نبيل أديب إنه لامر يدعو للأسف أن  تتم التعديلات الدستورية بهذا الشكل المتعجل، والمرتبك، والذي لا ينم علي اي قدر من الإحترام، لا للشعب ولا للدستور نفسه. 

فالدستور هو وثيقة الغرض منها تحديد السلطات العامة فى الدولة، وكيفية توليها وممارستها، وذلك بتوزيع الإختصاصات بين السلطات العامة فى الدولة، ودرجة الفصل أو الرقابة المتبادلة بين تلك السلطات، إضافة لعملية تحديد سلطات الدولة فى مواجهة الأفراد. أي أنه مجموعة الأحكام التى تُحكم بموجبها دولة ما، و يتم من خلاله إدارة الصراع السياسى فيها.عملية تعديل الدستور هى عملية تهدف لتعديل حكم في الدستور، أثبتت التجربة العملية قصوره عن تلبية ما تتطلبه المبادئ الأساسية للدستور المعني. للوصول لذلك لا بد أن  تأتى المسودة كنتاج لعملية حوار مستمر تستقطب المكونات الفاعلة فى المجتمع، للتوصل للمسودة المقبولة، وهذا هو الغرض من فترة الشهرين الواردة في المادة (224) من الدستور، والتي تتلو وضع المسودة على منضدة الهيئة التشريعية، وتسبق المداولات حولها.

واول ما يؤخذ علي الطريقة التي تم بها تعديل الدستور، هي أنها تمت بعيداً عن عيون الشعب، فلم يتم نشر نص مسودة التعديلات كاملة علي نطاق واسع، حتى يتكون رأي عام حولها داخل وخارج الهيئة التشريعية. فلم تعرضها أي جهة على المختصين، ولا على المكونات السياسية المختلفة خارج البرلمأن، وكذلك لم يتم إخضاعها للنقاش داخل الكتل البرلمانية المختلفة، إذا كان هنالك ثمة وجود لكتل برلمانية. وبالتالي لم يتيسر لأعضاء البرلمان طرحها علي الشعب في دوائرهم الإنتخابية لمعرفة رأيه فيها، وكيف يتيسر لهم ذلك وهي لم تعرض عليهم في الأصل؟! إذا فقد ظل الشعب مغيباً بشأنها و تمت مناقشتها فقط في غرف مغلقة، بواسطة لجنة برلمانية تمثل حزبا واحدا، إحتل مقاعده بإنتخابات لم ينافسه فيها أحد، ثم تمت إجازتها دون أدنى إدعاء بأن هنالك ما يدعو للتداول حولها، وبإغفال تام لكافة المتطلبات الدستورية لإجازتها.

المتطلبات الدستورية الإجرائية

أولاً إبتدار التعديل

 وفقاً للمادة (58) م من الدستور فإن  إبتدار التعديل من مهام رئيس الجمهورية. وبالتالي فإن  التعديلات التي إبتدرها رئيس الجمهورية هي وحدها التي يجوز لمجلسي البرلمان  إجازتها. وأي تعديلات أخرى أضيفت لها بواسطة اللجنة تعتبر إجازتها باطلة، لأنه من جهة لايجوز للبرلمان  النظر فيها لكونها صادرة من غير ذي صفة، و من جهة أخرى لأنها بالضرورة قد تمت اضافتها بعد إيداع التعديلات التي ابتدرها رئيس الجمهورية منضدة المجلس، مما يعني أنها أجيزت قبل أن تكمل مدة الشهرين المطلوبة وجوباً، وفقاً للمادة (224) من الدستور. وتطلب إبتدار التعديلات بواسطة رئيس الجمهورية ليست مجرد مسالة شكليه يمكن تجاوزها، بل هي ضمان لمنع الزج بتعديل من شأنه أن  يغير من طبيعة الدستور، او ينتقص من الحريات العامة، لأن  رئيس الجمهورية هو راعي الدستور. وكون رئيس الجمهورية قد إبتدر تعديلاً بعينه لا يفتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب لكي يدلي بدلوه، بل يظل ما قدمه الرئيس من تعديلات هو فقط ما يتم التداول حوله في الهيئة التشريعية، وسائر لجانها. والهيئة التشريعية نفسها لا تملك أن  تعدل في مسودة التعديلات المقترحة بل عليها بعد المداولة إما أن  تقبلها أو ترفضها كما هي . 

إجازة التعديلات بالتصويت الصوتي

 تمت إجازة التعديلات حسبما اورد الاستاذ / عبد الباقي الظاهر في عموده المقروء “تراسيم” بالتصويت الصوتي بأن يقول الموافقون نعم. ولم يوضح الاستاذ / عبد الباقي ما إذا كان قد طُلِب من المعارضين أن  يصوتوا بقولهم لا، ولكن الحالتين سواء فالتصويت بالشكل الذي أجري به لا يمكنه أن يلبي متطلبات المادة (224). لأنه حيثما يتطلب الدستور أغلبية معينة فإنه يستوي الرفض والإمتناع. كان يتوجب إحصاء عدد الموافقين علي وجه الدقة، وأن  يُثبت عدد الأصوات لصالح التعديلات، ولا تعلن إجازة التعديل إلا  إذا كان عدد أصوات الموافقين على التعديلات يفوق ثلاثة ارباع عضوية المجلس المعني كاملة.

إجازة التعديلات في اجتماع مشترك للمجلسين

 تمت  مناقشة التعديلات واجازتها في اجتماع مشترك للمجلسين، رغم أنف النص الدستوري الذي يتطلب أن يتم ذلك في اجتماع منفصل لكل من المجلسين. وهذه أيضاً ليست مسألة شكلية يمكن التجاوز عنها، لأن  حصول التعديل على موافقة 75% من عضوية كل مجلس على حدة ضروري لإجازته، لأن  موافقة 75% من مجموع عضوية المجلسين لا يكفي لإجازة التعديل، فمجلس الولايات يختلف في تمثيله ومهامه إختلافاً جذرياً عن المجلس الوطني، جعل الدستور يتطلب أن تتم المداولة والإجازة في كل مجلس منهما على حدا. وبالتالي فإن  الطريقة التي أجريت بها المداولة والإجازة مخالفة للدستور وباطلة ويستحيل معها حتى إثبات حصول التعديل على الأغلبية المطلوبة.

إشكالية غير قابلة للحل

 اضف لذلك الإشكالية التي يفرضها واقع أن  التعديلات تمس اتفاقية السلام، والتي يتطلب الدستور لإجازة التعديل بشأنها موافقة طرفي الإتفاقية. وقيل درءً لذلك أن إتفاقية السلام الشامل قد تم تنفيذها بالكامل، وبالتي فلم تعد ذات جدوى. هذا غير صحيح، لأن  ما تم تنفيذه هو فقط الاجزاء الخاصة بجنوب السودان، اما الاجزاء الخاصة بجنوب كردفان، والنيل الازرق، فلم يتم تنفيذها بعد. ونذكِّر هنا بما ذكره السيد رئيس الجمهورية في الايام القليلة الماضية، من أن  أي معالجة للنزاع في ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان،  لن تتم الا في في إطار احكام اتفاقية السلام الشامل، وهذا يقطع بأنها ما زالت على قيد الحياة، ومنتجة لآثارها. كذلك فالجميع  يعلمون بأن  النزاع في ابيي ما زال عالقاً، ولم يتم تنفيذ أحكام إتفاقية السلام الشامل في شأنه. ومن هذا يتضح أن  اتفاقية السلام الشامل ما زالت سارية المفعول و لم تنفذ بعد. ولما كانت التعديلات تمس السلطات الولائية، ومن ضمنها ولايات ما زالت تمسها إتفاقية السلام الشامل، فإن  التعديل يتطلب لإجازته موافقة طرفي الاتفاق. وهذا إشكال غير قابل للحل لأنه بالتأكيد لا يجوز طلب موافقة حزب الحركة الشعبية الذي يحكم جنوب السودان، لأنه حزب أجنبي وبالتالي لم يعد له صلة بدستور السودان. ولكن ماذاعن قطاع الشمال في الحركة الشعبية وهو تنظيم سياسي وعسكري له وجود محسوس في السودان؟ الم يكن جزءً من الكيان المسمى بالحركة الشعبية، والذي يشكل طرفاً في اتفاقية السلام الشامل؟ الأمر يحتمل قولين: الاول هو القول بأن  قطاع الشمال من الحركة الشعبية اصبح هو كل الحركة الشعبية في السودان، وبالتالي يلزم الحصول على موافقته. و الثاني القول بأن  الحركة الشعبية ككل لم يعد لها وجود في السودان، وهذا يقود للقول بجمود الدستور جموداً مطلقاً لحين إصدار دستور جديد، فيما يتصل بالأحكام التي تمس اتفاقية السلام الشامل، لأن الولايات المتاثرة باحكامها لم تعد ممثلة بكيان يمكن له الموافقة على تعديل الاتفاقية .

هذا من حيث الشكل ولكن من حيث الموضوع فإن  التعديلات تثير كثيراً من الجدل.

التعديلات من حيث الموضوع

أولاً :- التعديلات التي تؤثر على الحكم الفيدرالي:

 التعديل على المادة (158)  والتي اضافت للرئيس سلطة تعيين الولاة وعزلهم .

الغاء ذاتية الولاية اينما وردت.

الغاء تحديد اختصاص ومهام شرطة الولاية بواسطة دستورها.

الغاء اختصاص دستور الولاية بتحديد عدد اعضاء مجلسها التشريعي .

وضع سلطة تحديد الاراضي الاستثمارية في يد رئيس الجمهورية .

ثأنياً :- التعديل بالنسبة لجهاز الامن

التعديلات على المادة (151) هدفت للاعتراف بدور جهاز الامن كقوة نظامية والنص على دوره في مكافحة المهددات السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية واتخاذ تدابير الوقاية منها .

ثالثاً :- بالنسبة للمحاكم الخاصة

اضافت التعديلات محاكم الأمن ومحاكم الشرطة في صلب الدستور بدلاً من تركها للقانون .

رابعاً :- ادخال دور جديد للشرطة وهو الحفاظ على أخلاق المجتمع وآدابه ودور جديد للأمن هو مكافحة المهددات الاجتماعية .

تعديل احد الملامح الرئيسية للدستور

هدفت التعديلات لأهداف مختلفة، ولكن دون التطرق لباقي الأهداف يكفي القول بأن بعضها  هدف الي تغيير طبيعة الحكم من حكم فدرالي إلى حكم مركزي، فأخضع المستوى الولائي للمركز وقلل الي حد بعيد من إستقلالية الولايات في ما يتعلق بتصريف شئونها. وكانت ابرز مظاهره انه لم يعد شعب الولاية قادرا على انتخاب حاكم الولاية، ولم يعد في امكان المجلس التشريعي ان يعزله بمجرد سحب الثقة منه بل يلزم لذلك موافقة رئيس الجمهورية على عزله والتعديلات في مجموعها انهت مظاهر الفدرالية التي نص عليها الدستور ومن قبله دستور عام 1998م والسؤال هو هل تعتبر الفدرالية في دستور عام 2005م احد ركائز الدستور ؟ واذا كانت كذلك فهل يجوز تعديل الدستور بالغائها ؟

الراجح ان الفدرالية هي احد الملامح الرئيسية للدستور وذلك واضح من نصوص الدستور نفسه فالمادة 1- (1) من الدستور تنص على أن جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، وهي دولة ديمقراطية لامركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان. وتنص المادة 2من الدستور على أن – السيادة للشعب وتُمارسها الدولة طبقاً لنصوص هذا الدستور والقانون دون إخلال بذاتية الولايات

كما وتلزم المادة 24 المستوى القومي من الحكم على إحترام ذاتية الولايات. تنص المادة 226(1) استُمد هذا الدستور من اتفاقية السلام الشامل ودستور جمهورية السودان لعام 1998

والفيدرالية هي أحد الأركان الأساسية في اتفاقية السلام وهذا لا يحتاج لبيان، أما دستور 1998م  فتنص المادة 2 من دستور 1998 على أن السودان جمهورية اتحادية تحكم في سلطانها الأعلى على أساس النظام الاتحادي، الذي يرسمه الدستور مركزاً قومياً وأطراً ولائية ، وتدار في قاعدتها بالحكم المحلى وفق القانون ، وذلك تأميناً للمشاركة الشعبية والشورى والتعبئة ، وتوفيراً للعدالة في اقتسام السلطة والثروة.

 

التعديلات وسلطة المراجعة القضائية

هل تخضع التعديلات الدستورية لسلطة المراجعة القضائية ؟ بصفة عامة فإن سلطة تعديل الدستور من الناحية الموضوعية أصبحت سلطة مقيدة بقيود مختلفة، في القانون المقارن. كان ذلك في أول الأمر يقتصر على الدساتير التي لا يجوز تعديلها لفترة محددة، أو التي لا يجوز تعديل بعض أحكامها على الإطلاق. من قبيل تلك الأحكام  المادة الخامسة من الدستور الأمريكي، والتي تمنح الولايات عددا متساويا من التمثيل في مجلس الشيوخ، وهي مادة لا يجوز تعديلها. كذلك يمنع الدستور الفرنسي أي تعديل من شأنه أن يمس الصيغة الجمهورية للحكم. الدستور الألماني يمنع تعديله بشكل يمس النظام الفيدرالي ولا المبادئ الاساسية المضمنة في المادة الاولى منه. في غير تلك الحالات فقد كان السائد في فقه القانون الدستوري هو عدم جواز المراجعة القضائية لأي تعديل دستوري إلا من حيث الإجراءات المتطلبة لإجازته، حيث أن التعديل الدستوري متى ما إستوفى الشكل المطلوب، هو تعبير عن إرادة الأمة التي لها كافة السلطات في الدولة، وهو مبدأ دستوري أساسه المحافظة على النظام الديمقراطي. كانت الوسيلة الوحيدة آنذاك لإسقاط النظم الديمقراطية، هي الإنقلابات العسكرية وقد تمت مقاومة هذا الإتجاه حين إستشرى بأن  إتخذ المجتمع الدولي قررارت ترمي الي تبني عقوبات فورية وتلقائية ضد الأنظمة التي تتولد عن إنقلابات عسكرية ضد نظم ديمقراطية. ولكن أول تجربة لإسقاط الديمقراطية من داخل مؤسساتها كانت التجربة النازية، حيث فاز الحزب النازي في إنتخابات ديمقراطية، إلا أنه ما لبس أن اسقط كافة الاحكام الديمقراطية في الدستور، بطرق مختلفة. لذلك فقد قامت في المانيا عقب سقوط النازية ما عُرِف بالديمقراطية الصلبة ((militant والتي تمنع قيام الأحزاب المعادية للديمقراطية قبل أن  تكتسب أنصاراً يمكنونها من الوصول الي السلطة من داخل النظام الديمقراطي.

الدستورية الإنتهاكية

ولكن الخطورة الرئيسية الآن على النظام الديموقراطي تتمثل في استخدام آلية تعديل الدستور لخلق نظام سلطوي، بدلاً من النظام الديموقراطي الموجود. وهي مسألة ليست عسيرة وتقتضي فقط الحصول علي أغلبية كافية لتعديل الدستور، ومن ثم تعديله بشكل يقضي على النظام الديمقراطي. وهذا ما أصبح يطلق عليه بعض فقهاء القانون الدستوري مصطلح  Abusive constitutionalism  أي الدستورية الإنتهاكية. الدستورية الإنتهاكية تأتي إلى السلطة بشكل ديمقراطي و تلجأ لتعديل الدستور بوسائل دستورية، ولكنها تهدف من ذلك التعديل لأن  تحكم من قبضتها على السلطة بحيث توقف عملية التبادل السلمي للسلطة، التي هي اساس النظام الديمقراطي. كل الوسائل التي تهدف لحماية الديمقراطية السابق الإشارة لها، تبدو قليلة الجدوى في مواجهة الدستورية الإنتهاكية، بدون اللجوء لتحصين الدستور ضدها، فظهرت نظريات ترمي لمنع الدستورية الإنتهاكية من تحقيق أغراضها، عن طريق النص اما على تطلب اغلبية كبيرة لتعديل بعض الاحكام الدستورية التي تشكل اساساً للنظام الدمقراطي، أو منع تعديل تلك الأحكام تماماً.

دور القضاء في الدفاع عن الدستورية

كان للقضاء قصب السبق في توطيد دعائم منع الدستورية الإنتهاكية من تحقيق أغراضها، ففي الهند اعتمدت المحكمة العليا على نص المادة 13 في الدستور التي تنص على أنه لا يجوز للدولة أن  تصدر قانوناً من شأنه أن  يصادر او ينتقص من الحقوق الواردة في ذلك القسم، وأن أي قانون يصدر بالمخالفة لذلك يعتبر باطلاً للدرجة التي تزيل ذلك الخلاف، في مراجعة التعديلات الدستورية من حيث الموضوع. في دعوى Golaknatu v. State of Punjab

حين طُعِن في صحة التعديل السابع عشر لدستور 1964م قبلت المحكمة الطعن وقالت أن  تعديل الدستور هو قانون وبالتالي يخضع للمراجعة القضائية. ولكن المحكمة العليا في عام 1973م ألغت اذلك النظر في دعوى Glaknath حين طُعِن أمامها في التعديلات الرابع والعشرين، والخامس والعشرين، والتاسع والعشرين، فذكرت أن  تعديل الدستور ليس بقانون ولكنها اعلنت التعديلات المطعون فيها غير دستورية لأنها تنتهك الهيكل الاساسي للدستور. Kesavanada bharati v. Kerala  وقد سارت السوابق على هذا النهج حتى دعوى أنديرا غاندي ضد راج نارين في عام 1975م

 وفي نيبال ايضاً قررت المحكمة العليا أن من سلطاتها إبطال أي تعديل للدستور يمس المبادئ الأساسية فيه. في تركيا لا يجوز تعديل الاحكام الدستورية التي تقرر أن  تركيا هي جمهورية ديمقراطية علمانية واشتراكية تخضع لسيادة حكم القانون . وقد قررت المحكمة الدستورية التركية أن  ذلك يمنحها سلطة المراجعة القضائية فيما يتعلق بتعديل الدستور. عندما تم تعديل الدستور التركي لالغاء سلطة العفو قررت المحكمة الدستورية إبطال التعديل لأنه لم تتم إجازته بالاغلبية المطلوبة، ولكنها ذكرت أنه حتى ولو كانت إجازته قد تمت بالأغلبية المطلوبة فإن  التعديل يظل غير دستوري بسبب موضوعه، لأنه يتعارض مع المبادئ الاساسية للدستور. وعندما تم تعديل الدستور للسماح بتعيين قضاة غير مؤهلين في المحاكم العسكرية في زمن الحرب، رأت المحكمة الدستورية التركية أن  التعديل غير دستوري لأنه يؤثر سلباً على إستقلال القضاء والذي يشكل احد عناصر سيادة حكم القانون.

لا بد لنا أخيراً من أن نشير إلى سابقة جوزيف قرنق وآخرين ضد حكومة السودان، حين قرر القاضي صلاح حسن أن إلغاء حكم التعديل الوارد فى دستور 56 لابد أن يكون قد قصد منه أن يكون الدستور جامداً جموداً مطلقاً، فى الفترة التى تقوم فيها الجمعية التأسيسية بإصدار دستور دائم على الاخص فيما يتعلق بفصل الحريات العامة، وذلك حتى يتم نقاش حر يوفر فيه للجميع فرصة إبداء الرأى فى الدستور الذى يفترض أن يحكم ليس فقط من يشاركون فى النقاش بل أيضا الأجيال القادمة، وألغى التعديل الدستوري الذي إستثنى الشيوعية من حريتى التعبير والتنظيم..

النص على عدم خضوع التعديلات الدستورية للمراجعة القضائية

 لجأ الإنتهاكيون، لوقف التدخل المستمر للقضاء في الدول المختلقة للمحافظة على الديمقراطية، إلى النص صراحة في الدساتير الحديثة، أو في تعديلات دستورية، على عدم خضوع التعديلات الدستورية للمراجعة القضائية، ولكنهم لم ينجحوا في مسعاهم.  

في تركيا صدر دستور جديد عام 1982م ، منع المحكمة الدستورية صراحةً من مراجعة التعديلات الدستورية من حيث الموضوع، و قصر سلطتها في مراجعة التعديلات الدستورية على حالة عدم اجازتها بالاغلبية المطلوبة. في خضم الصراع بين المحافظين واللبراليين تم منع طالبات من دخول المعاهد العليا بالزي التقليدي، مما دفع البرلمان تحت تأثير الأحزاب المحافظة لأن يصدر قانوناً يسمح لهن بذلك، إلا أن المحكمة الدستورية قررت عدم دستورية ذلك القانون. بازاء ذلك تم تعديل الدستور بشكل يسمح باصدار ذلك القانون. وعندما عُرِض الأمر على المحكمة الدستورية، قررت عدم دستورية التعديل لأنه ينطوي على إخلال بعلمانية الدولة والمنصوص عليها في المادة الثانية من الدستور، مما يخل بالنظام الجمهوري للدولة، بعد أن أسقطت المادة الدستورية التي تمنعها من مراجعة التعديلات الدستورية من حيث الموضوع، حيث قضت بآن المادة نفسها غير دستورية.

في الهند أصدر البرلمأن  التعديل الثاني والأربعين للدستور الذي ينص على أنه لا يجوز لأي محكمة أن  تنظر في صحة اي تعديل على الدستور لأي سبب كان.  و بغرض ازالة اي شك فإنه لايوجد أي قيد على سلطة البرلمان  في تعديل الدستور بالاضافة او الحذف او التغيير . قررت المحكمة في  Minerva mills ltd v. Union of India  أن التعديل الثاني والاربعين غير دستوري، حيث أن  القيود الواردة على سلطة البرلمأن  في تعديل الدستور هي مكون اساسي من الدستور الهندي لا يجوز تعديلها .

في النمسا توصلت المحكمة الدستورية لنفس النتيجة عن طريق مراجعة إستيفاء التعديل للمتطلبات الإجرائية، حيث  قررت أنها لا تسطيع أن  تفصل في دستورية التعديل من حيث الموضوع، الا أنه يجوز لها أن  تقرر ما اذا كان  قد اتبع المتطلبات الإجرائية. نتيجة لذلك فقد أبطلت المحكمة الدستورية عدداً من التعديلات إستناداً على تفسيرها للنص الدستوري الذي يتطلب إقرار  التعديل الكامل بإستفتاء والذي فسرته بأن  التعديل الكامل ليس المقصود منه تعديل كل مواد الدستور بل يكون التعديل كاملاً لو عدل في احد معالم الدستور الرئيسية State citizenship case . وبالتالي فقد اسقطت بعض التعديلات الدستورية التي رأت أنها عدلت مواد دستورية تشكل أحكامها احد المعالم الرئيسية للدستور والتي يتطلب تعديله موفقة الشعب على التعديل عن طريق الإستفتاء .

والملاحظ من كل ذلك أنه كقاعدة عامة ، (رغم اختلاف الدساتير بعضها عن بعض) فإن الأحكام القضائية لم تفسر صمت الدستور عن منحها سلطة المراجعة القضائية بالنسبة للتعديلات الدستورية بأنه يمنعها من ممارسة تلك السلطة، بل على العكس من ذلك فإن  السوابق في القانون المقارن تشيرالي أن  الأحكام القضائية في واقع الامر قامت بمراجعة النصوص الدستورية التي تحرمها من مراجعة التعديلات الدستورية، واسقطتها باعتبارها مخالفة للدستور.