رشا عوض إجازة "المجلس الوطني" لما يسمى ب"التعديلات الدستورية" الأخيرة التي دفع بها البشير ليست خبرا، فبحكم الطبيعة الشمولية للنظام، لا يجرؤ الجهاز التشريعي على  أدنى اختلاف مع السلطة التنفيذية ناهيك عن تحديها.

ف”المجلس الوطني” – كما يعلم نوابه أنفسهم – ليس برلمانا بالمعنى السياسي المتعارف عليه في النظم الديمقراطية، فهو لا يعدو ان يكون “ختما آليا” للبصم على القوانين والتشريعات و”التعديلات الدستورية” التي تصب في اتجاه إحكام قبضة “نظام المؤتمر الوطني” على السلطة والثروة في البلاد، والسبب في ذلك لم يعد محصورا في ان أكثر من 90% من نوابه من حزب “المؤتمر الوطني”، بل هناك سبب جديد هو “الانحدار من دكتاتورية الحزب الى دكتاتورية الفرد المدجج بأجهزة القمع وآليات التخويف  والمسنود بعصابة متماسكة من المنتفعين والمتعصبين ” وهذا الانحدار هو الذي جعل “برلمان المؤتمر الوطني” رغم كل الصراعات والمفاصلات  الداخلية وتضارب المصالح البائن  بين تيارات “الإسلامويين” يمرر هذه التعديلات الخطيرة بالإجماع  تحت وطأة الخوف من البشير! الذي سبق ان زجر “النواب” وأمرهم بإجازة التعديلات دون ضوضاء!عندما رشحت في الأخبار بعض “الطنطنات البرلمانية” حول مخالفة اللوائح وبعض الامور الإجرائية التي لا تقدم ولا تؤخر.

قبل هذه “التعديلات الكارثية” – وهي تعديلات لا يستقيم وصفها ب”الدستورية” لأنها تقوض مبادئ دستورية لا يجوز المساس بها مثل استقلال القضاء وفصل السلطات-  قبل هذه التعديلات  كان البشير فرعون السودان، وجهاز “الأمن والمخابرات الوطني” دولة داخل الدولة ومنسوبيه فوق القانون والمساءلة، ومليشيات الجنجويد تصول وتجول رغم أنف الدستور!

أما بعد هذه التعديلات فالبشير فرعون بالدستور! وجهاز الأمن قوة عسكرية وسلطة قضائية بالدستور! ومليشيات الجنجويد من حقها التغول على مهام الجيش السوداني والسعي في الارض فسادا كما شاءت و بالدستور! وهذا معناه إغلاق الباب بإحكام في وجه أية “مناورات إصلاحية” في ظل هذا النظام! وهنا مربط الفرس! حيث تم إعدام الإطار المرجعي الذي يمكن ان تستند اليه أية حركة سياسية او مطلبية  تطالب بإصلاحات جزئية في ظل النظام، فقد كانت حركات الإصلاح القانوني مثلا ترفع شعار “مواءمة القوانين مع الدستور” ، الآن انقض البشير على الدستور نفسه وجعله موائما للقوانين القمعية السائدة! ليؤكد ان “الإنقاذ” لن تتقدم بالسودان  إلا “إلى الخلف” وأن الخطوة الأولى إلى “الأمام” تبدأ بالإطاحة بها!

لقد ظلت الدساتير طيلة عهد الإنقاذ نصوصا ميتة بما في ذلك الدستور الانتقالي لعام (2005) الذي أعقب “اتفاقية السلام الشامل” مع الحركة الشعبية (وهو الذي تم تعديله الان)،

فالدستور(أي دستور) لا يصنع حكما راشدا، ولا يجسد الحريات العامة وحقوق الإنسان ولا ينجز عملية التحول الديمقراطي  من تلقاء نفسه بل يحتاج الى “إرادة سياسية” تفعله في ارض الواقع، وهذا التفعيل يحتاج الى سلسلة من التغييرات السياسية والقانونية،  والإصلاحات الهيكلية في مؤسسات الدولة عبر النضال اليومي لأصحاب المصلحة في التغيير، وعبر ممارسة ضغوط حقيقية تجبر النظام على “تجرّع التغيير” فبداهة النظام الحاكم سوف “يناضل” من أجل “قتل الدستور” وتنفيذ دستوره الوحيد الذي يفهمه ويألفه، اي “دستور القوة الغاشمة والاحتكار وإقصاء المخالفين” وهذا ما فعله النظام مع (دستور 2005) حتى قبل تعديله!   

فإذا كان من إيجابيات ذلك الدستور احتوائه على”وثيقة الحقوق” و أنه جعل جهاز الأمن مختصا فقط بجمع وتحليل المعلومات، فإن  جهاز الأمن وضع هذه الوثيقة تحت أقدام زبانيته فلم تمنع اعتقالا او تعذيبا او قتلا فرديا او جماعيا او مصادرة لصحيفة او إخراسا لاي رأي معارض للنظام، وظل جهاز الأمن حاكما فعليا للبلاد!

وإذا كان من إيجابياته “الحكم الفيدرالي” فقد ظلت المركزية القابضة كما هي رغم أنف “انتخاب الولاة” لان الانتخابات نفسها لم تكن حرة ونزيهة بسبب “البنية الشمولية المتجذرة”، فكل الولاة “مؤتمر وطني” فضلا عن عيب آخر هو ان “الفيدرالية السياسية” لم تتبعها “فيدرالية اقتصادية ومالية” فالمال كله في “المركز” مما يعني ان الفدرالية فصّلت تفصيلا  على مقاس المؤتمر الوطني: جيش جرار من الولاة والمعتمدين والمجالس التشريعية ينعمون بمرتبات ومخصصات كبيرة وامتيازات لا حصر لها، دون اي مردود على ولاياتهم المحرومة من التنمية والخدمات بسبب “الحرمان من التحكم في الموارد” وحتى لو اتيح هذا الحق لن تستفيد الولايات شيئا لأن الموارد سيلتهمها الولاة الفاسدون اسوة برصفائهم في المركز.

ظل الدستور في ظل هيمنة “الحزب الواحد” ” مثل صنم العجوة الذي لا يخجل النظام من قضمه جهارا نهارا كلما اقتضت مصلحته ذلك، اما الآن وبعد الانحدار الى “دكتاتورية الفرد وهيمنة البشير وحده لا شريك له” حتى الأكل من صنم العجوة أصبح عبئا ثقيلا على كاهل السيد الرئيس! ولذلك قرر ان يكلف برلمانه الخائف المرتجف بالتهام هذا الصنم نيابة عنه عبر هذه التعديلات الكارثية( 18 تعديلا) التي “دسترت دكتاتورية الفرد” ! فبموجبها رئيس الجمهورية هو من يعين كل ولاة الولايات! وكل القضاة ! وقرارات رئيس الجمهورية بشأن إعفاء النظاميين من مناصبهم محصنة من الطعن امام المحكمة الدستورية! وجهاز الأمن أصبح قوة عسكرية مقاتلة وصاحب صلاحيات تنفيذية واسعة الى آخر التعديلات المكرسة للشمولية.

وتتويجا للمهازل التي بدأت ب”خطاب الوثبة” وصولا الى “التعديلات الدستورية” أعلنت مفوضية الانتخابات فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية! وبالطبع سوف يترشح بعض “الاراجوزات” لكي يلعبوا  للبشير دور “الود سيّد الشغّال”  في هذه المسرحية السمجة المسماة “الانتخابات”

ويبقى السؤال أمامنا جميعا ك”قوى تغيير” ماذا أعددنا لوضع نهاية لهذا العبث العابث؟

سوف يتمادى البشير في فرعنته أكثر فأكثر ولن يردعه عن ذلك سوى الحصار بضغوط شعبية حقيقية ترغمه على تقديم تنازلات حقيقية أو تقتلعه نهائيا، فهو لم يترك أمام معارضيه سوى خيارين فقط: المواجهة أو الاستسلام! فلم يعد هناك احتمال ل”نيفاشا 2″ أو “هبوط ناعم” او “كوديسا”! فحتى هذه الخيارات المتواضعة غير متاحة بالمجان وتحتاج الى اختراق نوعي يزلزل الأرض تحت أقدام النظام.