خالد فضل ·                 سؤال الخاتم عدلان يقفز مجددا.. ما المنفى وما الوطن؟! ·                 لم تطرق أذني أغنية ذات شأن في تمجيد الوطن في عهد الانقاذ ·                 لا يمكن التجمل في وصف هذه "البذاءات العنصرية"!

تمر في هذه الأيام ذكرى مرور 59سنة على نيل السودان لاستقلاله , ويتبارى الكثيرون في تناول هذا الحدث من زوايا مختلفة , يمكن تصنيف نوعين من هذا التناول , أحدهما رسمي تتداوله أجهزة اعلام الحكومة الرسمية وهي جهازي الاذاعة والتلفزيون الحكوميين ووكالة الأنباء الرسمية وتوابعهما من فضائيات كقناة الشروق والنيل الأزرق وأم درمان ومحطات الاف ام الكثيرة التي يغلب على معظمها أدبيات التيارات السلفية وبرامجها التي تتداول الفتاوى حول غسل الجنابة وتكفين الميت والملابس الشفافة هل يجوز الصلاة بها أم لا وغيرها من امور ساذجة لا تهم على افضل الفروض غير السائل نفسه . ثم هناك الصحافة الورقية التي تصدر تحت التوجيهات المباشرة من جهاز الأمن ومن ينشر ما لا يروق للجهاز من مصالح من يتولى حمايتهم من زمر المفسدين والفاسدين يتم مصادرة المطبوع ومنعه من التوزيع واقتياد الصحافيات والصحافيين الى مخافر التحقيق والمعتقلات وكيل السباب العنصري والاخلاقي لهم . هذا الشق من التداول يمتاز بالبرود , تناول ساذج وفطير وتكرار انشائي لعبارات وكلمات على شاكلة الانعتاق من ربقة المستعمر وملحمة الاستقلال وغيرها مع افراد حيز للأناشيد القديمة عن الاستقلال والوطن , الملاحظ أن الأغنيات الخالدة في الذاكرة الجمعية للمتحدثين باللغة العربية من السودانيين , وخاصة المتمثلين بثقافة الوسط النيلي , أغنياتهم الخالدة عن الوطن تتوقف تقريبا عند أغنية السبعينيات وعلى الأكثر منتصف الثمانينيات , ولم يطرق أذني أغنية ذات شأن في التمجيد الأدبي للوطن منذ استيلاء الجبهة الاسلامية على السلطة في السودان المستقل لعلها أعادت استعماره مرة أخرى !! أوللدقة استدماره فالواضح أن الدمار عكس العمار , ولولا أغنية أو أغنيتين لقلنا حتى الخيال نضب , وأجد طارق الأمين بأداء رائع لنانسي عجاج تتغنى للقطر القبيل امشي اشق الغابة والبالمبو تصدح مع الربابة والبلد الحنين بين العالمين عزة ومهابة إلخ إلخ , وحتى هذا الابداع الشعري والغنائي منتج من ضفة مغايرة لتيار السلطة وأدبياتها , التي شنفت الاذان ب (فلترق كل الدماء ) وف ايدنا رصاص في ايدنا خنجر , وخطاب على شاكلة لحس الكوع وأولاد الحرام واقتباس مقطع عنصري لأبي الطيب المتنبئ عن شراء العبد والعصا معه لأن العبيد أنجاس مناكيد , أما اللافتات في شوارع الخرطوم فجاءت ميتة بلا روح , وشعار الاحتفالات باهت , وصور الرئيس البشير منصوبة بمناسبة وبدون مناسبة جوار عبدالرحمن الخضر أو معتمد المحلية تشير الى فراغ فكري وخواء سياسي وتفكير ساذج لم يتخط مرحلة البداءة .

   الشق الآخر من تداول ذكرى الاستقلال , جاء صادقا في تقديري , بانفاس حارة وزفرات حرى حقيقية , طفحت الاسافير بهذه المعاني , إنه التعبير الحر المحظور في الوطن المستقل فتأمل , وقد يقول قائل إن هناك ايغال في الذم وجلد الذات في وصف مآل الحال , ولكن مهلا , هل يبلغ التعبير بالغا ما بلغت حدته وقع رصاصة وقنبلة وقذيفة واغتصاب وحرق وقتل يتعرض له فعليا وعلى مدار اليوم الآن مواطنون سودانيون ومواطنات من الذكور والاناث من الاطفال والشيوخ والشباب , قبل اسبوع واحد من ذكرى الاستقلال وقعت أحداث جسيمة في جامعة بحري , طابعها عنصري دون مواربة , وكل طرف يصورها من هذه الزاوية هذه هي الحقيقة فقد استمعت الى افادة من مسؤول رفيع في الجامعة احتفظ باسمه لأنني لم استشره في نشر حديثه معي , مفاد حديثه أنّ ثمة هجوم مباغت على طريقة حرب العصابات قام به مجموعة من طلبة دارفور استهدف عمادة الطلاب والسيارات ولم يتعرض المهاجمون للأشخاص , ثم انسحبوا بسرعة بعد أنّ ساد جو من الفزع والرعب في أوساط الجامعة لدقائق , مشيرا الى تولي الأجهزة الأمنية للموضوع! بعد ذلك . لا يجوز لي تكذيب هذه الرواية على كل حال , بيد أنّه لا يمكن النظر اليها بمعزل عن مجمل الوقائع والممارسات السائدة ليس في الجامعات فحسب بل في كل أنحاء الوطن وبصورة أخص في مناطق النزاعات المسلحة في كامل اقليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق , طبيعة ممارسات الأجهزة الرسمية للدولة السودانية التي تحتفل بالاستقلال , والتي لا يمكن التجمّل ووصفها بأدنى من (العنصرية ) , ودوننا زميلنا محمد نيالا الذي تم اعتقاله قبل أيام من داخل ورشة عمل في المرصد السوداني لحقوق الانسان , وما تعرض له من بذاءات ذات طابع اجتماعي وعنصري , وقد أذيع منذ سنوات أنّ وزيرا اتحاديا كان قد سبّ صحافيا وشتم قبيلته , وتسنى لي لاحقا مقابلة ذلك الزميل الصحفي فحكى لي الواقعة من الألف للياء وفي مجملها تشير الى طبيعة التفكير السائد لدى عناصر الفئة الاسلامية المتسلطة على السودان المستقل وسلخت من عمر الاستقلال نصفه تقريبا . ودوننا وقائع ما حدث في شرق النيل في مناطق حطّاب , وقد قابلت أحد أقاربي نجا من قذيفة حجر اصابت السيارة فاحدثت فيها عطبا ونجا هو بأعجوبة بعد أن قامت قوة من مجندي الجنجويد بقطع الطريق وسلب الممتلكات , وفعل الجنجويد وردة فعل المواطنين في المنطقة مما لا يمكن عزله عن سياق خطاب الكراهية العنصري السائد في السودان المستقل الذي تحتفل حكومته احتفالات ميتة بذكراه بلا طعم ولا لون لذلك جاءت الكتابات والتعليقات في وسائط التواصل الاجتماعي مرّة ومريرة و ومما لايجوز في حق الوطن  إن كان الوطن فعلا , ولعل الذاكرة تعود الى حقبة المستعمر الأجنبي وقتذاك لم يكن ذم الوطن واردا باعتبار أن الوطن مستعمر خارجيا أما حينما يكون الوطن مستدمرا محليا , وعيانا بيانا وببجاحة وقلة أدب من بعض المواطنين الذين يمثلون أقلية ومع ذلك يدعون احتكار الوطنية ويمارسون الاحتكار فعليا فيطردون ويستولون ويقتلون وينهبون ويسجنون ويقمعون كل المواطنين الآخرين فإن المعادلة تصبح مفصحة وبائنة , ويبقى سؤال الخاتم عدلان شاخصا , ما الوطن وما المنفى ؟ وهل الوطن لمن نال الجواز الامريكي مثلا ونال تبعا لذلك كافة حقوقه الانسانية دون نقصان , هل وطنه السودان أم الولايات المتحدة الامريكية ؟ وهل يعتبر خائنا إذا جاء ضمن قوات انقاذ لبقية شعوبه في وطنه السابق السودان ؟ كما أن منظمات المجتمع المدني في الوقت الراهن قد باتت تمثل أهم التنظيمات الاجتماعية لما تمتاز به من مرونة وطوعية و المرء ينتمي وينضم للمنظمة المعنية وفقا لقدراته ورغباته وفي المجال الذي يمكنه من تقديم ما يستطيعه , وربما في أكثر من منظمة إذ لا حجر ولا غرابة في انضمام الشخص لعشر منظمات أو المشاركة في فعاليات منظمات مختلفة ومتعددة عكس التنظيم السياسي ذي اللوائح المقيدة نوعا ما , وحتى التنظيمات السياسية تطور مفهوم الانتماء لها ولم يعد بذلك النمط الصمدي كما في الماضي , والعالم اليوم وصل الى مراحل الديمقراطية المباشرة بحيث يحق للمواطن كفرد الاعتراض على وتصويب رئيس الجمهورية , وهنا في ذكرى استقلال السودان من المستعمر الاجنبي ووقوعه تحت الاستعمار المحلي نجد أن الأسوار الحديدية تنصب حول قصر الرئيس , والسلطات كلها تتركز في شخصه في دلالة واضحة على الانهيار التام , والشك المقيم وفقدان الثقة في الاقربين , وحال الوطن اليوم صراحة مما لا يستبعد معه تدخل خارجي مباشر للجم الطائرات المغيرة على المدنيين , ولتوصيل الاغاثة لملايين المحتاجين ,فما عاد مفهوم السيادة الوطنية نفسه جامدا كما في الخمسينيات من القرن الماضي ,  أو لم يقل علي كرتي قبل أيام أنهم يمارسون الرجالة في العلاقة مع العالم ممثلا في الأمم المتحدة ؟ بمعنى سيادة لغة العنف حتى على مستوى الرأس الدبلوماسي مجاريا بذلك رئيسه , وكان علي كرتي قد انتقد من قبل خطب الرئيس البشير وما تسببه من حرج دبلوماسي يواجهونه في كل ملتقى خارجي , الآن عاد وزير الخارجية نفسه مستدعيا خطاب ساحات الفداء وكأنه ما يزال منسق الدفاع الشعبي فماذا سيكون خطابه ان تمت مجاراته في خطاب وممارسة العنف أيصمد أمام غارات طائرات حلف شمال الأطلنطي ؟ أم ستنقذه الصين الشيوعية وروسيا التي دنا عذابها !!