* هؤلاء استبدلوا نعيم الغربة ، ليتضامنوا مع بني جلدتهم في السودان

د.ناهد محمد الحسن

أطلّ علينا العام 2015 بوجه حزين إذ رحل في مطلعه من هذه الدنيا، رجل عظيم وخلوق هو الطبيب النفسي مهدي ابراهيم ،، الذي غادرنا في الخامس من يناير. وعزاءاتنا وأحزاننا بعد لم تجف على بروفسور جمال قرشي ،وبروفسور ابراهيم ،وبروفسور ضياء الدين الجيلي، وكل منهم عالما ومعلما ملتزما بقضايا بلاده..

ترك رحيلهم جميعاً ، ومن قبلهم بروفسور بشرى هباني، فراغا لا يسكت أنينه. وفي مثل هذه الأيام وتحديداً في الثامن من يناير 1970، رحل عنّا أبو الطب النفسي في أفريقيا الدكتور التجاني الماحي. لكل هذا كنت أتابع بالكثير من المشاعر المختلطة فعاليات اللقاء السنوي الرابع للأطباء النفسيين السودانين، الذي أقيم بين الخامس والثامن من يناير هذا العام بدارإتحاد الصيادلة، وكأنه منصوب بين رحيلين..مهدي..و التجاني.. لهذا حين حملت جرسك يا د. عبدالعظيم لتفتتح فعاليات اليوم الأوّل لم يكن مجرّد جرس..!.. فإنّ من الموت الحياة..يا من وجدتم نبتة الطب النفسي بعد رحيل الفوارس من العظماء على شفا القبر، فابتعثتموها بإيمانكم العميق بالشعب والوطن..وكانت تضحيتكم السنوية التي تقدمونها بإجازة أعياد الميلاد في الخارج والداخل قربانا لميلاد جديد.

بدأت القصّة، حينما قررّ كل من د.عبدالغني الشيخ ود.عبدالعزيز أحمد عمر وآخرين أن يعودوا لبلادهم ويلزموا أوجاعها ويرسوا من جديد دعائم الطب النفسي في السودان التي أهزلتها المهاجر وجرّحتها السياسات. لهذا لم يكن مجرّد جرس..! وقد استبدل هؤلاء الرجال نعيم الغربة في المكانة والمال والجاه، ليتضامنوا مع بني جلدتهم واخوتهم وابنائهم في السودان..لكل هذا رقبت تجمعهم لإعداد اللقاء بإحساس مختلف..وأنا أرقب د.عبدالعظيم القادم من المملكة المتحدة وهو يبحث عن حجر في الخارج ليستخدمه د.عبدالغني الشيخ الذي يصعد على كرسي غير مستقر، ليثبت لافتة على الحائط..عرفت أنّه ليس مجرّد جرس..! والجميع يساعد عمال النظافة ويحمل مفارش الارض وقطع الأثاث الثقيلة..عرفت أنه لم يكن مجرّد جرس..! للعام الرابع على التوالي يتجمع الأطباء النفسيين السودانيين من أنحاء العالم المختلفة لتدريب الوافدين للطب النفسي، بإختلاف مراحلهم وقطاعاتهم وتخصصاتهم. وبعيدا من خلاصات التجربة الطبية النفسية الحديثة في العالم التي يتم تقديمها في فعاليات ورش التدريب المختلف..يتلقّى المتدربين نوع خاص من التدريب في القيم والاخلاق والالتزام..وفي محبة الوطن..! والبورفسور الزين عمارة يقول في كلمته في هذا المكان، قبل خمسين عاما شهدنا أول مؤتمر للطب النفسي ليس في السودان فحسب،  ولكن في افريقيا والوطن العربي…وأنا اتفحص الوجوه التي عادت لتلتئم مع جذورها وتاريخها ..بجواري يجلس حُجة في علاج الإدمان هو الدكتور أحمد يوسف ، وبجواره علم آخر في أخلاق المهنة والعلاج النفسي هو الدكتور مجدي اسحاق، والزين عمارة الأديب الكبير والعالم الجليل وإبنه وآخرين.. ومن بعيد..د.محمود بشرى عالم في طب نفس الكبار ، ود.ياسين القدال علم آخر من أعلام الطب النفسي في السعودية..ود.الرشيد ابوزيد ود.اخلاص وايمان وتماضرو..و..عبدالعظيم..صاحب الجرس..! عرفت أنه لم يكن مجرّد جرس..!

محطة أخيرة:

شكرا عبدالعظيم عبدالرحيم..وشكرا للجرس..وشكرا لميلاد جديد دفعتم أوجاع طلقه وابتدرتموه..

(هذه أعمالنا مرقومة بالنور في ظهر مطايا/عبرت دنيا لأخرى تستبق/نفذ الرمل على أعمارنا إلا بقايا/تنتهي عمرا فعمرا وهي ند يحترق/ما انحنت قاماتنا من حمل أثقال الرزايا /فلنا في حلك الأهوال مسرى وطرق/فإذا جاء الردى كشر وجها مكفهرا/عارضا فينا بسيف دموي ودرق/ومغيرا/بيد تحصدنا ، لم نبد للموت ارتعادا أو فرق/نترك الدنيا وفي ذاكرة الدنيا لنا ذكر وذكرى/من فعال وخلق/ولنا إرث من الحكمة والحلم وحب الكادحين/وولاء، حينما يكذب أهليه الأمين/ولنا في خدمة الشعب عرق) .. صلاح أحمد ابراهيم.