إن خطوات توحيد المعارضة المدنية والمسلحة حول رؤية مشتركة لتحقيق الحل الشامل للأزمة الشاملة والمزمنة في السودان، التي توجت بالتوقيع على وثيقة  "نداء السودان: الإعلان السياسي لتأسيس دولة المواطنة والديمقراطية"، 

تمثل توجها إيجابيا في العمل المعارض، لا سيما في ظل سيادة النهج الإقصائي للنظام الحاكم في الخرطوم بقيادة البشير، فقد انحدر النظام من دكتاتورية الحزب إلى دكتاتورية الفرد وحاشيته من المنتفعين،

وقد تجلى هذا النهج الإقصائي في مفاوضات السلام الأخيرة في أديس ابابا التي فشلت في التوصل الى اي اتفاق، والسبب هو إصرار الوفد الحكومي (بسبب ضغوط البشير) على الاستبعاد التام لفكرة الحل الشامل واهم عناصرها: وقف للعدائيات في كل من جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور ضمن عملية سلام شاملة ومتزامنة، اجتماع كل قوى المعارضة المدنية والمسلحة والحكومة في منبر جامع يتولى مهمة التحضير لحوار وطني حقيقي حول قضايا السلام الشامل والتحول الديمقراطي في البلاد وصولا الى عملية دستورية تفضي الى حكومة انتقالية تشرف على انتخابات عامة حرة ونزيهة، ومثل هذا الحوار لكي يكون جادا ومثمرا لا بد من الوفاء بجملة شروط واستحقاقات، فبالاضافة الى وقف العدائيات، لا بد من عملية إغاثة إنسانية عاجلة لمنكوبي الحروب، ولا بد من إجراءات بناء الثقة وتهيئة المناخ بإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين في قضايا سياسية،وكفالة حرية التعبير والعمل السياسي الجماهيري،

رفضت حكومة البشير هذا المنهج الشامل رغم اتفاق القوى السياسية السودانية عليه، ورغم  دعم  القوى الإقليمية ذات الصلة بالشأن السوداني له، دعما مثله قرار مجلس السلم والامن الافريقي 456، وبيان دول الترويكا(أمريكا، بريطانيا، النرويج) الذي تزامن مع المفاوضات في نوفمبر الماضي، وقبل هذا وذاك رغم أنف الأزمة الخانقة التي يعاني منها المواطن السوداني تحت وطأة الحروب ومترتباتها من نزوح ولجوء ومجاعات وأمراض، والضائقة المعيشية المتفاقمة بسبب أزمة اقتصادية لا سبيل لحلها إلا عبر حل سياسي يحقق الاستقرار،

رفضت حكومة البشير هذا النهج الشامل وتمسكت بالحلول الجزئية مع القوى المسلحة في اتجاه تجريدها من السلاح قبل بلورة اتفاق سياسي يخاطب جذور المشكلة التي تسببت في الحرب ابتداء، ودون وضع قضايا مناطق الحروب في إطار القضية القومية، وكأنما مناطق جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور جزر معزولة عن السودان ويمكن ان ينصلح حالها في ظل الفساد والعطب المتجذر في مركز السلطة في الخرطوم، أما المعارضة المدنية فلا دور لها من وجهة نظر الحكومة إلا دور”الكمبارس” في مسرحية “حوار الوثبة”!

وفي ظل هذه المعطيات كان لا بد من ان تصل المفاوضات إلى طريق مسدود وتنهار كما حدث ظهر أمس الثامن من ديسمبر، ولكن لانهيار هذه المفاوضات وجه إيجابي، وهو “انهيار مشروع البشير لتقسيم المعارضة”، حيث أصرت الحركات المسلحة ولأول مرة في تاريخ الصراع في السودان على رفض “الصفقات الثنائية” وعلى اشتراط مشاركة المعارضة المدنية في منبر تفاوضي موحد للوصول الى حل سياسي شامل، أصرت على ذلك مستلهمة تجاربها السابقة مع النظام، وهذا تطور نوعي لا بد من الحفاظ عليه وتعزيزه بالنضال السياسي اليومي على الأرض في جميع الجبهات لحصر نظام الخرطوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الحل الشامل، وإما الانتفاضة.