فايز الشيخ السليك  حين وصف الإنقاذيون جنوب السودان عشية انفصاله “ بالترلة" التي  تعطل حركة قاطرة البلاد، هلَّل المشير البشير وكبَّر، وروَّج إعلامه للفكرة،  ومن جانبي أعتبرت أن المسألة " لا تعدو أن تكون سوى ميكانزيمات دفاعية"،

لكن للمفارقة  فأن البشير يكرر نفسه من جديد، ليكون هدف هجماته هذه المرة،  أكبر مشروع زراعي بعد أن أعتبره ” عبئاً ثقيلاً على الدولة منذ الستينات.

وهل ثمة رابط بين موقفي البشير في الحالتين؟ ولماذا استهدفت مدفعيته أكبر مصدرين للعملات الصعبة لخزانة السودان، نفط الجنوب، والذي كان يشكل نسبة (75%) من عائدات الصادرات بالنقد الأجنبي، ومشروع الجزيرة الذي كان، إلى وقت قريب يشكل أكبر مصدر في خزانة الدولة، باعتبار أن المشروع هو الأكبر بين كل المشاريع الزراعية في السودان من حيث الفاعلية والمحصولات النقدية؟.

ربما يقبل المرأ تفسير وصف ساعة الهياج تلك، وما صدر منها من سقط قول، ومغالطات، ولي عنق الحقيقة،  هي ردود أفعال تمثل في نهاية الأمر ” ميكانزيمات دفاعية” أو حيل نفسية للهروب من مواجهة الواقع، وهي في علم النفس ” عملية لاشعورية ترمي إلى تخفيف التوتر النفسي المؤلم وحالات الضيق التي تنشأ عن استمرار حالة الإحباط مدة طويلة بسبب عجز المرء عن التغلب على العوائق التي تعترض إشباع دوافعه، وهي ذات أثر ضار عموماً إذ أن اللجوء إليها لا يُمَكِّن الفرد من تحقيق التوافق ويقلل من قدرته على حل مشاكله”، ويتضح في آخر المطاف أن البشير وزمرته يعملون من أجل أجندة ” نقاء عرقي متوهم”، بدلاً عن ما يعتبرونه ” دغمسةً”.

لكن كيف نقبل تكرار ذات الوصف، ” الترلة” الجنوبية، و ” العبئ الثقيل في الجزيرة  من قبل أعلى جهة في الدولة، ولأكبر مشروعين اقتصاديين في البلاد؟، و الإجابة عندي تتم  عبر ربط الحدثين ببعضهما البعض، فتضح صورة ” اختطاف كل الوطن، وتقسيمه أجزاء”، وللإسلاميين مبرراتهم ” الفقهية”  لذلك، هم لا يعترفون بالدولة القطرية في حدودها الجغرافية المعروفة، بل فأن ما بين هذه الحدود، غنيمة كبيرة، تتقاسمها الضباع الجائعة، من أجل الوصول إلى  مشروع أكبر، يتمثل  في مفهوم الإسلاميين في أن ” الإسلام موطني”.

 ولم يكتف  البشير هذه المرة بمهاجمة المشروع الزراعي، بل زاد عليه بالسخرية من سكانه، ومن أهله، بقوله ” ان مزراعي المشروع غشوهم الشيوعيين وقالوا لهم انكم حفاة وعراة بينما اموال المشروع تذهب الى غيركم ليبنوا بها العمارات” واضاف “ناس الجزيرة تعودوا ياكلوا الحكومة من خلال المطالبة بجدولة واعفاء الديون.

وزاد: “ناس الجزيرة صدقوا الكلام دة بعد ان تمت تعبئتهم واصبحوا ينظروا الى كل العمارات التي في الخرطوم بانها من جهدهم وعرقهم، عشان كدة بقى كل واحد فيهم يجي الخرطوم ويشوف العمارات يقول دي بنوها بي قروشنا، لدرجة ان دعاية الكوكا كولا التي كانت مُصممة سابقا في احد صهاريج المياه بمنطقة بري، هناك من ابناء الجزيرة من قال انها بُنيت بقروش المشروع”.

وليس مدهشاً أن تصدر من المشير عمر البشير في ” متاهاته” مثل تلك التصريحات التي تسيئ ” لمواطنيه”، أو تسخر منهم، فسبق أن أعلن في عام 2009 بأن ” الهوسا” قبيلة غير سودانية” فولد احتقاناً لا تزال أثاره موجودة في داخل النفوس، وفي سياق عزفه على سلالم القبلية كال المشير، وعلى الهواء مباشرةً السباب للأستاذ فاروق أبو عيسى” بأنه لا قبيلة له”، مثلما رشح، والعهدة على الترابي شخصيا، رأي الرجل في اغتصابات دارفور، وعده شرفاً ” للغرابيات”، في أغرب التبريرات على مر تاريخ البشرية، بينما وصف الجنرال في تجلياته تلك، الحركة الشعبية التي كانت تعبر عن نسبة من السودانيين في جنوب السودان بأنها حشرة، ثم مضى أكثر، بأن الجنوبيين لا يأتون إلا بالعصا، مستدعياً أدبيات الشاعر المتنبئ، والذي أكاد أجزم ان البشير قد لا يعرف من أشعار المتنبئ، غير تلك الأبيات ” العنصرية” التي كان يهجو بها ” كافور الأخشيدي” بعد أن أختلف معه سياسياً.

ومعظم تصريحات البشير غير المتزنة، والمسترجلة، تأتي ساعة حماسة، أو ذات رقصة، وحين يرقص الرجل ، ويهز عصاه، فأن البلاد موعودة بشرٍ مستطير،  وحديثٍ ” للدهشة مثير، وقولٍ بالسخرية والاستهزاء جدير، مع أن كل قرارات حلبة الرقص الحماسي، تنتهي بانتهاء مراسم الرقص؛  مثل ” يا عوض أقفل أو أفتح البلف”، أو القسم أو الطلاق بعدم السماح بدخول قوات أجنبية لدارفور، وأنه يفضل أن يتحول إلى المقاومة بدلاً من أن يكون رئيساً في بلد تنشر فيه قوات أجنبية!.

 إلا أن آرائه  حول مشروع الجزيرة، لم تتزلق إلينا ” فلتات لسان” أو تتداعي حرةً  من اللاوعي  بسبب وجود مؤثرات، تصل حد التنويم المغناطيسي، وتخرج كل الانفعالات المترسبة في اللاشعور، بل أن تصريحات المشير حول مشروع الجزيرة كانت عبر مؤتمر صحفي، لا لقاء جماهيري حافل بحماس الدلوكة ، وهوس التهليل والتكبير، مما يؤكد أن الأمر كان مدروسا، ومقصودا.

  وقبل ان يحف مداد تصريحات المشير،  تتكشف الخيوط عن ” هوية مؤامرة”، تحاك منذ سنوات، ضد المشروع ومزارعيه، لأن المشروع على عكس ما يقول البشير، لم يكن عبئاً يوما على الدولة، والعكس الصحيح، فقد ظل ” البقرة الحلوب التي تدر ألبانها أرباحاً في خزانة الدولة. ويكفي أن السودان كان على رأس قائمة الدول المصدرة للقطن، والصمغ العربي والسمسم، قبل وصول الإنقاذ إلى السلطة، وكان مشروع الجزيرة وحده يشكل حجر الزاوية في الصادرات قبل إنقلاب 30 يونيو 1989  المشؤوم.

و نشير هنا إلى أن عائدات السودان من الناتج الزراعي كانت تبلغ في بعض المواسم حوالى مليار دولار في السنة ، وحينها لم يكن لدينا نفط، ولا مصادر أخرى ترفد الخزانة العامة، وهو مبلغ كبير لدولة مثل السودان قبل عشرين عاماً، ويكفي أن في عصر مشروع الجزيرة الذهبي، كانت الدولة تدعم الدواء، والعلاج، وتقدم التعليم مجاناً، ولا تثقل كاهل المواطن بالأتاوات، والضرائب، والجبايات، والرسوم بمختلف اسمائها من دمغة الجريح، إلى الزكاة، لكن ؛ ومع دخول النفط، بأمراضه في الفترة من 1999- 2002 شكل وحده نسبة 42% من اجمالي الصادرات وتراجع عائد الصادرات الزراعية إلى نسبة 32.9% ، ومع حمى النفط ارتفعت نسبته إلى 70% ، وتراجعت في ذات الوقت نسبة الصادرات غير النفطية إلى 5% فقط من جملة الصادرات.

وحتى على مستوى الصرف الذي يتحدث عنه المشير البشير، فتكذبه أرقام موازنة وزير ماليته لسنة 2014، فالبشير الذي اتهم مزارعي الجزيرة زوراً وبهتاناً بالكذب، يتنفس هو كذباً، تفضحه الأرقام، فللنظر إلى التي  خصصت 106 مليون و550 الف جنيه لجملة مرتبات العاملين فى القطاع الزراعى والحيوانى – اى حوالى 10% من جملة مرتبات الحكومة ، وخصصت لمرتبات الصحة 308 مليون جنيه اى 2,5 % من المرتبات ، وللتعليم العالى والبحث العلمى 10,9 مليون جنيه اى 07, 0% ، ولمرتبات التربية والتعليم 496,6 مليون جنيه اى 3,8% من جملة مرتبات الحكومة ، مع ملاحظة أن الميزانية ذاتها خصصت مبلغ  9 مليار و245 مليون جنيه لقطاع الدفاع والامن  بنسبة  58% من جملة مرتبات العاملين في الحكومة . ويساوى اجمالى الانفاق على التعليم فى الميزانية 2,1% من جملة الانفاق العام ، وجملة الانفاق على الصحة 1,5% من جملة الانفاق العام .

 لا شك أن سياسات الأنقاذ وشعاراتها اللزجة هي المسؤولة عن انهيار الزراعة في كل البلاد، منذ أن أطلقت الإنقاذ كذبة ” نأكل مما نزرع”، وصولاً إلى برامج : النفرة الخضراء، والثورة الزراعية،  لأن المسألة مرتبطة تماماً بالسياسات الإنقاذية القائمة على الإفقار، من خلال خصخصة مشاريع الدولة الناجحة، وبيعها في مزادات المشروع الحضاري، للإسلاميين من داخل السودان وخارجه انطلاقاً من فقه ” التمكين”،  وبناء مشروع الدولة الدينية عابرة الحدود على حساب الدولة الوطني بتعددها الثقافي والعرقي، والديني.

 وبدأت أطماع القطط السمان، بسياسات التمويل، وما عرف بمحفظة البنوك، وخروج الدولة عن الشراكة في المشروع بتمويل العمليات الزراعية، والإشراف على كل العمليات بدءً بتحضير الأرض، وحتى موسم الحصاد وتسليم الإنتاج إلى السلطات الزراعية، لتستمر الفاجعة على أهل الجزيرة عبر تدمير الهندسة الزراعية للمشروع، و  بيع السكة حديد” خردة”، مروراً بالمحالج في مارنجان والحصاحيصا والباقير، والتي كانت تشغل آلاف من الأيدي العاملة، مثلما تخدم المشروع بالمساهمة في احدى عمليات انتاج القطن، ثم بيع المكاتب والوحدات السكنية، ومشاكل الري، ومثل قانون سنة 2005  الشوكة في خاصرة المشروع، وادخاله غرفة العناية المكثفة،  تميهداً للتخلص منه نهائياً.

وبينما، الناس في الجزيرة متعبون، تطرح أعينهم الزائغة من الرهق،  تساؤلات حائرة، ملخصها ؛ ماذا فعلنا حتى تعاقبنا “الانقاذ” بتدمير مشروعنا الكبير؟. ومع رغم ذلك فالقوم صبورون، يبنون المدارس من ” مال سكر التموين” في الزمان الماضي، ويدخلون الكهرباء إلى بيوتهم من مساهمات أولادهم المغتربين، ومن تبرعات الخيرين.

  إن المخطط كان أكبر من حسن ظن المزارعين في من “يفوقون سوء الظن العريض”، وأن المؤامرة كانت  أكبر من أن تحتملها القلوب الطيبة، وما حديث البشير سوى دخان كثيف ليحجب الرؤية، ويعمي الأبصار عن حقيقة المخطط، بقتل الروح المعنوية وتثبيط الهمم، وزرع الإحباط في المشروع وأهله بالتقليل من الشأن والاحتقار، والإهانة وكسر شوكة العزيمة.

ودخان البشير قصد منه التغطية على المخطط،  الذي أوردته سونا يوم الثلاثاء الموافق الثاني من ديسمبر من العام 2014، و “سونا”، ” لا تنطق إلى عن هوى الرئيس وعصبته، ولا تكتب إلا ” وحيي” الحاكمين الكاذب، وبطانتهم الفاسدة، وتقوم الفكرة كلها على ” تحويل المشروع إلى شركة مساهمة عامة تدرج في سوق الخرطوم للأوراق المالية على أن يكون أصحاب الأسهم في هذه الشركة المزارعون أنفسهم بجانب العاملين في الشركة مع فتح باب الاكتتاب لكافة أهل السودان باعتبار أن المشروع على حد قوله يحتاج إلى موارد ضخمة لتأهيله وليس في وسع الدولة توفيرها على الأقل في الوقت الراهن”  وتشير المعلومات إلى أن قيمة الأصول الثابتة والمنقولة للمشروع تبلغ حوالي (13) مليار دولار. إلا أن الهدف النهائي هو تمليك المشروع لآخرين، ربما من جماعات الإسلام السياسي من كل العالم، بعد أفقار ملاكه الأصليين ودفعهم نحو ترك الأرض والهجرة.

وتتم عملية تفكيك مشروع الجزيرة، ضمن سلسة من عمليات التفكيك الشاملة، عن طريق البيع والخصخصة  من جهة، لللإفقار الإقتصادي،  وعن طريق القتل الجماعي والاغتصابات الممنهجة في دارفور، والقصف الجوي في جبال النوبة والنيل الأزرق، وبث الفرقة وسموم العنصرية،  وعبر القتل المعنوي بسياسات تجريف العقول، وتشريد ملاييين من بنات وأبناء السودان، ليكونوا جلوداً للأرض تضرب خيام نزوحهم في أزمنة اللزوجة،  كل المنافي؛ إجباريا أو طوعياَ.