الرؤية للآخر د.ناهد محمد الحسن                     ينمو الانسان ويتطور فى سنوات الطفولة الاولى وهو يحاول ان يدرك شيئاً عن ذاته ومن هو ؟...

ومن خلال التفاعل بينه وبين واقعه،اسرته،والمجتمع من حوله ..تتضح اولى معالم هويته الفردية كشخص محدد ينتمى الى جماعة محددة لها عادات وتقاليد وثقافة ودين بعينه وهكذا …وعندما يلج الطفل مرحلة المراهقة يجد تلك الهوية على المحك تحت ضغوط الشلة والاصدقاءويبرز جدال مجتمع (النحن)/مقابل مجتمع (الهم) ، وهذه مرحلة من الحرج بمكان اذ انها تهدد الهوية الفردية للإنسان وعليه ان يجد مخرجا آمنا منها ، اذ من المفترض ان تكون العلاقة بين (النحن) و(الهم)علاقة آمنة يسودها الحوار فكما يقول الاستاذ امين معلوف فى كتابه الهويات القاتلة : علينا ان ندرك اين ينتهى التأكيد المشروع للهوية واين يبدأ انتهاك حقوق الآخرين !

تحتاج ادارة العلاقة بين النحن والهم الى وعى فردى ومؤسسى ومجتمعى والى دولة تتيح للجميع فرص متساوية والى قانون دستورى يراعى كفالة هذه الحقوق .اذ مادام البشر بشراً وليسوا ملائكة ..ستحكم العلاقة بين النحن والهم المصالح ذات الاهمية لكليهما ، وهى ليست بالضرورة اقتصادية وحسب . اذ تحتاج مجتمعات النحن والهم دائما لتأكيد ذاتها وهويتها المجتمعية الخاصة وهو تأكيد يحتاج فى تمييزه لذاته الى مرجعية للمقارنة …لتظهر الف التفضيل نحن افضل منهم او هم افضل منا ..وقد تمر هذه المقارنات بسلام فى المجتمعات المعافاة الكبيرة عادة الى نهاية ايجابية …بينما في المجتمعات الصغيرة القبلية مثلا ، تعزز قوى العصبية لديها وتبذر العداء …اذ حرصا على التوازن النفسى والمصالح الاخرى الاقتصادية او غيرها تمرر مجتمعات النحن او الهم عقد نقصها واحساسها بالدونية الى الاخر المختلف والاقل فى السلم الاجتماعى الذى وضعت الاعراف القبلية ملامحه ومرجعيته ..فتسود النزاعات بين الجميع حين ترغب مجتمعات النحن مثلا فى الحصول على التقدير وتأكيد الذات والاعتراف بالسيادة والتميز .ولتمنح مجتمعات النحن مثلا مهمتها قداسة معينة تساعدها فى تقديم مبررات لعدائها تقوم بتحميل مجتمعات الهم سبب بؤسها وتعاستها الابدية ….ما حدث حدث بسببهم …انهم وراء كل مصائبنا وهكذا ….

تحافظ هذه المجتمعات على وحدتها بوضع قوانين واعراف صارمة تفترض إذعان الجميع لها …وهكذا يجد الفرد نفسه مجبراً على إطاعة السلطة الهرمية للحصول على الامان النفسى والاجتماعى .وتشكل القبيلة بعلاقتها الفردية وعلاقتها الخارجية مع الجماعات الاخرى التمظهر الحقيقى لجدلية الهم /النحن .باعتبار ان القبيلة فى السودان لازالت الملاذ الوحيد الآمن فى قطر منى فى تاريخه الطويل بالانظمة الشمولية التى لم تتح للفرد من الحريات والحقوق ما يجعله يستبدل ولاءه الضيق والمحدود للقبيلة بولاء اكبر للوطن الام يجعل القابلية لازالة الفواصل العرقية والإثنية والاختلافات بانواعها بين مجتمعات النحن / والهم خياراً متاحاً.فمشكلة القبيلة التى تطالب بالولاء الكامل انها تجعل افرادها احيانا يحاربون ضد قناعاتهم كما قال الشاعر الجاهلى :

وما أنا الا من غزية إن غزت      *            غزيت وإن ترشد غزية ارشد

وهكذا تصبح القبيلة هى المرجعية الوحيدة للخطأ والصواب ، مما يكرّس للعقل الاستسلامى وسلوك القطيع .فبوجود مجتمع الهم الذى يتربص بك ليس بمقدورك ان تقف فى وجه القبيلة وتتمرد على اعرافها ، لانك تدرك تماما مآلات هذا السلوك …والادهى من ذلك ان فكرة التمرد نفسها لاتخطر الا على بعض العقول التى بها شئ من الرؤى والبوادر القيادية ، حيث تهدد هذه الافكار الوجود الذاتى للانسان الذى لم يحصل على وقت كاف يمرّن فيه ارادته ويمتحن خضوعه وإستسلامه .وفى المجتمع السودانى تقف القبيلة باعرافها خلف الكثير من الممارسات السالبة …مثلا يتم تعيين البعض فى الوظائف ليس وفقا لمؤهلاتهم بل لقرابتهم للشخص المسؤول ..وقد رسخت المحسوبية والواسطة فى المجتمع السودانى الى الحد الذى صار الناس لا يخجلون منه ويعتبرونه عرفا وحقا معلوما !حتى إن البعض يغضب إذا رفض قريب لهم مساعدتهم بإختراق القوانين واللاوائح وعادة ما ينتهى بهم الامر الى شتمه والتحدث عن اصله القبلى الوضيع ولعن الدنيا التى اضطرّت سيدا وابن سيد مثله الى اللجوء لهذا الشخص وغيرها من السيناريوهات التى نعيش فيه يوميا وترهقنا غير اننا لا نستطيع منها فكاكا .لاننا تحت رحمة القبيلة فإننا لن نعرف لنا قانونا غير صلة الدم  نطيعه ونحتمى به .ومن نتائج المحسوبية والواسطة وجود الشخص الغير مناسب فى معظم الوظائف خصوصا تلك التى تحتاج الى مؤهلات عالية وبالتالى دائرة معيبة من الاداء المتدنى فى العمل وبالتالى انتاج ضعيف ، اهدار للموارد والطاقات والزمن وتأخير لعجلة التقدم والحضارة.

من الطبيعى ان يجد مجتمع النحن ذاته احيانا بين من هم فوقه ومن هم دونه …فان كان كالمجتمع السودانى مثلا مجتمع تعرض لليل قهر طويل وبالتالى حالة من الاضطراب النفسى الذى يبحث له عن توازن فى علاقته السالبة مع الاخر …فيتماهى مع من هم افضل منه ويمرر عقد نقصه واحساسه بالدونية الى من هم دونه.فاذا كانت اولى مهام ما بعد الاستقلال هو خلق هوية جماعية واضحة المعالم …فهى مهمة لازالت اسلحتهامشرعة فى السودان اذ خطت الذات السودانية فى هشاشتها الاولى بعد الاستقلال وإختارت التماهى مع الاخر القاهر فاصبحت مصر هى الخيار الاول فى السياسة لدى الحزب الاتحادى الديموقراطى فى شعاراتهم الانتخابية..كما شكلت المرجعية الايديولوجية للاحزاب اليمينية واليسارية اللبرالية ..حيث شكلت حركة الاخوان المسلمين والحزب الشيوعى فى مصر المرجعية الايديولوجية والتنظيمية لاحزابنا السودانية المقابلة…وبالتالى بدا واضحا اننا كسودانيين لسنا مستعدين للاجابة عن سؤال الهوية الذى يحتاج الى نضج خاص ووعى بالمكون القبلى والاثنى فى السودان والذى يحتاج الى رؤى كلية بمقدورها استيعاب هذا التعدد .ولان الضبابية فى الوعى والفكرة لها مدى رمادى خاص بمقدوره ان يثير بحياده القاتل من كان فى ثبات عميق فما بالك بالاخوة فى الجنوب الذين كانوا ينضجون تحت نيران شك ما لم يطق حياد ولا وعى النخبة الشمالية الحاكمة فكان تمرد توريت الشهير الذى قدم 300 روح سودانية نتاج الرؤى القاصرة واول وقود بشرى لعلف المزيد من النار .وقد ساهمت الهوية العروبية الاسلامية فى ايجاد حلول للذات المقهورة التى تعانى من عقدة نقص واحساس قاتل بالدونية فى ان وفرت لها مسارات معتمة جداًومنغلقة فى آخرها ..لتمرير طاقة القهر السالبة والت نعانى اليوم من مردوداتها النفسية السالبة ومآلاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية بعد ان إمتلآت هذه المسارات عن آخرها وارتفع الضغط فيها قبل ان تعود لتنفجر فى وجوهنا …فالاصرار على الهوية العروبية الاسلامية الذى يصدر من عقدة نقص لازالت ترى المستعمر القاهر شخص مقتدر وجبار فتتماهى مع جبروته هذا حتى تصبح ملكية اكثر من الملك وتسقط خجلهامن ذاتها ونقصها فى الاخر الذى يقع اسفل السلم الاجتماعى فكان الضحايا على الدوام هو الاخر الاقليات والمرأة والطفل ..لذلك تتصدر عبارة (إمرأة ، وعبد) قاموس الشتائم السودانية ….فتراق بذلك الكثير من الدماء على مذابح آلهة ليست جديرة  بالعبادة انما تستمد قوتها وعافيتها من جهلنا وصمتنا فتتناسل وعيا ذكوريا صرفا يتلبس حالة من السيادة تبحث لها دوما عن عبد او غراب يوارى سوءتها …وياويلها اذ عجزت ان تكون مثل هذا الغراب فتوارى سوءتنا ….!!!