صلاح جلال *"مجلس البصمجية الوطنى الذى يفكر بأذنيه ويصوت ببطنه"! * تعديلات بدرية تقود البشير إلى طريق المغادرة! * هل تم الاستغناء عن الجيش الوطني نهائيا؟

 

الدستور وثيقة تعاقدية هامة فى حياة الشعوب ، منذ بروز الدولة الوطنية ، فهو أبو القوانين ، الذى يبين شكل الدولة ونظام الحكم وسلطات الحكام وتوزيع الإختصاصات والفصل بين السلطات وينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين كما تبين وثيقة الدستور حقوق المواطنين وواجباتهم كافة. .

إهتم المُشرع بهذه الوثيقة وكيفية كتابتها و إجازتها وتعديلها وقد تطور الفقه القانونى فى هذا المجال حتى أصبح تخصصاً قائماً بذاته لأهميته لتنظيم شئون الحكم وحقوق المحكومين . لقد إعتمدت السوابق عدة طرق لكتابة الدستور الدائم منها إنتخاب جمعية تأسيسية بغرض كتابة الدستور و إجازته وكذلك تكوين اللجان الدستورية التى تقوم بمساعدة لجان فنية بصياغة مسودة الدستور و إخضاعه للإستفتاء الشعبى ، هناك جدل أكاديمى واسع حول طبيعة الدساتير

وكيفية تعديلها ونوعيتها التى تُعرف بسمات صياغتها منها الجامد والمرن ومنها المدون وغير المدون ، ولكن هناك إجماع على الدستور كوثيقة قانونية إستراتيجية. .

 

 

(2)

لمحة للتطور الدستورى فى السودان

 

لماذا فشلت النخب السودانية فى صياغة دستور دائم للبلاد ؟؟؟؟

 

السودان من الدول الفاشلة فى صياغة دستور له صفة الدوام، منذ الإستقلال إلى يوم الناس هذا ، وهو من أكبر شواهد الفشل السياسى فى البلاد ، فقد بدأ بدستور الحاكم العام البريطانى الذى تمت إجازته بسلطة الإستعمار المعدل 1910- 1943 تكوين المجلس الإستشارى لشمال السودان الذى تم تعديله أيضاً بواسطة لجنة إستانلى بيكر 1951م التى أصبحت نواة لدستور الحكم الذاتى ثم الدستور المؤقت 1956م ثم مشروع الدستور الدائم 1957م الذى أطاح إنقلاب عبود بجمعيته التأسيسية و استعاض عنها بمجلسه المركزى .

ثم جاءت محاولة كتابة الدستور الدائم للظهور بعد ثورة اكتوبر وإنتخاب الجمعية التأسيسية 1965م فقد أعدت اللجنة القومية للدستور مسودة دستور عام 1968م وهى التى عرّفت السودان (كدولة إشتراكية إسلامية) قبل إجازته عزفت الموسيقى المارشات العسكرية معلنة بداية الحقبة المايوية ومن خلفها من القوى السياسية ، وتبددت أحلام السوادانيين للمرة الثانية فى إجازة دستور دائم للبلاد ، أقام نميرى تقليداً لمصر الناصرية نظام الإتحاد الإشتراكى الحزب الواحد فى البلاد وأعلن السودان جمهورية رئاسية تحت قيادته وقام بتشكيل لجنة لكتابة الدستور الدائم عُرفت بلجنة د. محمد على بخيت ود.منصور خالد و آخرين وقد تم الإستفتاء على الدستور الدائم على نهج الإتحاد الإشتراكى العظيم و إجازته 1973م ، فقد إنقلب جعفر نميرى على دستورة الدائم بعد إضراب القضاة الشهير فى فبراير 1980م فأعلن الثورة القضائية والعدالة الناجزة التى سماها الناس تهكماً (بالعدالة الناقزة) التى جاءت بالمرحوم حاج نور والمهلاوى وبدرية سليمان والنيل أبوقرون فى مقدمة القانونيين لصياغة ما تعارف على تسميته قوانين سبتمبر التى حولت جعفر نميرى من رئيس للجمهورية إلى إمام للمؤمنين وقائد الغُر المحجلين ووقف عاطلو المواهب ومنتهزو الفرص صفوفا لبيعته منهم د.حسن الترابى و السيد على عثمان والسيدة بدرية سليمان ربيبة الديكتاتورية المايوية ، فكانت الهوجة العظيمة التى إغتالت الشيخ الثمانينى الأستاذ محمود محمد طه دون جريمة سوى النكاية السياسية و قادت لبداية تجدد الحرب الأهلية فى الجنوب وتحويلها من حرب من أجل العدالة إلى حرب دينية خاصة بعد تقسيم الجنوب متجاوزاً لنصوص الدستور .

فقد بدأت حلقات التسلط والديكتاتورية تكتمل بدراً فى سماء مايو لكل المتابعين و أصبح جعفر النميرى الحاكم الفرد ديكتاتور كامل الدسم بفضل معاونة ومساعدة السيدة بدرية سليمان فى التقنين والتفنين ، فقد أدرك الشعب خطورة الموقف وهبت الحركة الجماهيرية المتحفزة وحملت نميرى ودستوره المتسلط لمزبلة التاريخ وفتحت الطريق لنظام ديمقراطى كون جمعية تأسيسية منتخبة فى عام 1986م لوضع مسودة الدستور الدائم للبلاد فى المحاولة الثالثة منذ الإستقلال ،لم تتمكن حكومة الديمقراطية الثالثة من تشكيل حتى لجنة لصياغة الدستور الدائم للبلاد ، فقد عزفت المارشات العسكرية معلنة بداية حكم الإنقاذ بإنقلاب الجبهة القومية الإسلامية على النظام الديمقراطى ، وشأن كل الانقلابات بدأت بالشرعية المُسماه ثورية ثم محاولة التجمُل من خلال تكوين مجلس وطنى بالتعيين وتعيين لجنة للدستور أعدت مسودة دستور رُفعت لرئيس الجمهورية و إختفت فى ظروف غامضة فى مكتبة فى 1998م وظهرت مسودة دستور أخرى معدة بواسطة الدكتور حسن الترابى عُرفت ببدعة ( دستور التوالى ) تمت إجازتها تحت مسمى الدستور الدائم للبلاد الذى تم إستبدالة بدستور نيفاشا المؤقت 2005م.

من هذا السرد تتضح المرجحة أو قول المهزلة الدستورية التى تعيش فيها البلاد منذ الإستقلال إلى اليوم ، سؤال المليون دولار ، لماذا فشلت النخب السودانية فى صياغة دستور دائم للبلاد ؟؟؟؟ دساتير الفترة الإنقلابية الشمولية نميرى والبشير سمت دساتيرها بالدائمة وهى فى الحقيقة دساتير مغالبة بالقوة تمت صياغتها و إجازتها فى ظروف إستقطاب وإقصاء سياسى حاد مما يفقد الدستور الشمول والرضا كوثيقة قومية مجمع عليها من كل شرائح المجتمع السياسية والإجتماعية والجهوية مما يمنحها صفة الديمومة والقبول ولذلك كل محاولات الإنقلابات الشمولية لصياغة الدستور الدائم عبارة عن كتابة على سطح الماء لا يعلم معانيها سوى كاتبها. .

 

 

(3)

دستور بدرية 2015

 

مجلس البصمجية الوطنى الذى يفكر بأذنيه ويصوت ببطنه

 

السيدة بدرية سليمان التى إنتقلت من مُخلفات النظام المايوى إلى أن أصبحت مستشارة قانونية للرئيس عمر البشير ومسئولة الشئون القانونية بالحزب الحاكم بأمره ، يسندها تاريخ وتجربة حافلة فى التفصيل و دعم الشمولية وتعزيز حكم الفرد وصناعة الديكتاتور من لدن نميرى لعمر البشير.

تقدمت السيدة بدرية سليمان مسنودة برغبة الرئيس عمر البشير فى تركيز كل السلطات بيده للسيطرة على جماعته فى الحكم ومواجهة المعارضة،بمشروع تعديلات على دستور نيفاشا المؤقت، تلقت تعليماتها على إنفراد من قصر غردون دون علم حتى اللجنة المكونة لهذا الغرض وقامت السيدة بدرية بعد الطبخ القانونى السريع بتقديم التعديلات إلى مجلس البصمجية الوطنى الذى يفكر بأذنيه ويصوت ببطنه فأجازه ، هذه التعديلات غاية فى الخطورة ومخالفة من حيث الإجراءات لقواعد تعديل الدستور المضمنة والمجازة فى متنه الرئيسى ، على رغم عوار الإجراءات جاءت النصوص أكثر عواراً وخطورة فى الآتى نصة :-

1- منحت التعديلات الرئيس البشير الحق المطلق فى تعيين الولاة وعزلهم فى أقاليم البلاد المختلفة ، بدل إنتخابهم مما يتعارض مع أسس نظام الحكم الفيدرالى المجاز فى الدستور، بهذا التعديل يصبح السودان جمهورية مركزية وليست فيدرالية ، مما يجعل الدستور متناقضاً فى نصوصة ، اذا كانت هناك محكمة دستورية مستقلة يمكن لأى محامى مُبتدئ أن يطعن فى هذه التعديلات ويكسب القضية .

2- التعديل الأكثر خطورة هو تحويل جهاز الأمن إلى قوى مسلحة نظامية موازية للقوات المسلحة مما يؤكد عملياً الإستغناء عن الجيش الوطنى ، كما يقوم الجهاز بمهام الأمن والشرطة ، بهذة التعديلات أصبح جهاز الأمن هو حزب السلطة بلا منازع ، كما قنن الدستور تبعيتة المباشرة للرئيس البشير الذى أصبح مركز كل السلطات

3- منحت التعديلات الرئيس البشير الحق المُطلق فى تعيين القضاه بمستوياتهم المختلفة وعزلهم، مما يعنى إلحاق القضاء بالسلطة التنفيذية

التى يتحدث الدستور عن إستقلاليتها ، هذا النص مخالف حتى لما ورد فى دستور الإستعمار إستانلى بيكر Stanly Bakerبإقتراح من بروفسر Vincent Harlow الذى راجع مسودة الدستور فى ذلك التاريخ مقترحاً باب لحكم القانون ((Rule of law مما جعله باباً ثابت فى معظم المحاولات الدستورية فى السودان ( زى طبيخ بدرية دى ما سمعنا به إلا فى أيام اللوثة المايوية وثورة العدالة الناجزة ) ، تقويض المؤسسات العدلية ومحاولة السيطرة عليها هى صفة ملازمة لكل الأنظمة الأوتوقراطية المتسلطة على إرادة العدل ، فقد فعلها جعفر نميرى وتصدى لة نفر من القضاه الأحرار ذوى الضمير المتعلق بالعدالة وقدموا إستقالاتهم الجماعية مما أجبره للإستعاضة عنهم بمجموعة من المهرجين وقضاة البلاط الذين لايهمهم سوى رضاء سيدهم الذى يعينهم ويمكنه عزلهم

3- شملت التعديلات الدستورية تضمين إتفاقيتى الشرق والدوحة فى نص دستورى ، تضمين الإتفاقيات السياسية فى الدستور بدعة تميز بها السودان منذ إتفاق أديس أبابا مروراً بنيفاشا وقد كان عوار التضمين فى الدستور بائناً أثناء الممارسة خاصة بعد إنفجار الوضع فى دارفور بالإضافة أن هذا التعديل يعنى بوضوح أن النظام قد أغلق ملف دارفور بضبة الدستور، للحركات غير الموقعة على إتفاق الدوحة خيارين الإذعان و الإندغام فى إتفاق الدوحة أو الحرب المفتوحة على النظام حتى إسقاطه بهذا التعديل فقد ضيق النظام واسعاً على حكمه وفرض إستمرار المواجهة المسلحة فى دارفور لأنهم لن يستسلموا لنص دستورى لم يشاركوا فى صياغتة .

4- تضمنت التعديلات نص يحصن قرارات الرئيس من المراجعة والمقاضاه الدستورية أو القانونية ، التسلط يقرأ من صفحة واحدة فى كتاب الطغيان،هذا النص تحديداً هو الذى أشعل الثورة فى مصر ضد الرئيس محمد مرسى الذى أجاز تعديلا يمنح قراراته حصانة فوق الدستور والقانون فتصدت لة المحكمة الدستورية العليا فى مصر وبقية الشعب حتى أطاحته و أودعته السجن لمحاكمته ، بدرية سليمان تقود البشير لباب المغادرة ، فقد غادر مرسى بذات النص إلى سجن الإسكندرية ، إلى أين سيغادر البشير ؟؟ أكيد هناك خيارات .

 

 

(4)

إنعكاسات التعديلات الدستورية على الحوار

 

النظام لم يكن جاداً فى الحوار الوطنى منذ الوثبة وهى أحد تكتيكاته للإستمرار فى الحكم، بإلهاء الحركة السياسية فى صراع دائرى دون مخارج لإستنزاف طاقتها و إرباكها ، ولكن حدث عكس ما توقع النظام فقد توحدت القوى السياسية المعارضة وإلتفت حول برنامج ( نداء السودان) ووجدت مزيدا من الدعم والتأييد ، مما أربك النظام وبدأ فى مقاومة فكرة الحوار بمزيد من التضييق على الحريات و إعتقال رموز القوى السياسية ومصادرة الصُحف ، فأصبح النظام كالمسعور فى طاحونة أو ثور هائج فى دكان للخزف ، هذه هى المرة الأولى التى ينقلب فيها تكتيك النظام لمأزق أمامه ، فجاءت التعديلات الدستورية لتمتين حبل الحرير الذى سيشنق النظام ، فقد أعلمنا التاريخ أن الأنظمة المتسلطة تسقط من آخر عتبة فى قمة صلفها ، فتعديلات بدرية سليمان قد جعلت من البشير دكتاتور كامل الدسم وحكم فرد لا يحتاج لدليل لمقاومته وإسقاطه كضرورة وطنية يجب ان يلتف حولها كل الشرفاء مهما عظمت التضحيات وعز المسير وهنا نختم بما قالة شاعر الشعب حميد .

ماجانا عشقك من فراغ

لانحنا غنيناك عبط

جرح الوطن ختالنا خط

قول ما منو نط

والليلة ياموت يا حياة

خاتى البختار الوسط

 

كسرة:  مقتل طالب

 

نقلت الأخبار أن الطالب والناشط السياسى بحزب الأمة وكيان الأنصار بجامعة شرق النيل الشهيد الطيب صالح من أبناء خور طقت الدونكى قد مات مغدوراً ووجدت جثتة فى النيل بمنطقة السبلوقة ، وهناك أخبار تؤكد أن خلف وفاته جريمة كبيرة من ملابسات إصابتة الأولى من قبل طلاب النظام بساطور فى رأسة ، نحن فى إنتظار البيان الختامى لحزب الأمة الذى أشرف على التشريح والمتابعة القانونية ، نقول كما قالت القصة أن قروى وجد مظاهرة طلابية تهتف (مقتل طالب مقتل أمُة ) فسار وسط المتظاهرين ولم يتبين مفردات الهتاف فكان يقول ( تقتل طالب نقتل أمك ) فقد أصاب هذا القروى حين أخطأ ، الأمن الطلابى فى عش الدبابير لو تذكرون هذا المسلسل ، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، لم يبق فى قوس الصبر منزع كما قالت العرب فى فصحاها .