خالد فضل    هاهي الجلسات تنعقد وتنفض في أديس ابابا بين الفرقاء السودانيين تحت رعاية الوساطة الافريقية المكلفة بالملف بقيادة السيد ثامو امبيكي , والذي بات الاسم الأشهر في السودان 

بعد أن سادت لسنوات سابقة أسماء مشاهير كثر تناوبوا حظهم من الشهرة لدى عامة السودانيين , والحال ياهو نفس الحال على حد قول المغني , وإن قصدنا الدقة الحال يزداد سوءا , اشتهر الجنرال سمبويا الكيني ونسجت حوله روايات وحواديت , وتفنن الصحفيون والكتاب في رسم الصور القلمية عنه , عن حزمه وثقته وعن براعته وسعة أفقه , يحضرني هنا ما سمعته من أحد المتابعين للتفاوض وقتها بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني بنيفاشا بقيادة د. جون قرنق وعلي عثمان , وفي الجلسة الأولى بينهما يقال أن سمبويا تعمد وضع قارورة ماء واحدة بجانبها كوب في وسط الطاولة على مسافة متساوية تقريبا بين د. قرنق وعلي عثمان , وانتظر لبرهة ليرى ردة فعليهما , وبعد ثوان من الصمت والترقب مدّ د. قرنق يده وفتح القارورة وصبّ الماء في  الكوب ثمّ قدمه للأستاذ علي (تفضّل) . يمكن تفسير هذه الواقعة _إن صحّت_ بعدة وجوه , فسمبويا أراد اختبار الإرادة لدى الطرفين في اتخاذ القرارات في لحظات ترقب من هو صاحب المبادرة في الاختراق ؟ الى أي مدى يمكنهما اقتسام الممكن وبالتالي الحل ؟ أيهما سبّاق في الاتكيت والدبلوماسية وهكذا , فهل سمات سمبويا تتوفر في السيد امبيكي ؟ هذا جانب مهم بالنسبة للتفاوض , هنالك شكوك حول حيادية وحسم الوسيط , ولم أجد أو للدقة لم يتح لي الاطلاع على افادات ايجابية حوله غير مرّة واحدة في كلمات كتبها د. لوكا بيونق مؤخرا قرأتها منشورة على احدى وسائط النشر الالكتروني مفادها أن السيد امبيكي شخصية نزيهة ومتواضعة وبعيد النظر عكس الفكرة السائدة عنه , وهي الفكرة التي اعترف د. بيونق بأنه هو نفسه كان يحملها عنه , هنا فرصة أخرى لضرورة مراجعة النفس قبل اطلاق الأحكام القيمية وكأنها حقائق راسخة , تعدد وجهات النظر والتقييم في الأداء العام لأي شخص مسألة مهمة وضرورية ومفيدة للتقدم نحو الحلول , وبلادنا شبعت وشعبنا عانى أيما معاناة من هذه الممارسة البغيضة , اطلاق الأحكام دون تثبّت والباس النسبي صفة المطلق , وأمهر من مارس ذلك في الساحة العامة هم جماعة الاسلام السياسي , وأبواقهم الاعلامية ,

ففي اليومين الماضيين قرأت كلاما عجيبا منسوبا لجنرال في الجيش اسمه عجيب منصبه مدير الاعلام أو شيئا كهذا , قال فيه ما مفاده أنّ ياسر عرمان ومالك عقار أعداء لجيشه هكذا يتعامل معهما غض الطرف عن رؤى الأحزاب والسياسيين وما يدور من وثبة أو تفاوض , وبضربة لازب بدا السيد عجيب وكأنه يملك البلد , وجيشه هو الآمر الناهي فيها يقرر في شأن الأشخاص ولا يأبه بما يمثلونه من قيمة سياسية لدى الآخرين .وهذا نوع من تبادل الادوار معهود لدى الانقاذييين في كل حادثة ولن يقرأ حديثه ذاك بأكثر من هذا إذ لا قيمة له على أرض الواقع . نعود من حديث عجيب ذاك الى مسار التفاوض ووسطائه ومفاوضيه , فالسيد عجيب كان قد كتب في صحيفة القوات المسلحة التي يرأس تحريرها قبل بضع سنوات محرضا على صحيفة أجراس الحرية , بقوله العدو في الخرطوم 2 وليس في أبيي أو غيرها من مناطق النزاع مطالبا ببدء الحرب من هنا , وقد استجابت له كتيبة مجلس الصحافة بالفعل بقرار ايقاف الجريدة يوم الجمعة 8يوليو 2011م أي قبل يوم من اعلان استقلال جنوب السودان وتلك قصة أخرى ربما عدنا لها لاحقا.

      مرجعيات التفاوض وبالتالي أجندته تبدو من الثغرات الواضحة التي ينفذ من خلالها الفشل الملازم لكل دورة من دوراته , الأطراف الثلاثة المدرجة على جدول التفاوض لديها مرجعيات متباينة , المؤتمر الوطني يتمسك بما يسميه قضية المنطقتين (جنوب كردفان /جبال النوبة و النيل الأزرق ) في حواره مع حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان , ويتعمد السيد ابراهيم غندور تكرار عبارة وفد الحركة يطرح كل شئ عدا قضية المنطقتين , وبفحص ما تقوله الحركة تجد أنها على العكس تتحدث عن الحل الجذري لقضايا المنطقتين والذي لن يتحقق الاّ بحل شامل لقضية السودان , والسيد غندور , الرجل الطيب , الذي يجيد مركز (حارس المرمى ) , عندما كان طالبا بمراحل التعليم العام , ليس بوسعه أن يتجاوز حدود ال18ياردة الخلفية من ميدان التفاوض , يكتفي فقط بمركزة مدافعيه أمام المرمى عندما يكون الهجوم كاسحا وقويا ومتقنا من العمق ومن الأطراف , وليس أعنف من أن يأتيه الخبر من قاعة أخرى في أديس أبابا بأن ما يقوله ياسر عرمان (لاعب الوسط وصانع اللعب الرهيب ), هو ذاته ما يعانيه رفيقه الآخر في التفاوض عن حزب المؤتمر الوطني د. أمين حسن عمر , عندما يتبادل الطرفان القويان مني أركو مناوي ود. جبريل ابراهيم ( الون تو ) بسرعة وخفة ويصوبان كرة الحل الشامل نحو مرماه , يتلفت أمين , وهو الذي بدأ حياته شيوعيا ماركسيا يمتلك بأفقه العالم كله ,الى فرد تعتوره حسابات المحكمة الجنائية الدولية وملاحقتها لعمر البشير الذي لن يجد فكاكا منه ولو مؤقتا الاّ بالاستمرار في منصب الرئيس , هكذا قال الطيب مصطفى ذاته من قبل ! وأمين عندما يقول بعدم ترشح البشير تكون مكافئته بابعاده من المكتب القيادي لحزب جماعته , والاقتباس من معين بسيسو وهو يصف ثائرا شيوعيا فلسطينيا ( كان يملك بضعة فدادين وعندما صار شيوعيا صار يملك الكرة الأرضية )وأمين عكس ذاك , تدحرج من أفق أممية الثورة والعدالة الاجتماعية وشيوع الموارد الى حواكير الفيحاء واسلامية عارف وشركة الأقطان وتلال الخيبات وأوكار الفساد وبيع خط هيثرو كما يقول استاذنا جبرة (أخبارو شنوووو), هذا وجه من وجوه المتفاوضين عن حزب المؤتمر الوطني , وأمين بالتحديد أعلم العالمين بالضغوطات الأدبية والمعنوية التي تطال من يفترض أنهم أنداد علي عثمان في حركتهم الاسلامية , فمن أين له الجرأة ليحدث الناس عن أنه جاء لليتفاوض بغير مسّاكة واحدة اسمها ترتيبات وقف اطلاق النار , لأن المسائل السياسية قد حسمت في اتفاقية الدوحة , حسنا لو أنّ اتفاقية الدوحة حسمت قضية السودان في دارفور لماذا الحضور الى أديس أبابا ؟ فالحمد لله الآن دارفور تنعم بالسلام والاطمئنان نتيجة لاتفاقية الدوحة , أليس هذا هو المنطق الذي يجعل من اتفاق الدوحة هو المرجعية وليس ما ينادي به طرفا التفاوض الآخرين بأنّ (حل المشكلة الوطنية في دارفور رهين بحل مشاكل كل السودان ) الله ! يا للهول , وقوى الاجماع الوطني في الداخل تقول (حل مشاكل السودان في الحل الشامل) , والصادق المهدي من منبر باريس ومن منبر الصحافة والسياسة في الملازمين يقول (حل مشاكل السودان في الحل الشامل ) , والاتحاد الافريقي , والاتحاد الأوربي , والترويكا , العالم كله وكل سوداني عاقل سليم النظر يصرح بالحل الشامل , وحتى حرّاس المرمى السابقين في المدارس الريفية بالنيل الابيض وحراس اللينينية السابقين , من جواهم يعرفون بأنّ الحل في الحل الشامل , ولكنهم , يتلفتون فإذا عجيب يلوّح لهم بعدائه لعرمان وعقار , وعبدالرحيم وعطا المولى والجنجويد يلوحون ب(المجمجة)وصاحبهم تتبعه فاتو التي تسلمت ملفّه من اوكامبو . هنا تكمن العقدة , رهن البلد بمصير أشخاص مشكوك في براءتهم من جرائم ضد أهل البلد , السودان الآن رهينة بأيدي خاطفين بعضهم ملاحق جنائيا وبعضهم يلاحق ما كوّنه من ثروات بالهبر واللغف والنهب لكل شيئ في البلد , وبعضهم يكنكش فيما حازه من منصب دون أحقية , هولاء يعرفون جيدا أن امتيازهم يهدده عرمان عندما ينصع بيانا ومناوي وجبريل وعبد الواحد  وتأتيهم الهجمة المرتدة من الصادق فيولولون بتباعد المواقف ويعيدون طمس الحقائق ومن وراءهم جراءهم النابحة في صحافة الخرطوم واعلامها الكذوب . ٍ