التغيير:الخرطوم  علي نحو مفاجئ أعادت مدعية المحكمة الجنائية الدولية فاتو بن سودا ملف قضية دارفور الى مجلس الأمن الدولي بعد ان حفظت التحقيق في  القضية . خطوة المدعية جاءت بعد ان قالت ان المجتمع الدولي فشل في الالتزام بالقبض علي الرئيس السوداني 

عمر البشير وبعض القيادات الذين تتهمهم المحكمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم إبادة في دارفور. 

 

وبعد مرور ساعات فقط من طلبها ذلك ، اعتبر البشير ان هذا الطلب هو انتصارا له وللسودان ضد ” مخططات المحكمة الاستعمارية”. البشير الذي كان يتحدث امام حشود من المزارعين قال وبلغة يشوبها التحدي والانتصار ان الذي افشل مخططات المحكمة هو الشعب السوداني الذي رفض ان يسلم اي سوداني لها. 

 

الرئيس السوداني استغل فرصة تطورات واقعة المحكمة والتي اعتبرها انتصارا له وشن هجوما عنيفا علي حركات دارفور المتمردة ووصفها بالعمالة والإرتزاق. ومضي الي أكثر من ذلك عندما اوصد الباب امام اي تفاوض محتمل معها ، قائلا ان اتفاقية الدوحة للسلام هي اخر الفرص للمتمردين ومن أراد ان ينضم اليها وإلا فعليها الاستعداد للحسم العسكري. 

 

غير ان خبراء في القانون الدولي  والمحكمة الجنائية اعتبروا ان الفرح الذي انتاب البشير والمسئوليين في الحكومة السودانية غير مبرر. وقال المحامي نبيل أديب ” للتغيير الالكترونية” أن المدعية العامة للجنائية لم تشطب القضية وإنما حفظتها” هنالك فرق بين ان تحفظ قضية او تشطبها. المدعية قالت انها حفظت القضية وهذا يعني أنها مازالت موجودة بكل متعلقاتها القضائية”. واضاف أديب يقول ” هنالك خلط حدث وسوء فهم بالنسبة لمن قالوا انهم انتصروا علي المحكمة. المدعية أرادت ان تضع الكرة امام مجلس الامن ليقوم بدوره كاملا بعد ان حملته المسئولية الأخلاقية. الجميع يعلم ان الجنائية ليس لديها شرطة تستطيع ان تقبض بها علي المطلوبين ولذا فإنها لجأت إلي مجلس الأمن ليقوم بهذا الدور”.

 

ونفس التفسير الذي ذهب اليه المحامي أكده المتحدث باسم الجنائية الفادي عبد الله عندما أكد خلال تصريحات صحافية ان قرار حفظ القضية لا يعني انها شطبت. واضاف ان الجهة الوحيدة المخول لهم شطب القضية هم قضاة المحكمة. وقال ان البشير يظل مطلوبا بالاضافة الي المطلوبين الآخرين. 

 

واتهمت المحكمة في العام ٢٠٠٩ البشير ومعه مسئولين حكوميين من بينهم الوزير السابق والوالي الحالي احمد هارون بالاضافة الي القائد في قوات الدفاع الشعبي احمد كوشيب بارتكاب جرائم في اقليم دارفور الذي يشهد نزاعا مسلحا منذ أكثر من عشر سنوات. 

 

ويدور تساؤل حول إمكانية ان يؤثر طلب المدعية الدولية بحفظ القضية علي سفر البشير الذي كان مقيدا إلا لعدد قليل من دول الجوار وهل بإمكانه السفر بعد هذا الطلب. يجيب أديب الذي كان يتحدث ل”التغيير الإلكترونية” عبر الهاتف ” هذا التطور لا يؤثر علي سفر البشير ومن حق المدعية ان تطلب من الدول الأعضاء اعتقال الرئيس البشير في حال وصوله الي أراضيها في اي وقت. واعتقد ان المسئولين في الدولة علي دراية بهذا الامر وهم لن يقوموا باي رحلة سفرية لاي دولة خارجية دون ان يقوموا بالاتصالات اللازمة والحصول علي الضمانات الكافية”.

 

هنالك عدة سيناريوهات تصورها المراقبون بعد  لجوء  المدعية الي مجلس الامن مرة اخري في قضية دارفور وخاصة ان الملف خرج من داخل أروقة المجلس وذهب الي قاعات المحكمة. اولي هذه التفسيرات هو ماذهب اليه المحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة السوداني ضياء الدين بلال عندما قال ان المحكمة أرادت من مجلس الامن ممارسة مزيد من الضغط علي الدول الأعضاء لكي تقف الي جانب المحكمة التي فشلت في القبض علي البشير طوال هذه السنوات. 

اما الخبير في الشأن الدارفوري ادريس الدومة فيري في الامر صفقة ما بين الحكومة والمجتمع الدولي حول السلام في السودان. وقال ان المحكمة اصلا كرت ضغط في يد الدول الكبري خاصة الولايات المتحدة تستخدمه ضد الخرطوم. ” اعتقد ان هنالك صفقة تقتضي بان يتم تجميد القضية في مجلس الامن ومنح الخرطوم فرصة لإيصال الحوار الوطني الي نهاياته المنطقية عبر وقف الحرب وتكوين حكومة ديمقراطية. وأضاف الدومة يقول ” خلال هذه الفترة لن يعاد فتح القضية وإذا ما سوفت الخرطوم وماطلت فان القضية ستعود الي الواجهة مرة اخري. 

وفي هذا السياق ذهب القاضي  والكاتب سيف الدولة حمدنا الله في مقالة له بعنوان”هل فلت البشير من الجنائية” نشرت بعدد من المواقع الإسفيرية “أن  الإجراء الذي يقوم به مجلس الأمن لا يمكن القطع بماهيته، ذلك أن مشكلة القانون الدولي أنه يفتقر لوسائل الجبر والإلزام في تطبيق نصوصه، حتى أن كثيرا من فقهاء القانون يستكثرون إطلاق لفظ “القانون” على القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، ذلك أن الصفة التي تميز القاعدة القانونية هي أنها “مجردة ومُلزِمة”، فيما لا تزال قواعد القانون الدولي يفتقر إلى آليات تنفيذ القرارت بما يجعل الدول مضطرة لتنفيذها، وتتوقف صرامة القرار الذي يصدره مجلس الأمن عادة على ضعف أو قوة نفوذ الدولة موضوع النظر، كما يعتمد على قوة البيان الذي ييُطرح به كل موضوع”

وفي ذات المقالة آنفة الذكر سخر حمدنا الله من خطابات البشير التي صور فيها القرار بأنه انتصار وبطولة، لان ما قامت به المدعية هو أنها “واجهت مجلس الأمن بحديث جعل الأعضاء عاجزين عن النظر إليها في وجهها وحملتهم مسئولية ما يحدث الآن في دارفور نتيجة تقاعسهم عن القيام بواجبهم نحو مساعدتها في القبض على المطلوبين، وقالت: “يتساءل في دارفور، كم من النساء ينتظر مجلس الأمن أن يُغتصبن قبل أن يتحرك لوقف هذه الفظائع !!”.وأضاف حمدنا الله ان قرار بنسود سوف يجعل البشير ومطاريد المحكمة الجنائية يتحسرون على أيام أوكامبو، لأن الكرة الآن في ملعب مجلس الأمن. كما أكد الخبراء القانونيون ان التهم الموجهة للبشير وأعوانه (جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية) لا يمكن ان تسقط بالتقادم ولا تملك اي جهة حق إسقاطها إلا قضاة المحكمة الجنائية في حالة ان يمثل المتهمون امام المحكمة وتثبت براءتهم، أما مجلس الأمن فتنحصر سلطته في ان يجمد تنفيذ أمر القبض على المتهمين الى مدة عام قابل للتجديد.

الخطوات التي سوف يتخذها مجلس الأمن ضد البشير سوف تتوقف على اتجاه السياسة الأمريكية والغربية تجاه نظام الخرطوم ، لإإذا كان هناك اتجاه الى إحداث تغيير سياسي في السودان من شروطه التخلص من البشير فسوف يشدد مجلس الأمن من ضغوطه، وإذا كان هناك اتجاه لإبقاء البشير سوف يظل كرت الجنائية مستخدما في ترويض البشير وإخضاعه.