ريم عباس  تصدرُ في هذا الأسبوع الدّراسة العالمية لـ "حرية الإنترنت لعام ٢٠١٤م"، والذي تُفرد للسنة الثانية على التوالي فصلاً كاملاً عن السودان.  

وكانت مجموعة “قرفنا” قد قامت بكتابة الجزء المُتعلق بالسودان في تقرير “حرية الإنترنت” في العام الماضي، إلا أن تقرير هذا العام كُتب باسم مجهول للدلالة على استمرار القيود المفروضة على الحريات في السودان.

ويغطي تقرير “حرية الإنترنت لعام ٢٠١٤م” ، الصادر في ٤ ديسمبر ٢٠١٤م خمسة وستين دولة في ست مناطق جغرافية. ويغطي التقرير الفترة ما بين مايو ٢٠١٣م إلى مايو ٢٠١٤م. وتقرير “حرية الانترنت لعام ٢٠١٤م” هو الإصدار الخامس ضمن سلسلة تقارير بدأت منظمة “فريدوم هاوس”  باصدارها في العام ٢٠٠٩م. ويُعد تقرير “حرية الانترنت” كـ “أحد المراجع المهمة لصانعي السياسات، والصحفيين، والناشطين في هذا المجال الذي تتزايد أهميته و المتعلق بحقوق الانسان”.

 

ويُصنّف التقريرالعالمي لعام ٢٠١٤ وضع حرية الإنترنت في السودان بـأنه “غير حر”، حيث حصل السودان على ٦٥ نقطة من أصل ١٠٠، مقارنة بـ ٦٣ نقطة في العام ٢٠١٣م.  ومن ضمن ١٢ دولة افريقية، يُصّنف السودان ضمن ثلاثة دول أخرى في فئة “غير حرة” ، ويحتل السودان المرتبة ١١ متقدماً فقط على اثيوبيا.  

 

وسيكون الفصل المتعلق بالسودان لهذا العام مثيراً للإهتمام ومثيراً للقلق على حدٍ سواء حيث يُغطي التقرير فترة الاحتجاجات الدّامية في سبتمبر ٢٠١٣م حيث قُتل ٢٠٠ شخص على الأقل، والفترة التي تلتها، والحملة الشرسىة ضد الحريات الصحفية وحرية التعبير.

كما شهد السودان أيضا قطع خدمة الإنترنت، والتي وصفته شركة استخبارات الانترنت العالمية  Renesys بأنه “أكبر تعتيم للإنترنت تقوم به حكومة منذ ما حدث في مصر في يناير ٢٠١١م.”   وكانت الحكومة السودانية قد نفت علاقتها بحادثة قطع الإنترنت. وعزّت “الهيئة القومية للاتصالات”، وهي وكالة حكومية، انقطاع خدمة الإنترنت إلى حريق شبَّ في مكاتب شركة “كنار”، إلا أن الكثيرين يعتقدون أن “الهيئة القومية للاتصالات” دبّرت الانقطاع كجزء من ردة فعل الحكومة السودانية لقمع الاحتجاجات. وتتفق شركة Renesys مع هذا الرأي، حيث قالت أنّ حادثة قطع خدمة الإنترنت في السودان “تشير بقوة إلى عمل منّسق لأخفاء السودان من الإنترنت.”

 

انتقال الإعلام لساحة الإنترنت للتحايل على الرقابة

 

وتقوم “الهيئة القومية للاتصالات”، وبحسب السلطة المّخولة لها، بحجب أي مواقع ترى بأن محتواها “غير أخلاقي” ويحوي “هرطقة”، كما تقوم بانتظام بحجب الصحف الرّقمية او مواقع الإنترنت التي تنشر تقارير معارضة للحكومة مثل موقع صحيفة “حريات”، وموقع “الراكوبة” الإخباري، ومنتدى سودانيس أون لاين Sudanese-Online، وغيرها من المواقع. وتم حجم موقع يوتيوب في آواخر عام ٢٠١٢م احتجاجاً على عرض الموقع  لفيلم “The Innocence of Muslims“.

إلا أن هذا الهجوم على حرية التعبير لم يمنع ظهور الصحف الرّقمية خلال عامي ٢٠١٣م و ٢٠١٤م، حيث ظهرت صحيفتي “التغيير” و“الطريق”، وأسستا حضوراً قويا على الانترنت. إنّ تحول الصُحف من النسخة الورقية إلى النسخة الرقمية ليس مرّدة مواكبة النسق العالمي للتحول للصحافة الرّقمية، بل هي في الحقيقة محاولة للتحايل على الرقابة التي تفرضها الحكومة على الصحافة المطبوعة في السودان.

إلا أنه على الرغم من ذلك، يعاني المدّونون و الصحفييون الرّقميون من مُتلازمة الكتابة على الإنترنت “حرية التعبير عن الرأي، وانعدام الحرية بعد التعبير عن الرأي” ، حيث يتعرضون للمُلاحقة والإعتقال والترهيب نتيجة لنشرهم لمقالاتهم الرّقمية ولنشاطهم السياسي على الإنترنت.

 

في يونيو ٢٠١٣م ، أعتقل “جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني”  الصحفي خالد أحمد، مدير تحرير صحيفة “السوداني”، لأن هناك مقال نشر على الإنترنت يحمل اسمه الأول. وحوّت المقالة معلومات حساسة حول العملية العسكرية في بلدة “أبو كرشوالا” في جنوب كردفان في الوقت الذي كان فيه الجيش يحاول استعادة السيطرة عليها من يد الحركة الشعبية لتحرير السودان (الحركة الشعبية).  وكان أحمد ضمن عددٍ مجموعة محدودة من الصحفيين الذين زاروا “أبو كرشوالا”، إلا أنه  نفى كتابته للمقال، وصرّح بأنّ بريده الإلكتروني تعرّض للاختراق.

 

وحتى مارس ٢٠١٤م، ظل أحمد خالد قيد المحاكمة أمام محكمة حقوق الملكية الفكرية ، تحت طائلة قانون جرائم المُعلوماتية وقانون العقوبات. وبالإضافة إلى ذلك، في يوليو ٢٠١٣م،  تم اعتقال ثلاثة شبان في بلدة شمال كُردفان تعليقهم في الفيسبوك حول اتهامات بالفساد ضد حكومة شمال كُردفان ، ووجهت إليهم تهمة التشهير. ويعتقد المحلّلون بأن هذه القضايا  تُعد سابقة من نوعها، وتؤسس لسن قانون جديد من شأنه فرض رقابةٍ أكثر صرامة على وسائل الاعلام و الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي.

 

كما عانت الصحف على الانترنت ووسائل الإعلام أيضا من عُنفٍ  تقني من جهات موالية للحكومة، منها هجمات القرصنة في شهر في أبريل ٢٠١٤م على موقعي صحيفة سودان تريبيون Sudan Tribune  وموقع “عاين ” “3ayin” .

 

وقع احداث سبتمبر ٢٠١٣م

وعلاوة على كل ما تقدم، تجلّت آثار احتجاجات شهر سبتمبر ٢٠١٣م خلال العام، كما هددّ مسؤولون حكوميون بفرض قانون على الاعلام الرقمي. فعلى سبيل المثال، صرّح وزير الإعلام للحزب الحاكم،  ياسر يوسف إبراهيم، في مقابلة أجراها في يوليو ٢٠١٣م، بأن هناك حاجة إلى سنّ قانونٍ للإعلام الالكتروني ” يمنح السلطات الحق في حجب المواقع التي تنتهك القيود المتفق عليها”. وخلال الفترة ما بين يوليو ٢٠١٣م ويونيو عام ٢٠١٤م، قامت حكومة السودان بتقديم طلبات لشركة “فيسبوك” للإفصاح عن المعلومات الشخصية لخمسة حسابات مستخدمين لديها، وهي طلبات لم تردْ من الحكومة من قبل. وعلى أية حال لم تستجب إدارة “فيسبوك” لأي من هذه الطلبات.

 

وبالإضافة إلى ذلك، بدأت جميع شركات الاتصالات حملة صارمة لفرض تسجيل شرائح الهاتف النقّال حيث تم الإعلان عنها في التلفزيونات والصحف واللوحات الإعلانية في الشوارع، وتم توفيرخدمة تسجيل الشرائح عبر مراكز الخدمات المتنقلة في الأماكن العامة، وتنظيم المسابقات واليانصيب للفوز بجوائز قيمة من المبالغ النقدية والذهب، أو السيارات لأولئك الذين يقومون بالتسجيل. ويتطلب تسجيل شريحة الهاتف النقال هوية شخصية وطنية وعنوان منزل المستخدم، وهو الأمر الذي يعده النشطاء وسيلة من قبل الأجهزة الأمنية لتعقب أرقام هواتف المُستخدمين.

 

واستمرت مراقبة الاتصالات الرقمية وشبكات وسائط التواصل الاجتماعي، فضلاً عن التنصت على المكالمات الهاتفية، ومواصلة استهداف المجتمع المدني وأعضاء المعارضة السياسية؛ لا سيما في أوقات الاضطرابات أو أثناء الاحتجاجات.

 

العراقيل الناتجة عن العقوبات الأمريكية على السودان

 

وأشار التقرير أيضا إلى أن العقوبات التي تفرضها أمريكا على السودان تظل بمثابة حاجز أمام حرية الوصول إلى المعلومات والمعرفة. وتشمل هذه القيود حظر البرنامج الأصلية أمريكية الصنع، وبرامج مكافحة الفيروسات،  والتحديثات الأمنية. وقد أعاق النظام العقوبات الأميركية أيضا الإمكانات التعليمية في السودان، حيث لا يتمتع المُستخدمون داخل السودان من خدمات المواقع التعليمية المجانية على شبكة الإنترنت مثل Khan Academy، والباحث العلمي لموقع Google، بالإضافة إلى عدد ضخم من الدورات التعليمية على الانترنت MOOCs. وأشار التقرير إلى أن هذا يشكل انتهاكاً لحق الجميع في التعليم. كما شملت الحواجز العقبات الأخرى التي تعيق الوصول إلى الإنترنت عدم تمكن المقيمين في السودان  من الاستفادة او الوصول إلى مواقع تصميم خرائط الأزمات crisismapping، أو المواقع الأمريكية لحشد التمويل الجماعي على الإنترنت.   

 

بالإضافة إلى ذلك، تم رصد برمجيات مراقبة وفلترة تابعة للشركة الأمريكية “بلو كوت سيستم” Blue Coat Systems في ثلاث شبكات داخل السودان، مما دفع واضعي التقرير إلى القول “وما توضحه هذه التسريبات هي أن العقوبات الامريكية ضد السودان لم تعرقل على النحو المنشود الحكومة السودانية من الوصول إلى أو شراء برامج مراقبة أمريكية الصنع. بل على العكس، تعرقل العقوبات الأمريكية في كثير من الأحيان – عن غير قصد – وصول المُستخدمين العاديين لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات …”

 

 منهجّية الدراسة:

يصنّف  تقرير”حرية الإنترنت لعام ٢٠١٤م” الدول عن طريق بناءً على  تواجد عوامل “بيئة مواتية”  لحرية الإنترنت من خلال الإجابة على 21 سؤالاً منهجياً تسمح بالمقارنة بين الدّول، بالإضافة إلى إمكانية  تحليل الأنماط الناشئة على المستوى الإقليمي او العالمي.  تتراوح النقاط ما بين (0) وهي تعني أفضل حالة لحرية الإنترنت،  و(100) هي أسوء وضع لحرية الإنترنت، ويتم حساب هذه النقاط عبر قياس ثلاثة فئات:

  • العقبات التي تُعيق الوصول إلى الإنترنت: وتتضمن تقيم البنية التحتية، والحواجز الاقتصادية، والبيئة التنظيمية، والمحاولات التي تقوم بها الدولة لمنع الوصول إلى تكنولوجيات أو تطبيقات محددة؛
  • القيود المفروضة على المحتوى:  مثل فلترة وحجب المواقع، فرض الرقابة أو الرقابة الذاتية، وتنوع المصادر الاخبارية على الانترنت ومستوى النشاط الرقمي لأغراض اجتماعية وسياسية؛ و
  • انتهاكات حقوق المستخدم: يشمل ذلك أي نوع من الاضطهاد والمضايقات الناجمة عن النشاط على الإنترنت، وفرض القيود على الخصوصية والمراقبة التي تنتهك الخصوصية.

وبحسب النقاط المحسوبة في الفئات المذكورة أعلاه ، يقيّم تقرير “حرية الإنترنت” الدول كـ (حرّة) حيت حصولها على نقاط ما بين (0) إلى (30)؛ وكـ (حرّة جزئياً) إن حصلت على ما بين (31) إلى (60) نقطة؛  و (غير حرّة) إن حصلت الدولة على نقاط تتراوح ما بين (61) إلى (100).  وفي معرض توضيح منهجية دراسة “حرية الإنترنت لعام، تضيف منظمة “فريدوم هاوس” ما يلي:

 

إن هذه الدراسة ليس الغرض منها تصنيف الحكومات أو الأداء الحكومي في حد ذاته، بل هو تقيمٌ لوضع الحريات في العالم  وحقوق والحريات التي يتمتع بها الأفراد داخل كل بلد. وتتأثر حرية وسائل الإعلام الرقمية في المقام الأول بقرارات الدولة ، إلا أننا نأخذ في عين الاعتبار الضغوط والهجمات التي تشنها الجهات غير الحكومية، بما في ذلك الجريمة السرية المنظمة.  . ولذلك فإن هذا التقييم مؤشر يعكس بشكل عام التفاعل بين مجموعات متنوعة من الجهات ذات الصلة، سواء الحكومية أوغير الحكومية، بما في ذلك الشركات الخاصة.