمبر، وهو التاريخ الذي اعتمدت فيه الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.

يبدأ العالم هذه الاحتفالات وجوانبه تحتقن بالكوارث، والمؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية فيه تعجز عن إيقاف تزايد العنف والانتهاكات للإنسانية وللإنسان، من الإنسان نفسه. وعلى الرغم من احتشاد العالم بهذه الكوارث، إلا أن السودان يعتبر دولة غير مسبوقة في نوع الانتهاكات وتنوعها، نوعها على الجانب المؤسسي، وتنوعها على مستوى المواضيع والقضايا، وسنتناول في مقالات متعددة، بعض القضايا التي تشغلنا هنا في السودان، من باب العمل على زيادة الحساسية بهذه الأيام، وكيفية شحذ الأذهان للتفكُر في مآلات بعض القضايا المتعلقة بانتهاكات جارية أو جرت في وقت ما في السنوات القليلة الماضية، مع الوضع في الاعتبار، أن حملة الستة عشر يوماً من النشاط، هي حملة تنشط في تنفيذها سنوياً، بعض المنظمات الوطنية الصغيرة على مستوى القدرات والحجم، مع أنها كبيرة على مستوى الفعل، وما توقف عمل العديد من هذه المنظمات إلا بسبب نشاطها في مثل هذه القضايا.

ونبتدر هذه المقالات بأن نأخذ مثلاً قضية منع توظيف ذوي الإعاقة في وظيفة مساعد مستشار في وزارة العدل، الجهة العدلية الحكومية الأولى في السودان، وهي القضية التي أذهلت المهتمين وحيرت العاقلين، فالمعتاد لدى الناس، أن مثل هذا النوع من الانتهاكات، تقوم به المؤسسات الخاصة، أو العامة والغوغاء من ذوي المال ” السائب”، أو إذا بلغ الأمر مداه، تقوم به مؤسسات رسمية ذات صرامة إدارية “ساذجة”، لا ترعى الحقوق ولا ترعوي من انتهاكها، ومثل الأخيرة، كثيرة في بلادنا.

وزارة العدل السودانية، من أقدم الوزارات في السودان، من حيث التكوين، ومن حيث الإرث والخبرات، فحسب الموقع الإلكتروني للوزارة، فقد كانت أول نواة لها في العام 1953، ولكن الزائر والمتصفح لهذا الموقع، يندهش من التعارض الواضح، والتنافر الفاضح، بين ما هو مكتوب عن اختصاصات الوزارة والوزير، وبين ما هو ممارس خصوصاً في قضيتنا هذه؛ ولنتجاهل الأخطاء اللغوية في النص، ونتجه إلى ما يفيد في الجزئية الخاصة باختصاصات الوزارة وذلك في الموقع  http://www.moj.gov.sd/aboutministry.phpفي الجزء المعنون بـ(عن الوزارة). وحتى نكون أكثر مباشرة، سنختار نموذجنا من قانون تنظيم وزارة العدل الساري حالياً، والذي حدد اختصاصات وزير العدل كما حددته لائحة تنظيم وزارة العدل لسنة 1983 وهو كما يلي:

1- حسبما جاء في البند (1) من المادة 5 من قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 1983 فإن وزير العدل هو المستشار القانوني للدولة ويتولى نيابة عنها جميع الأعمال ذات الطبيعة القانونية، وبموجب البند (2) من نفس المادة يكون لوزير العدل المهام والاختصاصات الآتية مع مراعاة الأحكام الدستورية ودون المساس بنص البند (1):

أ) يسعى لبسط مبدأ سيادة القانون وتوفير العدالة الناجزة في النظام القانوني .

ب‌) يسعى لتحسين الأداء في مهنة القانون ولوضع الأسس والتقاليد السليمة للمهنة ورعاية نظمها وأخلاقها.

ج‌) يسعى لمراجعة القوانين وإصلاحها لتمثل التعبير الأتم عن قيم العدالة في المجتمع السوداني وتواكب التطور في حياته.

هذا ما ورد في القانون وحُدِّدت بموجبه بعض اختصاصات الوزير، وهي جزئية مهمة ليس فقط لأنها تبين القصور في فهم معنى الدولة وفق ما نراه من ممارسات، ولكنها كذلك تضبط الخروقات المباشرة لقانون وزارة العدل، التي تقوم بها بعض الجهات المعنية بتنفيذ هذا القانون نفسه؛ أنظر برَبِّكَ، للنص الذي يحِثُّ الوزير على ضرورة السعي لبسط مبدأ سيادة القانون وتوفير العدالة الناجزة في النظام القانوني! وحاول معايرته أعزك الله، بموقف وزارة العدل من ذوي الإعاقة وما رشح خلال المقابلات المباشرة والأسئلة الجارحة التي ألقيت على وجوههم كالقنابل! كيف لجهة سيادية مُلزمة بمراعاة القانون، أن تنهتك القانون وتهين مواطنيها وتمارس التمييز في مرة واحدة وبضربة واحدة؟! وكيف لجهة سيادية ولكبار الموظفين بها، الجهل بأبسط القواعد الحقوقية، بل الإصرار على المواصلة في الجهل بهذه الحقوق، دون أن يجدوا من يسائلهم أو يردهم إلى الرشد؟! ثم، إلى من يلجأ الناس لطلب الأمان، إذا كان الملجأ المفترض، جحر ضبع؟!

في الجزئية الثانية من النص المقتبس: يجب أن يسعى الوزير- عبر وزارته بالطبع وموظفيه- لتحسين الأداء في مهنة القانون ولوضع الأسس والتقاليد السليمة للمهنة ورعاية نظمها وأخلاقها. ولنترك التعليق للقارئ الكريم، بما توفر له من حيثيات في هذه القضية، مع الوضع في الاعتبار، أن من مُنِعوا من تقلُّد الوظائف، هم قانونيون بالدرجة الأولى ومؤهلون في أتمِّ التأهيل.

أما الجزء الثالث والأخير من النص المشار إليه، فقد أكّد على أن الوزير يجب (أن يسعى لمراجعة القوانين وإصلاحها لتمثل التعبير الأتم عن قيم العدالة في المجتمع السوداني وتواكب التطور في حياته)، وهنا يظهر سؤال منطقي: عبر من يا سيادة الوزير ستقوم بهذا السعي؟ وما هي قيم العدالة في نظر وزارتك وموظفيك، ومن هو المجتمع السوداني الذي تعنونه وانتم تنتهكون أبسط حقوق بعض أبنائه وبناته؟!

أعتقد أننا في حاجة إلى الهمس في أذن الوزير، بما هو مبذول في الدستور السوداني عن الحقوق، وكذلك الهمس في أذنه، بالتزام السودان القانوني والاخلاقي بالبروتوكول الاختياري لحقوق ذوي الإعاقة والاتفاقية الدولية، ولكننا يجب أن نصرخ في أذنه وبشدّة، لنقول له: أليست وزارتك وحسب اختصاصاتها ومسؤولياتها، هي المسؤولة عن الصياغة النهائية للقوانين؟! أليست هي المسؤولة عن متابعة الاتفاقيات المُصدّق عليها من جانب الدولة في مرحلة الوارد والصادر؟!. كيف جاز لحضرة لموظف كبير بالوزارة والأمر كذلك، أن يعلن للمتضررين في هذه القضية، أن الأمر في يد القانون وهو الفيصل فيه؟! مثل هذا القول يرد لسببين: أما أن سيادة الموظف الكبير بالدولة، لا يعرف فحوى القانون وبالتالي يريد أن يراجعه، أو، أن سيادته يريد التسويف وكسب الوقت ودفن القضية! وفي كلا الحالتين سنجد أن سيادته في خسران مبين، في الأولى، لأنه بعدم معرفته للقانون، يكون غير مؤهل لهذا المنصب وغير مستحق لأي امتيازات نالها منه ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً. أما في حالة التسويف وكسب الوقت، فنقول إن مثل هذه القضايا لا تموت، وكذلك التاريخ لا يموت وإن الحق الذي ورائه مطالب لا يضيع، وإن كنت لا تدري يا سيادة الوزير، فإن المكتسبات الحقوقية الحالية، واجه دُعاتها الكثير من العقبات والتسويف والمماطلة، كما واجهوا “التعنُّت” من المسؤولين و”التجاهل” و”الجهل” من المجتمعات، ولكن في النهاية لا ولن يصح إلا الصحيح.    

        v