د. سلمان محمد أحمد سلمان 1 أوردتْ وكالاتُ الأنباء أن نواب المجلس الوطني في الخرطوم استنكروا في جلسة البرلمان يوم الأربعاء 19 نوفمبر عام 2014، ما وصفوه بـ "موقف السودان المهزوز" تجاه مصر 

فيما يتعلّق باتفاقية مياه النيل، وشدّدوا على ضرورة حفظ حقوقه في الفترة القادمة. وقد أكّد وزير الموارد المائية والكهرباء السيد معتز موسى، أمام البرلمان خلال تلك الجلسة، أن السودان لن يفرّط في حقوقه التاريخية في مياه النيل، ولن يتنازل عن مترٍ مكعبٍ واحدٍ من حصّته، وأشار إلى أنه ليس بمقدور أيّة دولة أن تمنع السودان من استغلال نصيبه كاملاً غير منقوص. ووصَفَ السيد الوزير في بيانه بشأن الخطّة القومية لتنمية واستغلال الموارد المائية بالبرلمان قسمة اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بغير العادلة، لكنه أكّد التزام الحكومة بهذه المواثيق وعدم التعدّي على حقِّ أحدٍ، باعتبار “أن السودان دولة مبادئ وقيم ودولة منضبطة بأدب الدين وقواعده” حسب قوله. واعتبر أن استغلال السودان لنصيبه من مياه النيل سيغلق الباب أمام المهدّدات والمخاطر الإقليمية والدولية التي ستواجه السودان مستقبلاً بسبب ملفِّ المياه. وأعلن السيد الوزير عن اتجاه السودان للمطالبة بتقسيم الزيادة في متوسط إيراد النيل البالغ 91 مليار متر مكعب حسب الاتفاقية. إلا أنه أقرّ بأن تلك الخطوة تصطدم بعدم موافقة دول حوض النيل الأخرى، والتي ترى في القسمة تهديداً وخصماً على استغلالها المستقبلي لمياه النيل.

تثير الخطة القومية لتنمية واستغلال الموارد المائية، وبيان السيد الوزير، وأسئلة وتعليقات النواب، الواردة أعلاه مجموعةً من الأسئلة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً: كم نصيب السودان من مياه النيل بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959؟
ثانياً: كم من هذه الكمية نجح السودان في استخدامها؟
ثالثاً: كم من هذه الكمية فشل السودان في استخدامها منذ توقيع اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959 وحتى هذا العام؟
سوف نحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الأسئلة.

2
كنا قد أشرنا في عدّةِ مقالاتٍ سابقة، وكذلك في المقابلات الأربعة في برنامج مراجعات مع الأستاذ الطاهر حسن التوم، إلى أن السودان قد فشل منذ توقيعه اتفاقية مياه النيل مع مصر عام 1959 وحتى اليوم في استخدام حوالي 350 مليار متر مكعب من نصيبه من مياه النيل بمقتضى تلك الاتفاقية. لكننا نعود لنوضّح في هذا المقال أن الرقم الذي فشل السودان في استعماله في حقيقة الأمر أكبر بكثير من 350 مليار متر مكعب. كان قرارنا أن نركّز في البدء على الجزء الأول، والذي هو 350 مليار، لأن شرحها سوف يتم بعملية حسابية مبسّطة، كما أوضحنا في المقالات والمقابلات السابقة، على أن نعود للجزء الثاني في الوقت المناسب. ونعتقد أن الوقت قد حان للتعرّض لهذه الجزء، كما سنفعل في هذ المقال.

3
ظلّت كمية المياه التي يستخدمها السودان من نصيبه من مياه النيل من الأمور التي يكتنفها الغموض ويلتفُّ حولها ثوبٌ كثيفٌ من الصمت الرسمي لسنواتٍ طويلة. فقد قامت مصر والسودان بموجب اتفاقية مياه النيل التي وقّعا عليها في 8 نوفمبر عام 1959 في القاهرة بالاتفاق على أن مياه النيل مقاسةً عند أسوان تساوي 84 مليار متر مكعب بناءً على متوسط سريان نهر النيل منذ عام 1900. وقد قامت مصر والسودان بتخصيص الـ 84 مليار تلك كلها لنفسيهما، بعد خصم فاقد التبخّر والتسرّب في بحيرة السد العالي، والمُقدّر بعشر مليارات متر مكعب. وقد وافق السودان على تحمّل فاقد التبخّر مناصفةً مع مصر رغم أنه سيبني سدوده، وسوف يكون هناك تبخّر من هذه السدود سوف يتحمّله السودان لوحده. ويبلغ التبخّر من سدود السودان أكثر من ستة مليار متر مكعب سنوياً، بما في ذلك التبخّر من خزان جبل أولياء البالغ مليارين ونصف سنوياً. وكانت مصرُ قد أقنعت الوفدَ السوداني لمفاوضات مياه النيل أن السد العالي هو لمصلحة مصر والسودان معاً، ووافق السودان بمقتضى ذلك على تحمّل نصف فاقد التبخّر في بحيرة السد العالي. الغريب في الأمر أن هناك من وزراء الري السابقين والفنيين من لا يزال يصدّق هذه المقولة.
اتفقت الدولتان على توزيع المتبقّي من مياه النيل والبالغ 74 مليار متر مكعب (بعد خصم تبخّر بحيرة السد العالي) بينها، ليكون نصيب مصر 55.5 مليار متر مكعب، ونصيب السودان 18.5 مليار متر مكعب. وقد وافق السودان بمقتضى تلك الاتفاقية على منح مصر سلفة مائية قدرها مليار ونصف تنتهي في عام 1977، ليرتفع نصيب مصر إلى 57 مليار وينخفض نصيب السودان إلى 17 مليار متر مكعب.

وكما ذكرنا من قبل، فإن من غرائب اتفاقية مياه النيل لعام 1959 الكثيرة أنها لم توضّح تاريخ وكيفيّة إعادة تلك السلفة المائية للسودان. كما أن السلفة المائية تمّت الإشارة إليها في ملحق للاتفاقية، وليس في مواد الاتفاقية نفسها.

4
غير أنه كان هناك أحساسٌ عميق في أوساط الدوائر العالمية المهتمّة بدراسة المياه أن السودان قد فشل منذ السنوات الأولى للاتفاقية في استخدام نصيبه من مياه النيل. فقد فقدت خزانات سنار والروصيرص وخشم القربة مع مرور السنوات أكثر من نصف طاقتها التخزينية بسبب تراكم الطمي الذي يحمله النيل الأزرق ونهر عطبرة من الهضبة الاثيوبية سنوياً. وتشير التقارير إلى أن النيل الأزرق ونهر عطبرة يحملان كل عام أكثر من 120 مليون طن من الطمي، تراكم ويتراكم جزءٌ كبيرٌ منها في بحيرات هذه الخزانات. وقد كان هذا مؤشراً واضحاً لفشل السودان في استخدام نصيبه من مياه النيل. كما كان التدهور التدريجي الكبير، أيضاً بسبب الطمي، لقنوات الري في مشروع الجزيرة، وانتشار العطش في حواشات المشروع، مؤشراً آخر للاعتقاد بأن السودان قد فشل في استخدام نصيبه من مياه النيل. فمشروع الجزيرة كان وما يزال المستهلك الأول لنصيب السودان من مياه النيل. وقد كانت استعمالات المشروع تبلغ 8 مليار متر مكعب، وهي تساوي قرابة نصف نصيب السودان من مياه النيل بعد خصم السلفة المائية لمصر.

وقد قوّى الاعتقاد بفشل السودان في استعمال نصيبه عاملان: صمت المسئولين السودانيين عن استمرارية أو انتهاء السلفة المائية لمصر عام 1977، وعدم الحديث إطلاقاً عن مسألة استردادها، وكذلك الصمت التام عن الرقم الحقيقي لكمية مياه النيل التي يستخدمها السودان سنوياً.

ولا بُدّ من التأكيد أن هاتين الحقيقتين مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض. فما معنى أن يطالب السودانُ مصرَ بإعادة السلفة المائية والتي تبلغ سنوياً مليار ونصف مليار متر مكعب إذا كان السودان قد فشل في استخدام جزءٍ كبيرٍ من نصيبه الأصلي من مياه النيل والبالغ 18,5 مليار متر مكعب، كما سنناقش أدناه.

5
عليه فقد تواصل الجدل عن كمية المياه التي يستخدمها السودان من نصيبه من مياه النيل، وظلّ محتدماً لبعض الوقت بسبب الصمت الرسمي عن هذه المسألة. أما في السودان فقد كان بعض كبار موظفي وزارة الري والموارد المائية ومستشاريها يصرّون على أن السودان يستعمل نصيبه الكامل من مياه النيل والذي يبلغ 18,5 مليار متر مكعب. وقد كرّر بعضهم تلك المقولة في عددٍ من الندوات العامة.

من الجانب الآخر كانت تقارير المنظمات المالية الدولية ومنظمات الأمم المتحدة المعنيّة بالمياه تشير إلى أن استخدامات السودان تقع في حدود 14 مليار متر مكعب سنوياً. وقد تضمّنت مواقعها الالكترونية هذا الرقم الذي أخذ طريقه لبعض الكتب والمقالات العلمية. وقد قَبِلَ المختصّون في قضايا المياه (مثل البوفيسر روبرت كولينز الخبير في مياه النيل) هذا الرقم، وأصبح تداوله واسعاً.

6
غير أن المهندس كمال علي وزير الري والموارد المائية السابق (1999 وحتّى 2011) قلب تلك الحسابات رأساً على عقب في 9 أغسطس عام 2011. فقد أدلى السيد الوزير بتصريحٍ لعددٍ من القنوات الفضائية والصحف السودانية في ذاك اليوم عن الرقم الحقيقي الذي يستعمله السودان، موضّحاً أنه لم يتجاوز 12 مليار متر مكعب في العام. وقد أوردتْ جريدة الصحافة السودانية تصريحاته تلك تحت عنوان “السودان لن يُفرّطَ في حصته من مياه النيل.” وقد شملت التصريحات قول الوزير: “إن السودان لديه خطة شاملة لاستغلال كامل حصته من مياه النيل، قد نكون تأخرنا في استغلال كامل الحصة حيث يصل إجمالي ما يسحبه السودان من مياه النيل نحو 12 مليار متر مكعب، ونحن بصدد إقامة عددٍ من المشروعات لاستغلال كامل الحصة،” وشدّد على عدم تفريط السودان في أيِّ مترٍ من حصته من مياه النيل. راجع تصريحات السيد وزير الري كما وردت في جريدة الصحافة (الأربعاء 10 رمضان 1432هـ الموافق 10 أغسطس 2011م، العدد 6487، الصفحة الثالثة).

ويلاحظ التشابه الكبير بين تصريحات الوزير كمال علي تلك في 11 من شهر أغسطس عام 2011، وبيان السيد الوزير معتز موسى أمام البرلمان في 19 نوفمبر عام 2014. فقد ذكر السيد معتز موسى ” أن السودان لن يفرّط في حقوقه التاريخية في مياه النيل، ولن يتنازل عن مترٍ مكعبٍ واحدٍ من حصّته، وأشار إلى أنه ليس بمقدور أيّة دولة أن تمنع السودان من استغلال نصيبه كاملاً غير منقوص.”
7
حسمت تصريحات رجل الموارد المائية الأول في السودان في عام 2011 الجدل حول هذا الموضوع، وأزالت الغموض نهائياً عنه. وقد تناقلت وكالات الأنباء تلك التصريحات بسرعة البرق، وبعدّة لغات. وسعدتْ الدوائر الأكاديمية والمنظمات الدولية بتصريحات السيد وزير الري السوداني لأنها أعطتهم رقماً رسمياً من حكومة السودان يمكن، بل يجب، الاعتماد عليه. وتمّ بالطبع تعديل أرقام هذه الدوائر والمنظمات لتشير إلى أن السودان يستخدم 12 مليار متر مكعب فقط في العام من نصيبه من مياه النيل البالغ 18,5 مليار متر مكعب. وانتهى عهد التكهّنات في هذه المسألة.

8
إن تصريحات السيد الوزير بأن استخدامات السودان من نصيبه من مياه النيل لم تتجاوز 12 مليار تعني بعملية حسابية مبسّطة أن السودان قد فشل في استخدام ستة مليار ونصف كل عامٍ منذ عام 1959 وحتى اليوم من نصيبه البالغ 18,5 مليار متر مكعب. ولقد مرّت حتى الآن 55 عاماً على هذا الوضع، مما يعني بعملية حسابية بسيطة فشل السودان في استخدام أكثر من 350 مليار متر مكعب خلال هذه الفترة (6,5 مليار كل عام، على مدى 55 عام تساوي 357 مليار متر مكعب).
وقد ذكر أحد الوزراء السابقين أن السودان لم يخسر تلك الكمية من المياه لأنها مخزّنة في بحيرة السد العالي. وهذا قولٌ مدهش. فبحيرة السد العالي تم ملؤها عام 1970 بعد أن وصل التخزين فيها إلى 162 مليار متر مكعب. وليس فيها مكانٌ لتخزينٍ إضافي حتى لمصر. كما أنه ليس هناك اتفاق مع مصر لتخزين مترٍ مكعبٍ واحد للسودان، دعك من 350 مليار متر مكعب.

9
غير أن القول إن السودان فشل في استخدام 350 مليار متر مكعب من نصيبه من مياه النيل مبنيٌ على افتراض أن مجمل مياه النيل مقاسةً عند أسوان كل عامٍ هي 84 مليار متر مكعب في العام، كما ورد في اتفاقية مياه النيل لعام 1959. وقد كان هذا الرقم هو متوسط إيراد نهر النيل في الفترة من عام 1900 وحتى عام 1958 الذي تضمّنته الاتفاقية.

لكن على ماذا اتفق الطرفان في حالة زيادة إيراد النهر عن 84 مليار متر مكعب؟ لقد قضت اتفاقية مياه النيل لعام 1959 على أنه إذا زاد متوسط إيراد نهر النيل عن 84 مليار متر مكعب في العام فإن الزيادة في صافي الفائدة الناتجة عن الإيراد تقسّم مناصفةّ بين مصر والسودان (انظر الفقرة الثانية (4) من اتفاقية مياه النيل لعام 1959.)

وفي حقيقة الأمر فإن إيراد نهر النيل ظلَّ في تزايدٍ مستمر منذ عام 1960. وقد كان ذلك التزايد المستمر هو السبب الذي جعل مصر تنجح في ملء بحيرة السد العالي بحوالي 160 مليار متر مكعب في فترةٍ وجيزة لم تتجاوز العشر سنوات، ودون أن يؤثّر ذلك على مشاريع وبرامج الري في مصر.

وتوضّح الأرقام أن إيراد النيل بلغ 117 مليار متر مكعب عام 1961، ثم 124 مليار عام 1964، ثم 104 مليار عام 1967. وظلّ في معظم السنوات حوالي 90 مليار، ليرتفع عام 1975 إلى 123 مليار، ثم إلى 115 مليار عام 1988. ووصل أعلى معدلٍ له عام 1998 حين بلغ إيراد النيل 126 مليار متر مكعب، ثم عام الإيراد ليصل إلى 110 مليار عام 2008.

لهذه الأسباب فقد عدّلت منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الأخرى المعنيّة بموارد المياه، أرقامها عن إيراد نهر النيل. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية أن متوسط إيراد نهر النيل هو 109 مليار متر مكعب، وليس 84 مليار. ويُلاحظ أن السيد الوزير معتز موسى أشار أمام البرلمان في 19 نوفمبر عام 2014 إلى أن متوسط إيراد نهر النيل هو 91 مليار. عليه فقد انتهى عهد الـ 84 مليار.

10
لنبدأ بافتراض أن أرقام السيد الوزير صحيحةٌ، وأن متوسط إيراد النيل منذ عام 1960 هو 91 مليار متر مكعب، كما ذكر السيد الوزير. هذا الرقم (91 مليار) يعني زيادة سبعة مليار متر مكعب سنوياً عن رقم الـ 84 مليار الذي نصّت عليه اتفاقية مياه النيل. وعند تقسيم زيادة السبعة مليار هذه مناصفةً بين مصر والسودان (كما تقضي بذلك الاتفاقية) فإن نصيب السودان هو ثلاثة مليار ونصف متر مكعب كل عام منذ عام 1960، لم يستخدم السودان متراً مكعباً واحداً منها.

وعند إضافتنا هذا الرقم الجديد إلى رقم الستة مليار ونصف التي فشل السودان في استخدامها من نصيبه من مياه النيل بموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959، فإن جملة ما فشل السودان في استخدامه من مياه النيل سنوياً هو عشرة مليار متر مكعب كاملة كل عام. وهذا يعني بعملية حسابية مبسّطة أن السودان فشل منذ عام 1960 وحتى اليوم في استخدام حوالي 540 مليار متر مكعب من نصيبه من مياه النيل (10 مليار كل عام على مدى 54 عام تساوي 540 مليار متر مكعب)، حسب أرقام السيد الوزير نفسه.

11
أما إذا اعتمدنا أرقام برنامج الأمم المتحدة للتنمية بأن متوسط إيراد نهر النيل منذ عام 1960 هو 109 مليار متر مكعب، فإن متوسط الزيادة في إيراد النيل هي 25 مليار سنوياً. ونصيب السودان الإضافي بمقتضى اتفاقية عام 1959 هو نصف هذه الكمية، أي 12,5مليار متر مكعب في العام.

وإذا أضفنا الـ 12,5 مليار الجديدة إلى الستة مليار ونصف التي فشل السودان في استخدامها،فإن الرقم يصل إلى 19 مليار متر مكعب (12,5 زائد 6,5) كل عام منذ عام 1960، وحتى اليوم. وهذا يعني فشل السودان في استخدام أكثر من ألف مليار متر مكعب من نصيبه من مياه النيل منذ عام 1960 وحتى اليوم (19 مليار كل عام على مدى 54 عام تساوي 1026 مليار متر مكعب).

12
ويبدو أن الخلاف بين أرقام السيد الوزير (91 مليار)، وأرقام برنامج الأمم المتحد للتنمية (109 مليار)، مردّه أن أرقام السيد الوزير اعتمدت متوسط إيراد نهر النيل منذ عام 1900 وحتى عام 2012 (أو عام 2014)، بينما اعتمدت أرقام الأمم المتحد المتوسط بين الأعوام 1960 و2012. غير أن المتوسط كان يجب أن يكون للسنوات بعد توقيع اتفاقية عام 1959، أي منذ عام 1960 وحتى عام 2012، كما فعلت أرقام الأمم المتحدة. فمتوسط الإيراد قبل عام 1960 انتهى دوره بالاتفاقية، ولا علاقة له بتقسيم الفائض الإضافي.

13
وسواءٌ كانت الأرقام التي أوردها السيد الوزير (91 مليار سنوياً)،أم أرقام الأمم المتحدة (109 مليار سنوياً) هي الصحيحة، وسواءٌ كان ذلك المتوسط للخمسين عام الماضية أم لعشرين عام، أم للأعوام العشرة الأخيرة فقط، فالنتيجة، في اعتقادنا، هي نفس النتيجة. لقد فرّطنا في الكثير والكثير من نصيبنا من مياه النيل. حدث ذلك رغم تصريحات وزراء الري المتعاقبين الكُثر (الفنيين منهم والسياسيين) منذ الستينيات من القرن الماضي أن السودان لن يفرّط في مترٍ واحدٍ من نصيبه من مياه النيل.

وسوف يستمر هذا الوضع، إن لم نقل إنه سوف يزداد سوءاً، رضينا أم أبينا، لأن بنية الري التحتية في مشاريعنا الرئيسية (الجزيرة، والرهد، والسوكي، وحلفا الجديدة) تزداد تدهوراً وانهياراً أمام أعيننا يوماً بعد يوم. وهاهو الدكتور كرّار عبادي يقدّم استقالته من رئاسة مجلس إدارة مشروع الجزيرة بعد أن اتضح له استحالة مهمته – إعادة المشروع إلى عهده الزاهر.

14
لقد قدّم أهالي منطقة وادي حلفا تضحياتٍ جسام تمثّلت في الترحيل القسري لأكثر من 50,000 منهم، بعد إغراق 27 من قراهم، بالإضافة إلى مدينة وادي حلفا نفسها. وشملت التضحيات فقدانهم لأكثر من 200,000 فدان من الأراضي الزراعية الخصبة (وأراضي أخرى كان يمكن استصلاحها)، وأكثر من مليون شجرة نخيل وحوامض في قمة عطائها. وفقدوا أيضاً منازلهم، ومراتع صباهم، وقبور أحبائهم، وضرائح أوليائهم، وجزءاً كبيراً من تاريخهم وتراثهم. ودفع الشعب السوداني قرابة ثلثي تكلفة ترحيل أهالي منطقة وادي حلفا.

كانت كلُّ تلك التضحيات من أجل أن يحصل السودان على 18,5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنوياً لري مشروع الجزيرة وامتداد المناقل.

تُرى ما الذي يمكن أن يُقال لأهالي المنطقة بعد فشل السودان الذريع في استخدام ذلك الجزء الكبير من نصيبه من مياه النيل، وبعد انهيار مشروع الجزيرة، وهما السببان الرئيسيان اللذان قدّم هؤلاء الأهالي كلَّ تلك التضحيات من أجلهما؟؟

Salmanmasalman@gmail.com
www.salmanmasalman.org