بابكر فيصل بابكر أوردت صحيفة "المصري اليوم" المصرية الأسبوع قبل الماضي خبراً يقول أنَّ نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي، إبراهيم السنوسي، حذَّر من تمدد الجماعات الإرهابية في السودان، واستبعد إمكانية القضاء عليها في الوقت الراهن، وأكد أنَّ تلك الجماعات تستهدف الشباب في المقام الأول.

وطالب السنوسي، خلال مشاركته في ندوة بعنوان “الفكر الديني بين الاعتدال والتطرف”، الدولة بفتح أبواب الحرية وانسياب العمل واستقلال القرار، وعزا أسباب التطرف في البلاد العربية إلى التمسك بفتاوى من وصفهم بـ “سافكي الدماء”، والخشونة في الدعوة والتشدد في سوء الظن بالناس، فضلا عن الانجذاب والإسراف في سفاسف الأمور.

يستغرب المرء كثيراً عندما يقرأ مثل حديث الأستاذ السنوسي أعلاه ومصدر الإستغراب هو أنَّ نفس الرَّجل كان ضمن مجموعة صغيرة تمسك بالقرار السياسي في البلاد طيلة العشر سنوات الأولى من حُكم الإنقاذ. تلك السنوات التي أدخلت البلاد في نفق القطيعة مع المجتمع الدولي ودول الجوار وهو المأزق الذي ما زال السودان يدفع ثمنهُ حتى اليوم.

سبب القطيعة مع العالم والجيران كان هو إستضافة السودان لجميع الحركات التي يسميها السنوسي اليوم “الإرهابية” ويصف أصحابها ب “سافكي الدماء”.

لقد وجدت جماعة الجهاد المصرية المحظورة آنذاك أبواب السودان مشرعة لقيادتها العليا : أيمن الظواهري, سيدِّ إمام عبد العزيز, والعشرات غيرهم من كوادر الجماعة الهاربين من العدالة وأحكام القضاء في بلدهم.

ليس هذا فحسب, بل إنَّ زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن  نفسهُ وجد ترحيباً كبيراً من جماعة الأستاذ السنوسي وعاش في السودان بجماعته لأربعة أعوام, وإستثمر امواله, وبالقطع لم يكن هؤلاء وأولئك في “نزهة” بل كانوا يُجندون الأعضاء , ويخططون ويرتبون لعمليات مروعة شهدها العالم فيما بعد.

كان الأجدر بالأستاذ السنوسي ورهطه أن يجنبوا بلادنا “المسكينة” جميع تلك الشرور, ولكنهم آثروا أن يتحالفوا مع أخوة “العقيدة” على حساب أخوة “الوطن” وهو الشرك الفكري الكبير الذي ما زالت تعاني منهُ جماعات الإسلام السياسي بمختلف أطيافها.

إنَّ الأسباب التي أرجع إليها الأستاذ السنوسي إنتشار ظاهرة التطرف تمثل الجانب “السطحي” ولا تُعبِّر عن الجذور “العميقة” لبروز الظاهرة وتمددها, والتي من أهمها الأسباب “الفكرية” أو ما يُعرف بالآيديلوجيا.

هذه الأفكار تشترك فيها كل جماعات الإسلام السياسي, ولكنها تختلف في مدى و درجة وطريقة التعبير عنها, فالجميع يتطلعون إلى إقامة خلافة إسلامية تمتدُ من “جاكارتا” حتى “طنجة”, والجميع إقصائيون يعتقدون إمتلاك الحق المطلق و لا يؤمنون “بالرأي الآخر”, وهم كذلك جميعاً يسعون لتطبيق نموذج “ماضوي” مكتمل يمثل في وجهة نظرهم الحل لجميع مشاكل “الحاضر والمستقبل”.

صحيح أنَّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ومن قبله تنظيم القاعدة سعوا و يسعون لإنزال تلك الأفكار والقناعات لأرض الواقع عبر الذبح والتفجير , ولكن صحيح أيضاً أنَّ جماعة السنوسي فعلت نفس الشىء بطريقة أخرى وهى “الإنقلاب العسكري” وقوة السلاح وتسلط الدولة, والنتيجة في خاتمة واحدة : الإقصاء والكبت والسيطرة بالقوة والعنف.

يقول الأستاذ السنوسي أنَّ الجماعات المتطرفة “تستهدف الشباب في المقام الأول”, ولكن هل تراهُ يعلم أنَّ هذا الشباب يتلقى الأفكار التي تؤسس للعنف والكراهية ضد “الآخر” في المدارس, ومن خلال المناهج التي إستحدثتها جماعتهُ منذ أن إستولت على الحكم قبل ربع قرن من الزمان.

هل يعلم الأستاذ السنوسي أنَّ منهجنا الدراسي يعلم التلاميذ في سن مبكرة فقه “الولاء والبراء” وهو أمرٌ فيه خطورة كبيرة, خصوصاً وأنَّ هذا الفقه يمثل الأداة الأساسية للإستقطاب للحركات العنيفة والمتشدِّدة التي تتخذ منه وسيلة لغرس كراهية الآخر في نفوس الشباب المتحمِّس, ومن ثم إستغلالهم لتحقيق أهدافها.  

البراء – عند هؤلاء – يعني بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين, من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق, وأصحاب المذاهب الهدامة.

ومن مظاهر البراء من غير المسلمين عدم الإقامة في بلادهم, وعدم السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذهم – أى الكفار والمشركين – بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم, فأنواع السفر لبلاد الكفر –بحسب رؤية تلك الجماعات – هى السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم “مُضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم”.

إنَّ من يتعلم ويتربى على مثل هذا المنهج لن يكتفي ببغض أهل تلك البلاد و لا شك سينتهي به المطاف الى مثل ما انتهى اليه كل الشباب الذين تورطوا في أعمال العنف والقتل والتفجير.

ومن مظاهر موالاة الكفار – بحسب فهم البعض لتلك العقيدة – الإقامة في بلادهم وعدم الإنتقال منها إلى بلد المسلمين لغرض الفرار بالدين، لأنَّ الهجرة بهذا المعنى ولهذا الغرض واجبة على المسلم, و لأنَّ إقامة المسلم في بلاد الكفر تدلّ على موالاة الكافرين، ومن هنا حرَّم الله إقامة المسلم بين الكفار إذا كان يقدر على الهجرة !

أمَّا التشدُّد و “سوء الظن في الناس” الذي يتحدث عنه الأستاذ السنوسي فلم يعرف تاريخ السودان الحديث  جماعة سياسية مارستهُ مثلما فعلت جماعته, حيث فصلت الآلاف من وظائفهم دون جريرة, ولاحقت مثلهم بالسجون والمعتقلات لا لشىء سوى إختلافهم معها, وأطاحت بكل شىء لم تأت به هى وكأنَّ تاريخ هذا البلد لم يبدأ إلا مع إستيلائها على السُلطة.

ليس هذا فحسب, بل إدَّعت أنَّ من يُخالفها “الرأي” قد خالف الله ورسوله والمؤمنين, وقسمَّت أهل السودان إلى فسطاطين : مسلمين يوالون السلطة الحاكمة, وعملاء للغرب الصليبي الصهيوني الإمبريالي الماسوني يعارضونها.

كل هذه الممارسات تمَّت تحت سمع وبصر و برعاية الأستاذ السنوسي و”إخوانه” لسنوات طويلة, وهى في جوهرها لا تختلف عن ممارسات الجماعات المتطرفة التي جاء اليوم ليُطلق عليها مسمى “الإرهابية”.

وحين يُطالب الأستاذ السنوسي الدولة بفتح أبواب “الحرية” فهو يستعجل الخطى ولا يُرتِّب الأولويات, وبالتالي لن ينال مبتغاهُ, ذلك أنَّهُ كان مطلوباً منهُ أن يدعو لفتح الأبواب أمام “الفكر الحُر” داخل منظومته الحزبية وفي تيار الإسلام السياسي على وجه العموم, إذ أنَّ فاقد الشىء لا يُعطيه, فالحكومة وحزبها لم يتربيا على إحترام الإختلاف والتعدد فكيف يفتحا أبواب الحرية ؟

وكما ذكرت مراراُ وتكراراً أنه إذا لم تحدث ثورة داخلية عميقة تهز كيان جماعات الإسلام السياسي, ثورة في الأفكار والمنطلقات والرؤى, تتخلص من النهج الإقصائي الأحادي, وتفتح نوافذاً للتعايش مع العصر, وتتطلع للمستقبل بأفق لا يقع أسيراً لتجارب الماضي, فإنها ستبقى على الدوام حاضناً للتشدد و العنف.