عبد الله الشيخ  خط الاستواء   لسنا بصدد التقييم أو التعليق على حُكم قضائي، لكننا نحاول استخلاص بعض جواهر المعاني التى شملها قرار محكمة جنايات القاهرة ، و التى برأت الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته وآخرين،

من التهم الموجهة إليهم، والتى تشمل قتل المتظاهرين، والفساد المالي..قال القاضي محمود الرّشيد فى خطبة النطق بالحُكم، إن المحكمة قضت في حق مبارك حضوريا بعدم جواز النظر في الدعوى التي رُفعت ضده, وأسقطت عنه تهمة الاتفاق في جرائم القتل العمد مع سابق الإصرار, والشروع في القتل, واعتبر أنه ما كان ينبغي محاكمة مبارك جنائيا في قضايا سياسية.كما أسقطت المحكمة عن مبارك ونجليه تهمة التربح في قضية قبولهم خمس فلل من رجل الأعمال الهارب حسين سالم ، لانقضاء أجل الدعوى، وبرأته كذلك من تهمة التربح من بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل..

 قد يكون هذا الحكم صادماً للبعض، لأن عدد قتلى وجرحى المظاهرات قد كان كبيراً،ولأن نجلي مُبارك قد تسلّقا ظهر أبيهما حتى كاد أحدهُما أن يرِث المُلك ..لكن هناك معاني سامية تضمنها ذلك الحكم الذي انبنى على قاعدة ثمينة هي: ” ارحموا عزيز قوم زلَّ “، إذ لا فائدة يمكن أن تجنيها الدولة المصرية، ان استسلم قضاؤها لمشاعر الثأر من قائد عجوز، خاصة وأن النوازل التى حلّت بمصر من بعده  ــ خلال فترة حكم الأخوان ــ قد أعطت شعب مصر العظيم، سانحة للمقارنة بين نظامين ــ نظام  حسني مبارك، كنظام حكم مدني، مهما بلغت حِدة تجاوزاته، ونظام ثيوقراطية الاخوان مُمثلة فى اشارات المُرشِد، لرئيسهم “المُنتخب”!.. وكم كانت المفارقة قاسية، حيث لم يُفلح “صاحب الشرعية” ،كما كان يدّعي لنفسه، فى أن يكون رئيساً لكل المصريين، بل كان  اقل من ذلك بكثير ،،أقل من أن يوصف، بأنه رئيس الجماعة نفسها!..

من جواهر المعاني فى محاكمة القرن، أن المحكمة انعقدت فى اجواء معافاة من تأثيرات الغضب الشعبي ضد نظام مبارك  الفاسد، فكانت مهنية وغير سياسية، عندما اخذت بمبدأ تفسير الشك لصالح المتهمين، فاضافت بذلك سابقة أخرى الى رصيد العدالة ، خاصة وأن “رئيس الاخوان”، كان قد وضع فكرة اعادة محاكمة الرئيس الأسبق مبارك على رأس أولوياته، رغبة منه فى استخدام المحاكمة كأداة للفصل فى الخصومة السياسية.. ومن المعاني أيضاً، أن حكم البراءة يُعد دليلاً على براءة  القضاء المصري من جنح الانتقام والتشفي والكيد، وهي مشاعر سالبة بوجه عام ،وعلى نحو خاص، فى حق من هو فى مثل سن حسني مبارك،الذي شغل منصب الرئيس، و نائب الرئيس على مدى 36 عاماً،، فان أصاب او أخطأ، فالحكم عليه سيكون للتاريخ، وأمره الى الله..

إن براءة مبارك ورموز حكمه، لا تعني تجريم الثورة المصرية، أو موت شعاراتها،بل على العكس، لقد جاء هذا الحكم معبراً عن المصالح المشروعة للدولة، حيث ان رجل الدولة ــ اختلفنا أو اتفقنا معه ــ تضعه الاقدار إمتحان الفِعل، فيكون آمراً ناهياً، وفى محك التحدي…. وهذا ما أشار اليه القاضي فى بداية مجلس العدل ،عندما قال عن نفسه، أنه تجاوز الستين، وأنه يرى “لحده”، بعد 40 عاماً من الخدمة فى سلك القضاء،، وأنه يُدرك خطورة أن يخوض القاضي فى بحار الظُلُمات!.. قالها ذلك القاضي الرّشيد، وعلّقها على قيد نفسه مع أنها تعني، بالحوالة والوكالة، هؤلاء، الذين يخوضون فى الدماء وفى الحقوق، بإسم الله وباسم الاسلام!.. وصبراً جميلاً..” ألم تَعلم بأنّ الله يرى”..؟