زهير السراج * يظن البعض أن انهيار مؤسسات مثل مشروع الجزيرة وهيئة السكة حديد والطيران المدنى والخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية السودانية ..إلخ،

حدث بسبب سوء الادارة والفساد اللذين اتسمت بهما حكومة الانقاذ ، أو أن إلغاء مؤسسات مثل وزارة الأشغال ومصلحة النقل الميكانيكى ومصلحة المخازن والمهمات كان نتيجة نظرة فنية لم توفق في تطبيقها حكومة الانقاذ .. ولكن في الحقيقة فإن ما حدث لكل تلك المشاريع والمؤسسات من انهيار وإلغاء كان أمرا متعمدا وتدميرا ممنهجا من الانقاذ في سبيل تفكيك الدولة وتحويلها الى حزب، تماما كما فعل النازيون في ألمانيا التى رفع فيها هتلر رئيس الحزب النازى (حزب العمال الألمانى الاشتراكى  الوطنى شعار (أنا الدولة والدولة أنا) .. واجتهد في تطبيقه ونجح الى حد كبير، ولولا اطماعه التوسعية وسياساته العنصرية التى قادته الى حتفه لظل يحكم ألمانيا فترة طويلة من الزمن تحت شعارات خادعة وزائفة مثل (ألمانيا العظمى) و (تفوق الجنس الآرى) التى إجتذب بها تعاطف وتأييد غالبية الشعب الألمانى خلال فترة حكمه قبل ان يتورط في الحروب التوسعية التى خاضها مع حلفائه في اكثر من ثلاث جبهات هى الجبهة الروسية والجبهة الألمانية والجبهة الشرق أوسطية بالإضافة الى الحرب البحرية والجوية التى خاضها ضد بريطانيا !!

* انتهج الانقاذيون (الاخوان المسلمون) تحت قيادة الترابى نفس النهج النازى فرفعوا شعار الاسلام هو الحل والحاكمية لله لاجتذاب تأييد جموع البسطاء كما فعل هتلر عندما رفع شعار تفوق الجنس الآرى بخلفية دينية بروتستانتية تتميز بعدائها وكراهيتها الشديدة للسامية، ومثلما كوّن النازيون المليشيات النازية المسلحة لحمايتهم وارهاب خصومهم، فعل مثلهم الاخوان المسلمون فكونوا مليشيات الدفاع الشعبى بحجة الجهاد والدفاع عن الاسلام والوطن ولقد كانت تلك المليشيات في حقيقة الأمر خطوة أولى لإلغاء القوات النظامية خاصة الجيش ضمن المخطط الرامى لاضعاف الدولة وهو ما حدث لاحقا حيث حلت بعض الجماعات ذات الطبيعة العسكرية محل القوات المسلحة في اداء واجبات القوات المسلحة، وقد لا يعرف كثيرون ان احد أهم أسباب المفاصلة بين البشير والترابى في عام 1998 كانت رغبة الترابى في حل الجيش بخطوات اسرع من التى  حدثت لاحقا، وسأعود لهذا الموضوع لاحقا باذن الله ..!!

* عندما قامت الانقاذ كان في ذهن عرابها الترابى ان انتفاضتين شعبيتين كبيرتين كانتا السبب في انهاء نظامين دكتاتوريين شديدى البأس في تاريخ السودان الحديث هما ثورة اكتوبر 1964 التى قضت على نظام عبود وانتفاضة ابريل 1985 التى قضت على نظام نميرى بسند من القوات المسلحة والشرطة، وكان العمود الفقرى لكلتا الانتفاضتين التجمعات النقابية (حتى وان كانت محلولة) داخل المؤسسات الحكومية الضخمة، فألغت الإنقاذ منذ اللحظة الأولى لاستيلائها على السلطة النقابات واعتقلت النقابيين ثم وضعت قانونا جديدا للنقابات يجمع كل العاملين في مكان عمل واحد في هيئة نقابية واحدة رغم تضارب المصالح، وعلى سبيل المثال تضم الهيئة النقابية للعاملين في مصلحة النقل الميكانيكى بالخرطوم كل العاملين بالمصلحة ابتداء من المدير (مهندس)  وحتى الغفير (عامل غير ماهر) .. وهكذا في بقية مؤسسات الدولة، وهو ما أضعف العمل النقابى بشكل كبير لتضارب المصالح، خاصة أن الحكومة لم تترك هذه الهيئات تختار ممثليها بشكل ديمقراطى، وانما كانت هى التى تختار اعضاء اللجان التنفيذية للهيئات النقابية مهما كانت صغيرة في أدنى قاعدة الهرم النقابى، وحتى اللجنة التنفيذية لاتحاد عمال السودان وهو أعلى قمة الهرم النقابى في السودان.

* ولم تكتف الانقاذ بذلك، بل خشيت من استمرار العمل النقابى بشكل سرى أو علنى داخل مؤسسات الدولة رغم سيطرة النظام على العمل النقابى سيطرة كاملة، فلجأت الانقاذ لإلغاء أو اضعاف المؤسسات الحكومية ذات التجمعات العمالية الضخمة  مثل وزارة الاشغال ومصلحة النقل الميكانيكى ومصلحة المخازن والمهمات وتشريد العاملين بها، وهى مؤسسات تتنشر في كل انحاء السودان وتضم اعدادا ضخمة العاملين ونقابات قوية جدا، كما ارادت من ذلك تدمير المؤسسات التى تدير ممتلكات الدولة بالاشراف المباشر وتقوم بعمليات البيع والشراء لكل احتياجات الدولة..إلخ،  كما تضم كافة المستندات التى توضح تلك الممتلكات منذ نشأة السودان الحديث، وكان القصد من هذا التدمير اطلاق يدها ويد منسوبيها في ممتلكات الدولة حتى تنتقل الملكية بسهولة ويسر من الدولة الى الحزب وشركاته وأعضائه، بالاضافة الى اطلاق يد المسؤولين للتلاعب بالمال العام (من باب التمكين) بدون رقيب او حسيب.

* وبنفس الطريقة وانطلاقا من نفس الفكرة والمنهج، تعمدت الانقاذ تدمير معظم المؤسسات الحكومية الضخمة مثل مشروع الجزيرة والسكة حديد وهيئة الموانى البحرية والخطوط الجوية السودانية بغرض افراغ الدولة من مضمونها وتجمعاتها العمالية القوية واحكام القبضة على السلطة وتحويل الدولة الى حزب فاشى لا يهمه شئ غير تحقيق مصالحه الخاصة ولمصالح اعضائه حتى لو ادى ذلك الى تدمير الدولة وتحويلها الى انقاض كما نرى الان.