خالد فضل   اتفق مع الموقعين/ات على بيان دعم وتأييد اعلان المبادئ الصادر تحت عنوان (نداء السودان) , والموقع عليه من جانب الجبهة الثورية, وحزب الأمة القومي, ومبادرة المجتمع المدني السوداني,وتحالف قوى الاجماع الوطني 

بأديس أبابا في مطلع هذا الشهر,ذلك الاعلان الذي قابله حزب جماعة الاخوان المسلمين المستبد في السودان بحملات اعتقال طالت السادة فاروق ابوعيسى رئيس الهيئة العامة لقوي الاجماع الوطني وأمين مكي مدني رئيس تحالف مبادرة المجتمع المدني والفرح عقار مستشارحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان السودانية , كما استقبلته حكومة الفئة المستبدة بحملات تعبئة عسكرية وسط القوات التابعة لها من مليشيات الجنجويد سيئة السمعة الى مليشيات الدفاع الشعبي والتي تشكل الذراع العسكري لحزب الاسلاميين السودانيين منذ تأسيسها قبل أكثر من عشرين عاما .

وقد ساد جو من الاحباط بالفعل في أوساط عامة السودانيين من امكانية التغيير بفضل ما عايشوه ويعايشونه يوميا من مظاهر التمكين التي طالت كل منحى من مناحي الحياة , هنا استوقفتني عبارة نسبت للطبيب ابراهيم غندور مساعد رئيس حزب الجماعة في القصر والحزب ورئيس وفدهم لمفاوضات اديس مع الحركة الشعبية , قال في معرض رفضه لمطالب شمول الحل للمعضلات السودانية وضرورة اشراك المجتمع المدني في ذلك الحل , إن الحكومة تملك تسع الآف منظمة مجتمع مدني !! وبالفعل فإن حديث غندور يجب أن يؤخذ مأخذ الجد , من قريب كنت أتحدث الى د. مضوي ابراهيم ضمن موضوع دراسة , تطرق الحديث لمسألة بناء الشبكات بين منظمات المجتمع المدني في السودان فقال لي إن تجربتهم في هذا المضمار قد كشفت لهم مدى اختراق جهاز الأمن لمثل هذه الشبكات عبر اصدار بطاقات التأسيس لمنظمات فردية أي أن يكون شخص واحد هو في ذات الوقت منظمة المجتمع المدني , ويحدث هذا طبعا لزوم الاختراقات , ولا يخفى جانب المعيشة . فقد حدثني أحد الشبان قبل فترة من أنه ذهب الى أحد زملائه في الجامعة ممن ينتمون لمصالحهم الذاتية ومقر عمله جهة رسمية تسجل ما يسمى بمنظمات المجتمع المدني , المهم قال لي ذلك الشاب إنه كال السباب للقوى الديمقراطية ووصفها بالعمالة والخيانة والارتزاق , فتمت مكافأته بمنحه بطاقة بشغل منصب أمين الشؤون الإيه كده (لا أتذكر بالضبط)بمنظمة لم يرد اسمها الا في تلك البطاقة! ومن ثمّ زار رفقة زميله ذاك وزيرا في الحكومة الاتحادية في مكتبه للحصول على مساعداته وتسهيلاته لمؤتمر اقليمي ستشارك فيه منظمتهم الوهمية تلك ببضعة عشر عضوا وما يتطلبه ذلك من نثريات وتذاكر سفر واقامة وغيرها , تبرع لهم الوزير مبدئيا ووعدهم باستنهاض همم بقية زملائه في مختلف مرافق الدولة لدعمهم . هذه هي نوعية منظمات المجتمع المدني التي يتحدث عنها غندور, ولأنهم يعرفون الحقائق ويعرفون الواقع فإن جهاز أمن الحزب الاسلامي يعتقل الأستاذ أمين مكي مدني لأنه علم على رأسه نار وعندما يتحدث عن المجتمع المدني فإنه يتحدث بحق وحقيقة .

  جو الاحباط الذي ساد وسط السودانيين جعل الأخبار المتداولة يوميا تدور حول انتحار شخص بدوافع معظمها اقتصادية واجتماعية يتم دبلجتها تحت زعم حالات نفسية , وفي محاولة التغطية تلك يكتشف ما هو أخطر ماهو سبب زيادة حالات الأمراض النفسية؟ فالاحباط هو الذي قاد المرحوم صلاح كافي لارتياد القصر الجمهوري وليس الجنون كما قيل رسميا , كما يتم التعبير عن الاحباط في تكرار حوادث العساكر الذين باتوا يقتلون لأتفه الأسباب مثل (بروة صابونة ) , وقبل يومين قرأت خبرا عن المستجد الذي طعن ضابطا في شندي , وغيرها من حوادث تبدو غريبة ولكن بتأمل سطحي يزول وجه غرابتها , فقد انهار ما يسمى بالدولة في سودان الاخوان المسلمين , نعم انهيار بالمعني اللغوي للكلمة وليس مجازا . حدثني أحد معارفي يعمل سائقا لشاحنة عن رحلته الى الفاشر بشحنة بضائع عن الأتاوات التي دفعها منذ خروجه من نواحي الابيض حيث ظل يدفع عند كل بوابة اقامتها مجموعة قبلية ليرافقه مسلحون حتى البوابة التالية وهكذا حتى بوابة مدينة الفاشر اكثر من عشرين بوابة تقريبا وختم حكايته بعبارة (والله يا أستاذ لا يوجد شئ اسمه حكومة ), وذات عبارة لا توجد حكومة كنت قد سمعتها قبل سنوات من قريب لي يعمل مهندسا في احدى شركات الطرق والجسور صدف انتدابه للعمل في مشروع بدارفور قال لي نفس العبارة , في دارفور لا يوجد شئ اسمه حكومة !!

   إذا نداء السودان عندما يقول ببناء دولة المواطنة والديمقراطية يبدأ بصراحة من تحت الصفر , الآن لا توجد دولة في السودان انما مجموعات وكتل بشرية متناحرة في الغالب , أسس لهذه الحالة ما نفذته سلطة الاسلاميين التي اغتصبت الحكم وصادرت البلاد كلها موارد وامكانات وبشرية ووضعتها تحت تصرف رغائبها الشهوانية بلا أدنى وازع أخلاقي أو احساس انساني , فهذه جماعة تغلب عليها بدائية الغرائز رغم نيل منتسبيها لشهادات اكاديمية , وقد صدق من وصف سياستهم ب( سياسة المكاواة) التي يمارسها الصبية والصبيات فيما بينهم ويمارسها الأطفال ضمن شقاوة طفولتهم أما أن تدار البلاد بالمكاواة فهذا مما يستوجب الوقوف ضده بحزم وليكن الشعار الذي تنطلق منه المقاومة بسيط وواضح ومحدد يخاطب العقل والوجدان , وكفى مهازل وعبث وسفه فهذه الارض ليس ملكا لهولاء المعتوهين فكريا واخلاقيا وسياسيا .