محجوب محمد صالح عندما أعلنت لجنة الوساطة الإفريقية برئاسة رئيس جنوب إفريقيا السابق تابو إمبيكي تأجيل المفاوضات التي تديرها بين حكومة السودان والحركة الشعبية (شمال) من ناحية ومع حركات دارفور المسلحة من ناحية أخرى عبر مسارين

كانت الوساطة تأمل أن تجمع بينهما لاحقا في إطار حوار وطني شامل- عندما أعلنت التأجيل للعام القادم كانت بصورة ما تعترف علانية بفشلها في إحداث أي اختراق في المسارين رغم أن جولات التفاوض امتدت إلى قرابة الشهرين لكنهاأيضا- أرادت أن تقول: إنها لم تفقد الأمل بعد.

إذا تأملت الوساطة في هذا الواقع جليا لاقتنعت بأن هذا الحوار الذي يدور في أديس أبابا بمعطياته الحالية سيظل (حوار طرشان) مهما بذلت الوساطة من جهود وسيظل يكرر جدل أهل بيزنطة عما إذا كانت البيضة هي أصل الدجاجة أم الدجاجة هي الأصل- لا فكاك بين قضيتي التحول الديمقراطي وتحقيق السلام- حملة السلاح لن يلقلوا سلاحهم ما لم يحققوا مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية رفعوا من أجلها ذلك السلاح. والمساران اللذان تدور عبرهما محادثات أديس أبابا تريد منهما التزاما بوقف إطلاق النار وتسريح جيوشهم عبر ملف الإجراءات الأمنية وأن يتم ذلك قبل الوصول إلى تسوية سياسية- هذا مطلب مستحيل التحقيق- وحوار الغرف المغلقة حول قضيتي الولايتين ودارفور ما زال يلف ويدور حول هذه النقطة، فالحركات المسلحة تريد حلا شاملا يعالج كافة المطالب أولا ثم يأتي السلام تتويجا للاتفاق السياسي الاقتصادي الشامل، بينما وفد الحكومة يصر على أن مجال تفويضه هو فقط تحقيق السلام عبر وقف إطلاق النار وإنفاذ الترتيبات الأمنية ولا شيء سوى ذلك وأي قضية أخرى مكانها الحوار الشامل وهو ليس مجال تفويضهم، وقد أكد ذلك رئيس الجمهورية في مؤتمره الصحافي الأخير.

مفهوم الحل الشامل الذي قبلته الوساطة الإفريقية مؤخرا بعد أن طال تجوالها في أزقة الحلول الجزئية كان مطلب القوى الوطنية السودانية من قبل انطلاق محادثات نيفاشا ولكن المجتمع الدولي وهو يستعجل فصل الجنوب لم يستمع لأصواتنا وأصم أذنيه وأدخلنا في مأزق الحلول الجزئية التي كانت نتائجها وبيلة على سيادة السودان ووحدة أراضيه،

 وقد انساق المجتمع الإقليمي ممثلا وراء ذلك في الماضي ولكن الآن يبدو أن هناك رغبة للعودة لمبدأ الحل الشامل دون أن تكون هناك استراتيجية مدروسة لإنجاز هذا التحول من الحل الجزئي للحل الشامل ولا كيفية الربط بين هذا وذاك.

إذا كان هناك حل شامل يمكن الوصول إليه عبر الحوار فإن اللاعب الأساسي في الإعداد لذلك الحوار وتهيئة أجوائه بالتنازلات المطلوبة فهو الجانب الحكومي الذي يحتكر السلطة والثروة، وما لم يبد الجانب الحكومي إرادة سياسية حقيقية واستعدادا للتنازلات المطلوبة وليبرم اتفاقا ملزما مع الاتحاد الإفريقي بذلك ويبدأ فورا في تنفيذ حزمة مطلوبات الحوار فإن ذلك الحوار لن ينطلق وأي مجهودات تبذلها الوساطة ستكون مجرد حرث في البحر- ولتسأل الوساطة نفسها: أي شيء تحقق من الاتفاقات لتي أبرمتها مع الحكومة عبر خريطة الطريق لتهيئة الأجواء المناسبة لذلك الحوار وذلك بإتاحة حرية التعبير وحرية التنظيم وحرية النشاط السياسي الحزبي وإطلاق سراح المعتقلين والمحبوسين وتوفير الضمانات والاعتراف بمشاركة حملة السلاح في الحوار؟

إن المدخل الصحيح هو أن يبدأ نشاط الوساطة بالإعداد للحوار الشامل أولا بالتأكد من إنفاذ كل مطلوبات تهيئة الأجواء للحوار ثم إدارة حوار شامل حول (الحوار) للاتفاق على من يدير الحوار وما هي أجندته؟ وما هي لوائحه؟ ومن يشارك فيه؟ وكيف يجيز قراراته؟ وكيف يتم تنفيذ تلك القرارات؟ فإذا تم الاتفاق على هذه القضايا أمكن للحوار أن ينطلق ومع بدايته يمكن للمحاورين أن يشكلوا لجانا فرعية لبحث قضية السلام ووقف إطلاق النار في مناطق الحرب على مرحلتين: مرحلة وقف العدائيات حتى تصمت البندقية أثناء الحوار ومرحلة وقف إطلاق النار الشامل كجزء من مقررات المؤتمر للحل الشامل لأزمة السودان ويتم الاتفاق على تسريح الجيوش الخاصة وإدماج بعض عناصرها في القوات المسلحة وإعادة دمج الآخرين في قوات نظامية ومدنية أخرى.

المطلوب من الوساطة الإفريقية قبل أن تعود لجولات التفاوض الماكوكية أن تجلس للحكومة وتستكشف من جديد مدى إمكانية تنفيذ ما يليها في هذه الخطة فإن وجدت استحالة في ذلك رفعت يدها عن محاولة التوسط الذي لا يجدي-
mahgoubsalih@maktoob.com