د.ناهد محمد الحسن لان الاستقلال اتى كحدث هادئ , ظل السودانيون عالقون فى حالة من الفشل المكتسب والمرتبك ازاء اسئلة وجودهم وهويتهم ...وهى حالة تشرحها الدكتورة وفاء سلطان فى اقتباس عن تجربة علمية تقول 

قام عالم نفس امريكى بوضع مجموعة من البراغيث داخل قطرميز محكم من الزجاج , حاولت البراغيث الهرب فارتطمت بالغطاء ومات بعضها . بعد مرور زمن على المحاولات اليائسة تبنت البراغيث طريقة جديدة وهى القفز الى مستوى اخفض بقليل كى تتجنب الارتطام . وانتظر العالم طويلا حتى تأكد من ان البراغيث يئست وتكيفت مع وضعها الجديد فقام بفتح الغطاء غير ان البراغيث اصرت على التحليق المنخفض ..ففسر ذلك بحالة الاحباط المكتسب جراء الالم الذى تتعرض له البراغيث عند الارتطام .

تعتبر حالة الاحباط المكتسب فى نظرى السبب وراء اهدار الطاقات الانسانية القادرة على التحرر والابداع وهى حالة اسهم فيها اننا لم نساهم بفاعلية فى حفل رفع الغطاء اذ كنا غارقين فى بؤسنا الوجودى وتعاستنا القدرية نجتر حزننا وهزائمنا …لذلك قبل ان نعى هويتنا الجديدة ونحسم النقاش حول الدستور السودانى الجديد ..وقبل ان تعتاد الستنا على نشيد العلم الذى يرفرف بحرية ليلهمنا الطريق الى الحرية والكرامة, هجم العسكر على الحكم , ابناء القهر وصنيعته , ليمرروا عبر تسلطهم فينا  تاريخ قهرهم الشخصى متعللين بعجز الحكومات المدنية عن ادارة شؤون البلاد وان الشخصية السودانية اكثر قابلية وملاءمة للحكم العسكرى. ومن هنا صار تاريخ السودان مسلسلا من القهر تحت ظل الانظمة الشمولية  والاستبدادية التى اغرقت البلاد فى الخوف والتعذيب والفساد وحرمت الانسان السودانى من فترة نقاهة يستعيد فيها ذاته ويخرج فيها من حالة العجز او الاحباط المكتسب . ولست هنا بصدد سرد احداث ووقائع يعرفها الجميع , شارك فيها البعض منا بفاعلية وكان جزءا منها . وتمتلئ بها الكتب التحليلية والوصفية والدراسات . لكننى بصدد الحديث عن الانسان نتاج هذا القهر ومحاولة تلمس لطريق يخرجنا من الاحباط الى الفعل بقدر الامكان …باعتبار ان الغطاء الان مرفوع بسقوط المشروع الحضارى _ على حد كتاب د . حيدر ابراهيم _ ولكن من يخبر الذات البرغوثية التى تسكننا بذلك ويخرجها من الخوف التاريخى ويرشدها الى افق الحرية الجديد ؟! مات غول القهر وهو الان فى طريقه للسقوط ولن اشغلكم برؤية دابة الارض وهى تأكل منسأته …اذ علينا الحديث عن مخلفاته فينا قبل ان نستعد للتحديات القادمة , اذ يعتبر اى حديث عن التنمية والتقدم دون استصحاب التنمية البشرية غير ذى قيمة …  وهذه رحلة لابد ان يكون حاديها العقل الواعى الناقد , فلنأخذ طريقنا محلقين خارج القطرميز يجب ان نعى اولا حدود القطرميز والضيق الذى نعيش فيه والامكانات المحدودة له والتى فى سياق تكيفنا معه , ضحينا بالكثير من انانا الى درجة التسليم بوضع القهر كوضع طبيعى نناضل لنظل تحته قامعين اى عملية تغيير احيائية جديدة تساهم فى كسر الجمود والشلل الفكرى الذى نغرق فيه . فلنطير مرة اخرى علينا ان نمرن اجنحتنا الكسولة وندرك ان البقاء طويلا  فى قطرميز قد يجعلنا نفضل سجننا الضيق الاسن الذى اعتدنا عليه على فضاء الحرية العاصف والامحدود.

فماذا فعل فينا القهر ؟! ما سأسرده هنا نماذج لتمظهرات القهر الكثيرة والمختلة , كتأملات على محاور الرؤية الانسانية للذات والاخر والكون .باعتبار ان اولى مراحل العلاج هى التشخيص ومعرفة تمظهرات الداء لنقف منه موقف التغيير لقد تطور تعريف الصحة النفسية والسواء النفسى , اذ يعتبرها البعض الخلو من الاعراض والعلامات المرضية , والحقيقة ان هذا التعريف هو جزء من مفهوم الصحة النفسية الذى خطا الى آفاق ابعد من هذه اذ غدا المرض ما تفعله من تصرفات مرضية وما لاتفعله من تصرفات معافاة . يعرف كل من العلامة اليس والعلامة بيك المرض النفسى بسيطرة ردود الفعل الانفعالية السلبية على الشخص وسلوكه وتعود ردود الفعل هذه الى نظام من الافتراضات المعرفية الخاطئة تبعا لاليس والى نظام الافكار الآلية المرتكز على نواة نظام من المعتقدات العميقة حول الذات والعالم تبعا لبيك .الانسان يقع صريع المعاناة والاضطراب والاكتئاب والقلق نتيجة لخلل فى نظام المعتقدات . اما الشخص المعافى فهو ذاك الذي يتمتع بنطام معتقدات واقعى فى النظرة الى الذات والآخرين والدنيا . وينتج عن هكذا نظام واقعى عقلانى سيادة التفكير الايجابى فى المواقف الحياتية كما فى الموقف من الذات وما يعتمل فيها . ويشكل الوصول الى التفكير الايجابى من خلال دحض نظام المعتقدات الخاطئة و السيطرة عليها الشفاء النفسى واستعادة العافية فى حالة من سيطرة العقل على الحالات الانفعالية السلبية _ حجازى ,د. مصطفى, مفهوم متكامل لدينامية النمو فى البيت والمدرسة  .وعلى ضوء هذا التعريف ساتتبع تمظهرات القهر على مستوى الرؤية للذات والاخر والكون لبناء الوعى والاقتدار والكفاءة النفسية .

الرؤية للذات:

خلفت سيرة القهر الطويلة والمستمرة ندوبا فى الذات السودانية اثرت فى نظمها المعرفية ورؤيتها للذات من خلال النظرة الدونية وعقدة النقص . وبالتالى حكمت ردود افعالها تجاه واقعها والتى اتسمت فى مجملها بالسلبية والانسحابية وانعدام المبادرة والفعل الابداعى والتماهى مع القاهر .

رسم العلامة اريكسون فى كتابه الطفولة والمجتمع طريق النضج النفسى والاجتماعى وفقا لمدرسته الخاصة والتى تتحدث عن فترات حرجة يمر بها الانسان من الميلاد الى الموت ..تسم ردود فعله تجاهها فى طروفه البيئية والاسرية المعينة مستقبله النفسى والاجتماعى كناضج . واهم ركائز الذات السوية فى طريقها لخلق هوية فردية متماسكة وبالتالى هوية مجتمعية واضحة ومعافاة هى العلاقة الاولية مع الام والاسرة ثم التفاعلات مع الاصدقاء والشلة فى فترة المراهقة .. ومما لايخفى علينا ان انظمتنا التربوية تقوم بدورها فى تدجين الشخصية السودانية وسحق ارادتها لتعليمها الادب الذى يساوي فى مفهوم التربية النفسية انعدام الشخصية واضطراب الشخصية وبالتالى انعدام الادب !. وعادة ما ينجو الطفل الاول من مسلسل القهر هذا نسبة لقلة الضغوط حول الام والاسرة . ولكنها نجاة شكلية اذ سرعان ما يتماهى فى شخصية الاب او الام ان _ كانت فتاة _ فيتبنى القهر ويسقطه على اخوته والاخرين او تبتلع القهر ان كانت فتاة ..فتتراوح النماذج التى تفرخها انظمتنا التربوية من العدوان الى السلبية والانسحاب . بذلك يستمر نظام القيادات الهرمى فى السودان من الاب الى الابن الاكبر وهكذا . تعتمد الاسرة السودانية عادة على الابن الاكبر فى تسيير امورها والذى سرعان ما يغدو والدا لوالده حتى من ناحية المسؤلية لدرجة اننا نجد الابن فى السودان يزوج اباه او يرعى اخوته الصغار بدلا ان يتزوج ويرعى اطفاله هو . وهى حالة تبناها النظام الاجتماعى السودانى بوصفها النظام الطبيعى الذى يلام عليه الابن ان هو قصّر او فكر ان يتزوج باكرا . وهذا النموذج يعكس المفاهيم التى تقوم عليها الانظمة التربوية فى السودان والتى تعتبر الابناء ملكا كالمغتنيات الخاصة التى عليها ان تشبع طموح الاباء . فنحن نربى ابناءنا لنا لا لهم , لذلك نقوم بردود فعل عنيفة ازاء اى بادرة  استقلال ونقمعها كفعل عسكرى ضد السلطة ! وهذا ما كرس الولاء للقبيلة والذى رغم رسم ملامح السودان كدولة منذ العهد التركى  لازال هو الحاكم فينا عرفا وتقاليد وعصبية . كرس لذلك واستدامه بالطبع غياب المؤسسات الحزبية فى ظل الانظمة الشمولية التى لم تترك للمواطن ملجأ غير حضن القبيلة .

يحتقر السودانى ذاته ولا يثق بها لذلك نفشل فى اداء العمل الجماعى والمؤسسى باعتبار ان الثقة فى الآخر هى شكل من اشكال الثقة فى الذات …فايمانك بقدراتك يعنى بالضرورة تصديقك بقدرات الاخرين والعكس صحيح فان كنت عاجزا عن تصديق قدراتك الذاتية فبالتالى انت اقرب الى التشكيك فى مقدرات الاخرين . وهذا الشك يقوم بدوره فى كبح الطاقات والامكانات الامحدودة التى تنتظر بعض الثقة وشئ من الفرص.ومن هنا اتت لامبالاتنا بالزمن , والذى قد يرى فيه البعض ارثا بدويا ورثناه من سنوات الرعى الطويلة . وفى نظرى ان هذا القول يصدر من اشكالات الذات التى تبحث لها عن تبريرات قدرية لاتخلو من تحميل الاخرين وزرها وتبرئة الذات . فالرعى عملية انضباط عالية بالزمن . اذ يقوم الرعاة فى اوقات مبكرة جدا والتزام جاد يوميا بأخذ ماشيتهم الى المرعى ليبحثوا لها عن المراعى المناسبة ويقضوا نهارهم فى ضنك عالى ليعودو عند المغيب مجهدين من العمل الطويل دون كلل او ملل . وهذا التزام نفتقده بافتقادنا للثقة فى الذات وامكاناتها . والزمن عندنا توقف فكريا وشعوريا فى حقبة ما لازلنا نستلهم حكمتها ونتمسك بها دون مراعاة للمتغيرات . لا احترم الزمن لاننى لاادرى ما افعل به ؟ّ! فان كنت ادرك قيمة وجودى ودورى فى دولاب العمل وبالتالى التنمية العامة والتطور والحضارة , لفعلت فى العمل اليومى اكثر من اكل الفول وشرب الشاى وقراءة الجرائد والتحدث عن البدلات والعلاوات والصناديق او عبر الموبايل فى نقل ( الشمارات وكافة انواع البهارات ) حتى يأتى الترحيل . ويغضب الموظف السودانى جدا ان قطعت له _ ونسته_ لتطلب منه خدمة بعينها هى من صميم واجباته وغالبا ما ينتهى الامر بشجار يذهب منه الموظف بيقين ان المواطن _ثقيل ولا يجيد التعامل , فيقرر ان يعاقبه بالمزيد من العراقل ما ستطاع الى ذلك سبيلا ! وبالتالى مزيد من العراقيل والعوائق للتنمية وللعلاقة مع الاخر الت يجب ان تصدر من موقف تعاطف ورغبة فى المساعدة وتنحية العنف اللفظى جانبا لنفتح الطريق امام  اللغة المهذبة والجميلة . ولاننا لانثق فى انفسنا لانثق فى الاخر الخبير لمجرد انه شاركنا سودانيتنا وعادة ما نقوم بالسؤال الاتى : اين اجد نجارا مضمونا او سباكا او حدادا …الى آخر القائمة وقد بدأت بالاعمال اليدوية لاننى اعرف ان السودانيين يأنفون منها , لذلك لا يذهب اليها الا عاطل عن العمل قرر ذاك الصباح فجأة ان يكون سباكا ليجعل السؤال الاول رغم دلالاته المحزنة مشروعا جدا وحصيف . تمتد قائمة الاسئلة لتشمل حتى الاكاديميين, لتصبح اين اجد طبيبا ممتازا؟ …طبيب اسنان باسعار معقولة …محامى ود ناس ؟ . .استاذ محترم ؟ ….الى آخر القائمة التى تنتهى بسؤال اين اجد بنت او ود الحلال ؟!!

فمصيبة القهر انه يغرق الذات فى دوائر مرضية معيبة لا يمكنها الفكاك منها بسهولة وكل تداعى للقهر يؤسس لامتهان آخر للكرامة والثقة فى الذات وتقديرها وتأكيدها .

عبر العلم والعمل تخطو الذات  اولى خطوات التحليق للخروج من القطرميز , بتحويل المفاهيم والنظرة الى العمل باعتباره مصدرا لاثبات الذات وتحريرها واعادة الثقة اليها عبر الانخراط فى عمل مفيد , ترسى عبره علاقة معافاة مع الاخر بالتعاطف وبالتالى تكتسب به معنى جديدا لوجودك واهميته . فتنتقل علاقتك بالعمل من مجرد علاقة عابرة تنتهى بانتهاء الدوام الى عمل دؤوب لا يعرف له حدا ولانهاية نحو مسيرة عملية مليئة بالعطاء والانجاز تضمد بها الذات جرحها النرجسى …..وكلها دوائر يعزز بعضها البعض بطريقة من شانها ان تعيد الثقة الى النفس .