خالد فضل *لن نكذب أو نتجمل وندعي سعادة واحتفاء *فلنجعل ذكرى الاستقلال بداية في درب الخلاص *هذا عهد الهروب الجماعي من مسمى"وطن" 

كل عام وانتم بخير بمناسبة أعياد الميلاد المجيدة ورأس السنة الميلادية الجديدة , وعطفا على ذلك أعياد ميلاد لآلاف السودانيين الذين تدونهم أضابير الدولة من مواليد 1/1/عام كذا , فيما يعرف بشهادات التسنين , وربما تيمنا باليوم الذي رفع فيه العلم السوداني وطوي فيه علما دولتي الحكم الثنائي مصر وانجلترا عام 1956م . ولا اجزم بأنه سيكون من اللائق تهنئة السودانيين بتلك الذكرى أم اغفالها عمدا , فما عاد الوطن في أذهان كثيرين جدا من أبنائه المفترضين سوى ذكرى والله المستعان , ومن يعش تحت حكم جماعة الاخوان المسلمين السودانيين لا ابا لك يزهد ليس في الوطن بل في الحياة ذاتها , وقد عبر أكثر من مواطن عن الزهد في حياة تسر العدا, فهناك فنان تشكيلي أصرّ قبل سنوات على حرق لوحاته امعانا في التعبير عن غضبه مما يربطه بالحياة فيما يسمى وطن , ورغم الاجاويد والتوسلات الا أنه ظل على موقفه المعبر عن الاحباط العام , ثم توالت حوادث الانتحار , من رجال ونساء تتداول أخبارها وسائط الاتصال والاعلام , وتوثقها التقارير الدولية فتورد السودان ضمن أعلى الدول في معدلات الانتحار في محيطه الاقليمي , وسيرة التقارير الدولية المتخصصة في كل أوجه الحياة مما يسبب الاحباط والقنوط لدى كل انسان ذي حس انساني ولو ضئيل , وحدهم جماعة الحكم والمنتفعين بالريع والموارد العامة من لا تهتز لهم قصبة كما في مقطع شعري لمظفر النواب , إنها سيرة وجع في الخاصرة الآدمية لمن جاء من صلب آدم وحواء , فمعدلات سوء التغذية وهزال الأطفال مما يتحكر السودان في مراقيه العليا , والفاقد التربوي والتسرب الدراسي مما تحوز بلادنا فيه الميداليات إن كان في الانحطاط ميدالية , والنزوح الداخلي , والتشرد , وصولا للأيدز الذي وصل معدل انتشاره الى درجات مخيفة كأعلى معدل في الشرق الأوسط وشمال افريقيا , ومعدلات وفيات الأمهات في الولادة وأثناء الحمل ووفيات الأطفال حديثي الولادة كلها مؤشرات حقيقية على نوعية الحياة التي يرزح تحت نيرها وجبروتها غالبية السودانيين في الريف وأطراف المدن وخاصة العاصمة الخرطوم التي تعتبر من أكبر مستودعات القمامة في العالم , وتفتقر لأدنى مقومات المدن العواصم من صرف صحي وطرق ممهدة ومياه شرب صالحة وصحة بيئة , فهل من مجال لتهنئة باستقلال ؟ ما الاستقلال وما الاستغلال ؟

     والرئيس الحالي للشلو المبعثر المسمى مجازا وطن , من يومين يتحدث في تخريج عساكر جدد , عن استئصال شأفة التمرد , وعن صيفه الحاسم الثاني الذي درّب له نفسه وأكمل عدته الحربية وعتاده وخطط وتكتك عسكريا ليقضي عليه في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , انظر 7ولايات ينتشر فيها التمرد في قوس يمتد من حدود اثيوبيا جنوب شرق الى تخوم ليبيا ومصر شمال غرب السودان بمحاذاة لكامل دولة جنوب السودان من جهة الجنوب , كل هذا الحزام وكل قواه الثورية وكل مكنونه السياسي والثقافي وتنوعه العرقي واللغوي والديني وكل عمقه الاجتماعي وتاريخه الوطني لدى السيد عمر البشير مجرد (تمرد ) ينوي استئصال شأفته في الصيف والشتاء والخريف , وعدته التي أكملها هي فيالق الجنجويد تحت امرة رئيس جهاز الأمن محمد العطا الذي بات يتولى علنا وزارات الدفاع والخارجية ورئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية ومفوضية العمل الطوعي ووزارة المالية والتعليم العالي والشؤون الدينية باختصار صار الوطن الذي يدخل عامه الثامن والخمسين على مسمى الاستقلال مستغلا بالكامل لصالح فئة محددة محدودة الأفق والخيال ضامرة القيم الانسانية والمثل النبيلة , نهمة جشعة لئيمة الطبع فاسدة مفسدة أنانية متوحشة الطباع تدنو ممارساتها في الحياة العامة  من ممارسات البهائم التي لا تفقه شيئا , فقد دمروا كل مرافق الدولة , ومزقوا لحمة النسيج الاجتماعي الهشة أساسا , وفككوا كل ممسكات الوطن من مشروعات انتاجية وخدمية ومن بني اجتماعية مثل النقابات والاتحادات والأحزاب ومن سيستم ضابط للأداء في الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري فصارت الهمجية هي سيدة الساحة دون منازع ولمدى زمني طويل , أكثر من ربع القرن وما يعادل نصف زمن الاستقلال تقريبا , وبالنتيجة هاجر الجنوب بأكمله , لم يكن الجنوبيون يتوقعون سندس واستبرق في جنّة الفردوس الجنوبي , ولم تكن الشواهد بمبشرة بدولة على مقاس رفاه فلندا والنرويج , لا هذا ولا ذاك من كبير الطموحات وناصع الآمال كان دافع الجنوبيين ليصوتوا بهذه النسبة العالية لصالح الانفصال  جوهر الأمر في تقديري كان هجرة جماعية من مسمى الوطن , وليبق ذكرى إن كان المرء يحتاج أحيانا لتذكر الالم !ولعل كثير من الجنوبيين الآن عندما يحنون لأيام السودان لا يقارنون بين نعيم كان وجحيم الآن إنما في الواقع يفاضلون بين جحيمين ويرجح بعضهم جحيم السودان الذي كان . فانظر في بؤس الوطن هداك الله عندما يتم استغلاله كليا من جانب بعض الغلاظ ممن يفترض أنهم مواطنيه , وانظر في هذه اللحظات الى د, أمين مكي مدني والأستاذ فاروق أبوعيسى كنموذج فقط لحال مواطنيين جاوزت أعمارهم السبعين قضوا ما لا يقل عن تسعين بالمائة منها تطاردهم لعنة الانتماء لوطن , أشفق لحال فتى ناصع البيان قوي الشكيمة عنيد ومثابر مثل ياسر عرمان , لم يهزج كأقرانه ب (كدة كدة يا الترلة ) , ولم يسحب من رصيد الشباب ووسامة وأناقة طالب الجامعة سنوات في التسكع وشراب الشاي والتحلية بالشمارات بل وهو صبي حمل فوق كتفيه السلاح وقبلها دارت في عقله الخواطر وجالت الأفكار فكبر عقلا وخصب خيالا وصار مشروع زعيم لوطن أن بقي وطن ! أنظر لملايين الفقراء والمعدمين الذين تقطعت بهم السبل ولم ينجوا في وطنهم من القصف والترويع والقتل بلا هوادة وبشارة عامهم الجديد وعيد وتهديد ممن يسمى رئيس للوطن , أنكذب ونتجمل وندّعي غبطة وسعادة واحتفاء ؟ والواحد منّا يحاذر حتى الحائط حتى الهاتف والاطفال , والوصف لمظفر النواب , كم من مواطن سوداني الآن عندما يدخل الى أي مؤسسة من مؤسسات الوطن المفترضة يشعر بأنه في مؤسسة من مؤسسات وطنه ؟ ولو كانت مستشفى ؟ أفنحتفل حقا بالاستغلال أم نجعل من المناسبة بداية جديدة على درب الخلاص على الاقل في محاولة صنع وطن !!!!