عبد الله الشيخ  خط الاستواء نعى الناعي رجلاً طيباً،هو الاستاذ الجامعي الدكتور كامل ابراهيم حسن، ذلك العالِم الجليل، الذي أثرى المكتبة السودانية بعديد المؤلفات، واشتهر بين كُتّاب الصحف السودانية بمقالاته السّلسة الرصينة،

وقد كان لى شرف مصاحبته والأُنس به ومعه فى “أجراس الحرية”..ومنذ لقاءنا الأخير هناك، فى العام 2011 ، كنا على وعد أن نلتقي لقراءة تجربته فى العمل العام باعتبارها تمثل اضاءة ساطعة على الجهد المُقدّر الذي جاد به جيل ما بعد الاستقلال..وقد كان فى خاطري نوثِّق  لتجربة الغُربة و السِجن، ونتفاكر حول رؤيته للعالم، إثر تأجيل فورة الحُلم، ” أو انقشاعه حتى حين” ، وما تبِع ذلك من استشراء ، لمتلازمة  الخراب و الدّعشنة!..

انتابتني رعشة حزن عميق على فقد هذا الانسان النادر النبيل، فاستذكرت بعضاً مما قال العابرون.. كلنا مشاريع رحيل ..كلنا محكومٌ علينا..كلنا يسافر لوحده فى نهاية الأمر..سعيد الحظ فى هذه الحياة الدنيا ، وفى الآخرة أيضاً، هو ذلك العابِر ،خفيفاً كالظِّل ، ليس إلا، ليس إلا!.. اتصفّح بريدي فى اليوم والسّاعة، وأنغمس فى قراءة كلمات د.كامل ، وكثيراً ما كنت أُهاتفه قبل أو بعد النشر، فاسمع منه الحواشي على دفتر المكتوب.. إنه رجل لا يُملْ  فهو موسوعة فى التراث وفى التاريخ و الأدب،، والكلام عنده ” يُفَتِّح بعضُه بعضاً”.. يُحدثك في السياسة من كُوّة الأدب، ويناقش القضايا اجتماعية  أو فكرية أو رياضية، من زوايا مُتعدِّدة ، فتُحس به كأنه يقود هودجاً، أو يلكِز بكعبيه حصاناً فوق رمال البوادي، قبل أن يتجرّد من العرّاقي  والسّروال، ويمرح بدرّاجة أيام الصّبا على نهر الفولجا، فيحدثك عن ربيع براغ، وازاهيراً تنبت بالصقيع، وعن بوشكين..كان أنسه المتقطّع معي عبارة عن رحلة فى الأيام، وكنت كلما حزمت أوراقى لاستنطاقه، يشغلني عنه شاغل، حتى قيل لى أنه عبرَ الى هُناك ، فكم هي قصيرة هذه الحياة، ما أضيق فسحاتها، وما أغرى غرورها الذي يقتنص حظّك منها!..

لم تزل عمامة الدكتور كامل ابراهيم حسن، ماثلة أمامي، ولم تزل نبرة صوته العذب، وفكاهياته المِمراحة تتردد فى خاطري..كان أكثر ما يُميّزه ، أنه انسان معطون فى الفرح، لا يتسلل اليأس إليه ، فلكأنه لم يزر بيوت الاشباح، ولا أحس يوماً بذلك الطعم ولا بتلك المرارة الذي كانوا يريدونها لمفصولي الصالح العام!… للدكتور كامل صراحته التى مثل حد السيف، وتعابيره الذكية عن “دردرة” الحياة، يشِعّ من عقله وقلبه ذلك الايمان العميق بالشباب وبالمستقبل.. و مما كان مؤجلاً  للحديث بيينا، تجربته الخاصة  فى تلك البيوت الشبحية بعد دقّة المِزيكة … فليته يكون قد سطر تلك التجربة.. ومما كان مؤجلاً كذلك ،التقليب فى دفتر عشقه لهذا لسودان، وولعه بالشِعر العامّي والفصيح.. حقاً لقد خسرت بلادنا ابناً باراً، كان حرياً باذاعاتنا وتلفزيوناتنا العديدة ان توثّق لتجربته وتجربة أمثاله،  بدلاً من اضاعة المال والوقت فى هذا الغثاء ، وفي هذه “اللِّكّة” الضّاربة باطنابها.. رحمة الله على الدكتور كامل ابراهيم حسن، الذي عاش صامداً ، زاخراً بالمجد فى ليالي الافول ، و رحل مرفوع الهامة فى زمانٍ اغرى الغرماء لاصطياد السُلطة كي تكون مغرماً لهم !..طيّب الله ثراه و أحسن مثواه.. ولا أقل من أن تنتبه روابط طلاب الجامعات المعاهد العليا ــ لا أقول روابط طلاب النيل الأبيض وحدهم ـــ فقد جاء دورهم فى تخليد ذكرى هذا الراحل العظيم، عرفاناً بتضحياته وبذله ،و تقديراً لحبه الصّادق لتراب هذا الوطن …