بابكر فيصل بابكر كتبتُ في شهر إكتوبر الماضي مقالاً أعلق فيه على حديث لرئيس اللجنة الإقتصادية بالبرلمان, سالم الصافي حجير, تمنى فيه أن يصل سعر صرف الدولار "لجنيه واحد", وكان وزير المالية وعددٌ من المسؤولين الحكوميين قد تنبأوا بإستمرار إنخفاض سعر الدولار الذي بدأ في إكتوبر الماضي, بل أنَّ بعضهم أفرط في التفاؤل و قال إنَّ سعره سيصل لخمسة جنيهات.

وكنت قد قلتُ في ذلك المقال أنَّ الإنخفاض الذي طرأ على قيمة الدولار كان إنخفاضاً عارضاً وأنَّ سعر صرفه سرعان ما سيعود لمستوياته المُعتادة نسبة لعدم مخاطبة المشاكل الأساسية التي أدت لإرتفاعه في المقام الأول.

وذكرتُ أنَّ وقف تعامل البنوك الخارجية مع البنوك التجارية السودانية أدى إلى خفض الطلب الداخلي على الدولار من قبل الشركات والأفراد، وهذا هو أحد الأسباب المُهِّمة التي أدَّت لذلك الإنخفاض الطفيف والمؤقت في قيمة الدولار, إضافة للحملة الواسعة التي شنتها السلطات الأمنية على المتعاملين في السوق الموازي.

غير أنَّ إصرار المسئولين على “بيع الأحلام” جعل البعض يُصدِّق أنَّ الإقتصاد قد تعافى وأنَّ سعر الصرف سينخفض لمستويات غير معهودة, تزامن ذلك مع تصريحات وزير الإستثمار مصطفى عثمان التي قال فيها أنَّ الحكومة تلقت دعماً مالياً من السعودية في أعقاب زيارة الرئيس البشير الأخيرة للمملكة وإصلاح العلاقات بين البلدين.

وهذا ضربٌ من التصريحات “الأفيونية” التي دأب المسؤولون الحكوميون على إطلاقها كلما إشتدت الأزمة الإقتصادية والضائقة المعيشية, ومنها حجوة “الوديعة القطرية” التي بتنا نسمع بها كل فترة ولا نرى لها أثراً.

ومن بينها كذلك الوعود التي لا تتحقق أبداً بإعفاء ديون السودان الخارجيَّة, وقد كتبت في العديد من المناسبات عن وفود وزارة المالية التي “تحج” لواشنطون كل عام لحضور إجتماعات صندوق الدولي ثم تعود لتبشر الشعب المغلوب على أمره بقرب موعد رفع الديون, و مع ذلك يظل الناس في إنتظار “غودو” الذي لا يأتي أبداً.

يعتقد أهل الحكم أنَّ “العامل النفسي” وحدهُ كفيلٌ بحل مشكلة تدهور قيمة الجنيه السوداني, ولذلك يُسرعون في طمأنة الناس بأنَّ البنك المركزي “سيضخ” كميات من العملات الصعبة لمواجهة الطلب وهذه “حيلة” قصيرة الأجل سرعان ما يتكشف فشلها وتعود أسعار الدولار للإرتفاع.

قلنا إنَّ مشكلة سعر صرف الجنيه ليست سوى إنعكاساً للأزمات الهيكلية العميقة التي يُعاني منها الإقتصاد السوداني, وهى أزمات لا تحل بأحلام “الودائع” وأمانيها العذبة, وتقف على رأس تلك الأزمات مشكلتا التدهور الكبير والمُخيف في أداء القطاعات الإنتاجية إضافة لأزمة الموارد المالية.

وقال أهل الحُكم إنَّ أزمة سعر الصرف ترجعُ لمضاربات “وجشع تجَّار العملة”, وأنَّ الدولار سيتراجع إلى أدنى مستوياته خلال أسابيع, ولكن حدث العكس تماماً حيث عاد سعره للإرتفاع إلى حدود التسعة جنيهات.

وهذا الحال سيستمر إذا لم تتم مخاطبة جذور الأزمة الإقتصادية, حيث فقد السودان بإنفصال الجنوب صادرات بترولية تفوق قيمتها 6 مليار دولار، وفي نفس الوقت حدث تراجع كبير في نمو قطاعي الزراعة والصناعة، ومع تراجع الإنتاج والصادرات إزداد حجم الواردات وتنامى الطلب على النقد الأجنبي.

قلنا أنَّ الجانب الإقتصادي للأزمة يرتبط إرتباطاَ “عضوياَ” بالجانب السياسي المتمثل في “أزمة الحكم” و  “الحصار الخارجي” وهو ما أدى للإنحسار الكبير للمنح والقروض والإستثمارات الأجنبية، وهروب رؤوس الأموال، والصرف الحكومي الكبير على الحساب الجاري وليس الإنتاج و التنمية، والفساد المؤسسي.

وقلنا كذلك إنَّ حل هذه المُشكلات يتطلب تحسين العلاقات السودانية مع المُجتمع الدولي ووقف الحرب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وإعمال مبدأ الشفافية والمحاسبة، وخفض الصرف على جهاز الحُكم المتضخم.

ولكن أهل الحكم يتعمدون إغفال هذه الحقائق, وينظرون للمشكلة الإقتصادية وكأنها أمرٌ معزول عن أزمة الحكم, وهو نهجٌ عقيم ظلت تتبعهُ الإنقاذ منذ أن تسنمت السلطة, نهج التجزئة والحلول المؤقتة والتسويات قصيرة الأمد في كل شىء, وهذا الأمر ما عاد يُجدي لحل الأزمات المعقدة و المشاكل المركبة التي يُعاني منها البلد حالياً.

لا يبدو أنَّ الأزمة السياسية ستجدُ طريقاَ للحل خصوصاً بعد إنهيار المفاوضات بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق مؤخراً, وكذلك التراجع الكبير للزخم الذي صاحب إطلاق مبادرة الحوار الوطني.

وهو الأمر الذي يرتبطُ إرتباطاً وثيقاَ بتحسين العلاقات الخارجية ومن ثم إنعكاس ذلك على الأوضاع الإقتصادية ومنها قضية سعر الصرف فقد كان الإتحاد الأوروبي مؤخراً – على سبيل المثال – ربط تحسين العلاقات الإقتصادية وإعفاء ديون السودان الخارجية بوقوع الإصلاح الديموقراطي وإحلال السلام الداخلي.

أخشى أنه في حال وقوع تراجع مؤقت في سعر الدولار في الفترة المقبلة مثلما حدث في أكتوبر أن يخرج علينا الخبير الإقتصادي المعروف “بموالاته للحكومة” الدكتور (فلان) ليُعيد على مسامعنا “بدون خجل” ذات المعزوفة “البايخة” و المُكررة عن نجاعة السياسات المالية, وزيادة الإنتاج, وإرتفاع الصادرات … الخ , ثم لا تلبث حليمة أن تعود لقديمها. اللهم لا إعتراض على حُكمك.