سيف الدولة حمدنا الله عفوا.. هذه الملايين تحت "مخدة" الرئيس! تقوية الصياد أنفع من ترويض الذئب! لماذا لا تؤثر في السودان وانت ضمن الأقوى تأثيرا في العالم؟!

الجهد الذي يقوم به الملياردير السوداني البريطاني محمد فتحي إبراهيم “مو إبراهيم” بتخصيصه جائزة سنوية مقدارها خمسة مليون دولار بهدف تشجيع الرؤساء الأفارقة لإنتهاج الحكم الرشيد، يُوضّح أن “مو” رجل بريء ومتفائل وعلى نياته، فمثل هذا المبلغ يقوم كثير من رؤساء أفريقيا بالإحتفاظ به تحت المخدة، ومنهم من لديه استعداد لأن يمنح “مو” أضعاف هذا المبلغ في مقابل أن يكف عن الترويج لهذه الجائزة حتى لا يوجّه لهم الأنظار، وعندنا في السودان مثل هذا المبلغ لا يُغري معتمد محلية لأن يقايض به منصبا، ويستطيع ملازم شرطة أن يجمع أضعافه خلال بضعة شهور من عمله بمكتب والي ولاية.

ثم إن هناك قسم آخر من الجائزة مقداره (200) ألف دولار تُمنح سنوياً ولمدى الحياة للرئيس الذي يقوم بجهود واضحة في مجال الصحة والتعليم والتنمية الإقتصادية، وهذا الإغراء هو الآخر عديم معنى، فالرؤساء في قارتنا السمراء لا يفكرون في مثل هذا اليوم، ذلك أنه يُدركون بأنهم يمضون من (القوة للهُوّة)، أو ينتقلون من العيش في القصور إلى زنزانة متر في مترين، وهذه الحقيقة يؤكدها الواقع ويشهد عليها التاريخ، فليس هناك رئيس دولة من جنس الفئة التي تستهدفها هذه الجائزة أمضى سنوات التقاعد بعد تركه الحكم بمنزله بين أولاده وأحفاده حتى ينتظر قبض مكرمة “مو” السنوية، وهذه الحقيقة هي التي حملتنا في مناسبة سابقة للقول بأن الرئيس البشير لو أنه كان قد أحسن التقدير، لإكتفى بغرفة وبرندة بمنزل والده في كوبر الذي خرج منه يوم قام بعمل الإنقلاب، ولما شغل نفسه في جمع الثروة وإقتناء العقارات والمزارع التي حكى عنها بنفسه في لقاء بالتلفزيون.

الذي جعل “مو” يخص أفريقيا بمثل هذا الإهتمام ويصرف عليها هذه المبالغ، هو أنها كانت وراء الثروة التي قام بجمعها، فقد بدأ “مو” رحلة الثراء بحصول شركته “سيلتل” على رخصة في مجال الإتصالات بجمهورية يوغندا، بعد أن كان قبل ذلك يعمل في وظيفة مهندس في شركة “بريتش تلكوم” البريطانية ويقبض راتبه بالإسبوع، وبعد نجاح عمله في يوغندا قام بتوسيع نشاطه في دول أفريقية أخرى (ملاوي والكونغو  والجابون وسيراليون)، وبحلول العام 2004  كان عدد عملاء شركته أكثر من خمسة مليون مشترك في ثلاثة عشر دولة أفريقية، وبلغت مبيعات الشركة السنوية أكثر من (600) مليون دولار، قبل أن يبيع حصته فيها إلى شركة “زين” المعروفة في مقابل (3.4) مليار دولار، ويأتي اليوم ترتيب “مو” رقم (72) من بين أقوى الشخصيات التي تملك تأثيراً في العالم، وهو أول شخصية أفريقية يصل اسمها لهذه القائمة.

منذ البداية واجه “مو” إنتقادات حول صرف مثل هذه المبالغ على الرؤساء بدلاً عن توجيهها للشعوب، وقد سأله عن ذلك عدد من الصحفيين الذين حضروا الحفل الكبير الذي جرى تنظيمه بمناسبة تدشين الجائزة وحضره زعماء دول ومنظمات، غير أن “مو” كان لديه رأي آخر، فحواه أن هناك مئات المليارات دُفعت لإقامة المشاريع في أفريقيا إلتهمها الفساد وإنتهت بالفشل، ويرى أن تحفيز قادة الدول سيؤدي إلى نتائج أفضل.

مثل هذا المنطق يبدو جيّدا ومعقولا ويستحق التجريب والإختبار، بيد أن واقع الحال يقول بأنه هو الآخر فشل ولم يُحقق أية نتيجة برغم مرور عشر سنوات على انطلاق المشروع، فمنذ طرح الجائزة لم يحصل عليها سوى ثلاثة رؤساء، وبآخر نَفَس، هم: جواكيم تشيسانو رئيس موزمبيق في 2007، وفيستوس موجاي رئيس بوتسوانا في 2008، وبيدرو بيريز رئيس جمهورية الرأس الأخضر في 2011، وقد تم حجب الجائزة لبقية الأعوام – ولا تزال كذلك – لإقتناع لجنة المحكمين بعدم وجود رئيس يستحقها من بين زعماء قارتنا المنكوبة.

مُحصلة ذلك أن هناك ثلاثة رؤساء لهف كل واحد منهم (5) مليون دولار، وحال بلادهم اليوم أسوأ وأضل من الحال التي تركوها عليه، فهي – بلادهم – تزداد بؤساً وفقراً وفساداً، ولم تخطو نصف خطوة نحو الحكم الرشيد الذي تسعى الجائزة لتحقيقه.

لا بد أن يكون صاحب الجائزة نفسه يفكر الآن في الوسيلة التي يمكن أن تُحقق له الهدف الذي يسعى إليه بإصلاح الحال المائل للشعوب المسكينة التي تسلط عليها هؤلاء الحكام، وليس أمامه غير الرجوع بهذا المبلغ للشعوب من جديد وينسى موضوع الحكام، فالإنفاق على تقوية الصياد أنفع من الصرف على ترويض الذئب.وليس هناك أولى من شعب بلد صاحب الجائزة بهذا المبلغ ليبدأ به التجربة التي نثق في نجاحها، (“مو” من مواليد مدينة وادي حلفا 1946)،فقد حفيت أقدام أبناء السودان الذين يحملون همه في تدبير ربع هذا المبلغ لإنشاء منبر إعلامي حر يمكن عبره أن يستقي الشعب الوعي الذي يستطيع أن يُحصن به نفسه في مواجهة الطغاة ويُعرّفه بحقوقه المسلوبة ويكشف له كذب وتضليل الذين يضحكون عليه، فالسودان أولى بمال أبنائه من غيره، ثم أن صاحب الجائزة لا يحتاج أن يحكي له أحد عن محنة الوطن وإلى أين يُساق، فقد وُلد “مو” وعاش الزمن الذي كان فيه مفتش مركز بالدرجة (بي) يقوم بواجبات ثلاثة ولاة ومئات الوزراء والمستشارين اليوم، فهو يعلم البئر وغطاها (قام “مو” بتقديم مساعدات للسودان أشهرها مركز السودان للقلب قبل أن يكتشف حجم الفساد والرشاوي وقرر بموجبه حجب استثماراته عن السودان).

لا ينتهي هذا الحديث إلاّ بفاكهته التي دفعتني لتناول هذا الموضوع، فقد طالعت خبراً بقيام مجلس الولايات (لصاحبه إسماعيل الحاج موسى) يقول بترشيح الرئيس البشير للحصول على جائزة “مو” لهذا العام، فيما ينص السطر الأول من شروط الجائزة على أن يكون المُرشّح لها قد ترك الحكم، كما تشترط أن يكون الحاكم قد وصل للحكم بطريق ديمقراطي، وأن يكون قد إتسمت فترة حكمه بالنزاهة والشفافية والإلتزام بالدستور وسيادة حكم القانون.

هل يسمعنا “مو” !!

saifuldawlah@hotmail.com