بابكر فيصل بابكر

أوردت صحيفة “الجريدة” الأسبوع الماضي خبراً يقول أنَّ  القيادي بالمؤتمر الوطني والمدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات صلاح عبد الله قوش أقرَّ ( بفشل الحركة الإسلامية في إدارة الدولة السودانية وحملها مسؤولية تنامي النعرات العنصرية والقبلية والجهوية في البلاد ), كما قال في ذات الخبر أنَّ ( البرلمان ليس له دور حقيقي في الحياة السياسية وإنما يستدعى حسب الطلب ). إنتهى

في البدء نقول – كما ظللنا نقول دائماً – أنَّ الإعتراف بالخطأ يُمثل الخطوة الأولى في سبيل الإصلاح, وهو الأمر الذي ظلت قيادات المؤتمر الوطني تتمنع عن الإقرار به حتى آلت البلاد إلى الأوضاع المتفجرة الحالية التي تهدد وجودها ووحدتها وأمنها واستقرارها.

غير أنَّ السؤال المشروع الذي يردُ على ذهن أي شخص هو لماذا يتأخر كبار المسؤلين الذين شاركوا في صنع القرارات التي أوصلت البلد لهذه الحالة المتردية عن الإعتراف بأخطائهم ولا يفعلون ذلك إلا عند مغادرتهم لمواقع السلطة ؟

كان المهندس قوش قد إعترف من قبل بأنَّ الإنقاذ حملت معها تفكيراً خاطئاً وسالباً منذ يومها الأول مما جعلها تعادي جميع دول الجوار وقال في برنامج “حتى تكتمل الصورة” : ( كان من الممكن أن نأتي ومعنا أصدقاءنا ونحارب أعداءنا ولكننا أتينا من أول يوم وأعداءنا في جيبنا ووحدنا أخرجناهم وبدأنا نحاربهم قبل أن يحاربونا وهذا ما ادخلنا في مشاكل ما تزال مستمرة حى اليوم ) إنتهى

نحن هنا بإزاء إعترافات صريحة تُحِّمل الحكومة مسئولية تفشي القبلية والعنصرية, وتدهور العلاقات الخارجية, وتتهم البرلمان بأنه ليس سوى أداة في يد السلطة التنفيذية “الحكومة” تتحرك بأوامرها وتنفذ توجيهاتها, فماذا تبقى إذاً ؟

تتعمَّد الحكومة تجاهل هذه الإتهامات الخطيرة الصادرة عن صلاح قوش لأسباب تعلمها هى, ولكن عندما تصدر هذه الإتهامات عن أحد رموز المعارضة يتم التصدي له بإعتباره “عميلاً” يسعى لخدمة أجندة الدول الاجنبية, وغالباً ما يتعرَّض للمضايقات الأمنية والسجن.

ليس هذا فحسب, بل أنَّ قوائم مرشحي المؤتمر الوطني في الإنتخابات المزمع عقدها في أبريل القادم ضمَّت إسم صلاح قوش كمرشح للحزب عن دائرة “مروي”, فكيف يتفِّقُ لحزب ترشيح أحد أعضائه للبرلمان وهو يعلمُ أنَّ هذا المرشح لا يرى في البرلمان سوى “العوبة” في يد الحكومة ؟

و من ناحية أخرى كيف يستقيمُ لشخصٍ مثل صلاح قوش له مثل هذه الآراء الخطيرة في الحكومة أن يستمر كعضو في الحزب الحاكم دعك من أن يقبل الترشح لخوض الإنتخابات والوصول للبرلمان ضمن قوائم ذلك الحزب ؟ 

تزداد دهشة المرء عندما يعلم أن صلاح قوش ليس مرشحاً مرتقباً للحزب الحاكم في الإنتخابات القادمة فحسب بل هو كذلك عضو في البرلمان الحالي, فكيف إذاَ جاز له الإستمرار في عضوية البرلمان وهو يعلم أنهُ مجرَّد “تابع” للسلطة التنفيذية ؟

السُّلطة التشريعية في الديموقراطيات الحقيقية تكون رقيبة على أداء الجهاز التنفيذي و ليست ذيلاً للحكومة, ولنواب البرلمان سلطات تجعل وزراء الحكومة “يرتعدون” عندما يتم إستدعائهم للمسائلة حول قضية ما, فهؤلاء النواب منتخبون من قبل الشعب مصدر السلطات وبالتالي فإنَّ تفويضهم أقوى بكثير من رجال السلطة التنفيذية.

ولكن كيف يستقيمُ هذا الأمر وأكثر من 90% من أعضاء المجلس الوطني يمثلون الحزب الحاكم ؟ هذا وضع شاذ ليس لهُ مثيل في جميع الأنظمة الديموقراطية, وبالتالي فمن البديهي أن يكون هذا المجلس ظلاً للحكومة لا تتعدى مهمته “البصم” على القوانين والتشريعات التي ترغب في تمريرها.

وبالتالي فإنَّه ليس من المستغرب أن تجد النواب في مثل هذا البرلمان مشغولون بقضايا إنصرافية مثل “ختان الإناث” و “لعب المرأة لكرة القدم” بينما البلاد متفجرة بالحروب والأمراض والأوبئة والفساد, وليس مستغرباً كذلك أن تذهب أصوات بعض النواب الصادقين القليلين أدراج الرياح وسط “جوقة” المطبلين للحكومة وسياساتها.

مثل هذه البرلمانات “الشكلية”  لا تمثل إلا عبئاً إضافياً على كاهل المواطنين وعلى خزينة الدولة, كونها تستنزفُ موارد مالية و مخصصات وإمتيازات كان من الأولى توجيهها وتوظيفها في حل مشاكل أخرى كثيرة في قطاعات مثل التعليم والصحة وغيرها.

هذا الإشتباك والترابط الشديد بين السلطات التنفيذية والتشريعية هو سمة أساسية من سمات الأنظمة الشمولية, وقد برعت الإنقاذ في صنع هذا الترابط وفي إحتلال البرلمان عبر التزاوج الذي وقع بين الحزب الحاكم والسلطة وما نتج عنهُ من نفوذ سياسي ومالي وسلطوي كبير لأعضاء الحزب أدى لسيطرته شبه التامة على البرلمان.

صلاح قوش يمثل نموذجاَ واضحاً لأثر النفوذ السلطوي على البرلمان, فقد ترشح في إنتخابات 2010 وكان حينها مديراً لجهاز الأمن والمخابرات, بكل سطوته الأمنية والإقتصادية, فهل يتوقع إنسانٌ يتمتعُ بالسلامة العقلية أن يفوز شخص آخر خلاف قوش في تلك الدائرة ؟ وهل يوجدُ في أية بلد من بلاد الدنيا مديراً للمخابرات يكون نائباً برلمانياً في نفس الوقت ؟

لقد آن الأوان في سوداننا المنكوب هذا لأن يكون هناك تطابقٌ بين “أقوال” الساسة والمسؤلين و “أفعالهم”, إذ لا يجوز أن يتهم سياسياً حزبهُ أو حركتهُ بالفشل في إدارة الدولة بعد تجربة للحكم ممتدة لأكثر من ربع قرن من الزمان ثم يكون هذا الرجل في مقدمة “المرشحين” عن ذلك الحزب أو الحركة في الإنتخابات.