محجوب محمد صالح فجر أمين عام الجبهة الثورية ياسر عرمان مفاجأة في جولة مفاوضات الحكومة والحركة الشعبية (الشمال) مع حكومة السودان حول أزمة ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق حينما طالب (بالحكم الذاتي) 

للولايتين وطالت المفاجأة كلا من الوفد الحكومي وأحزاب المعارضة التي لم يناقش معها ممثلو الحركة الشعبية هذا المقترح من قبل وطرح كمجرد شعار دون أن تصحبه أي تفاصيل حول السلطات والصلاحيات التي يشملها هذا الشعار المطروح.
على أن الأمر المثير للدهشة هو المطالبة بالحكم الذاتي الذي يمكن أن يكون أقل درجة في تحقيق اللامركزية مع أن النظام الفيدرالي الراهن بحكم كونه التزاماً دستورياً هو قمة لامركزية الحكم، ويمتاز بالمرونة التي تمكنه من أن يحقق الحكم الذاتي الذي تشير أدبيات السياسة إلى أنه مصطلح غامض وغير محدد تتعدد حوله الآراء ويستعصي بشأنه الاتفاق على مكونات ثابتة له وتطبيقاته متعددة فهو أحيانا ينطوي على قدر من الاستقلال الإداري وأحيانا يركز على الجانب الاقتصادي وأحيانا أخرى يأخذ شكلاً سياسياً، وقد راج المصطلح في مرحلة تصفية الاستعمار كمرحلة من مراحل التطور الدستوري للمستعمرات نحو الاستقلال، ولكنه في حالات أخرى كثيرة طبق لمجرد منح إقليمٍ ما سلطات إدارية أوسع عن طريق التفويض من المركز دون التزام دستوري.

على أن ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق يتمتعان بحكم ذاتي كامل في إطار حكم فيدرالي منصوص عنه في الدستور، ويمتازان على كل باقي ولايات السودان بنص دستوري يمنحها الحق في (المشورة الشعبية) التي يقرر عبرها أهل الولاية ما إذا كانت السلطات التي منحتها لها اتفاقية السلام كافية أم يريدون المزيد من السلطات، وإذا كانت (المشورة الشعبية) قد تعذر تنفيذها خلال المرحلة الانتقالية فهي قد أسست حقاً مكتسباً لا بد من العودة إليه عند مناقشة الوضع الدستوري القادم للدولة، ومن الممكن مناقشته في إطار جولة المفاوضات الثنائية الحالية أو –وهذا هو الأفضل- عند مناقشة أمر الدستور القادم متى توفرت الظروف لذلك.

كل الاجتهادات القانونية لضبط مفهوم الحكم الذاتي انتهت بأنه (نظام لامركزي مبني على أساس الاعتراف لأحد الأقاليم في الدولة بأنه يتميز عن الآخرين عرقياً أو قومياً، ما يؤهله لكي يتمتع بدرجة من الاستقلال في إدارة شؤونه الداخلية تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة)، وقد ينص على هذا الحق في الدستور وقد لا ينص عليه ويحصل عليه الإقليم بالتفويض من الدولة.
وقد عرف ميثاق الاتحاد الأوروبي الحكم الذاتي المحلي والإقليمي في مادته الثالثة بأنه (قدرة الوحدات المحلية والإقليمية وحقها في إدارة جانب كبير من الشؤون العامة تحت مسؤوليتها ولصالح سكانها في إطار القانون، وأن هذا الحق يمارس عن طريق مجالس أو جمعيات تشريعية مشكلة من أعضاء منتخبين في اقتراع سري حر، ويتميز بالمساواة سواء كان مباشراً أو عاماً ولهذه الجمعيات والمجالس الحق في أن تشكل أجهزة تنفيذية تكون مسؤولة أمامها).

وعلى هذا الأساس فإن الهدف الأساسي من الأخذ بنظام الحكم الذاتي هو حماية قومية أو جماعة عرقية محددة تقطن إقليماً واحداً ومميزة تاريخياً وجغرافياً والنظام الفيدرالي الحالي يعطي الولايتين كامل هذه الحقوق، ويزيد بأن يعطي الولايتين عبر المشورة الشعبية الحق في إكمال أي نقص واضح في السلطات الممنوحة لها. ويتميز النظام الفيدرالي بأنه يجد الحماية الكاملة من الدستور بحيث لا تستطيع أي حكومة مركزية سحبه من الإقليم، إضافة إلى أن مرونة النظام الاتحادي عبر الفيدرالية المتسقة (Asymmetrical) منح الولايتين سلطات غير متاحة لباقي الولايات، وفوق هذا وذاك فإن الحديث عن طرح مطلب جديد للحكم الذاتي لولايتين من ولايات السودان يجب أن يكون موضوع حوار بين كافة القوى السياسية السودانية وليس صفقة سياسية تبرم بين طرفين بالتفاوض في أديس أبابا، ولكي يطرح هذا الموضوع لمناقشة عامة لا بد للحركة الشعبية أن تعلن للناس ماذا تعني به، وما السلطات التي تطالب بها فوق ما منحه إياها الدستور الحالي، وما الصعوبة في منحها تلك السلطات في إطار النظام الفيدرالي المطبق في السودان إذا ما أقنعت بها كل القوى السياسية عند كتابة الدستور الدائم.

ومن أسف أن هذا لم يحدث حتى الآن وما زال الشعار مطروحاً دون تفسير أو شرح، ما يفتح الباب لكثير من التأويلات والتفسيرات المتعارضة التي تزيد الأمر تعقيداً دون أن يرى الناس مشروعاً متكاملاً للنقاش.?

mahgoubsalih@maktoob.com