د.ناهد محمد الحسن طالعت كغيري بغبطة حقيقية ،قانون التحرّش الجنسي الذي أذيع في الصحف أنّه تمت إجازته في البرلمان قبل أيّام قليلة. 

والحقيقة أنني اتمنى أن أطّلع عليه من قرب لأعرف محتواه وكيف عالج قضيّة شائكة كالتحرّش الجنسي ظلّت تؤرق الضمير الإنساني العالمي.

في حقبة ما من التاريخ كان مفهوم (العرض) عند الرجل السوداني يتعدّى المحارم ليشمل كلّ إمرأة في الجوار..والجوار نفسه لم يكن محدودا برقعة جغرافية قريبة في متناول حضوره..ولكنها على إتساع ما يصله من مطالب اللجوء والإحتماء والنخوة..أو هكذا حدّثونا..!.. قال ود الفراش , شاعر بربر: (أنا التوب العشاري الباهي زيقو/ وأنا فرج الرجال وكتين يضيقو/ أنا الدابي إن كمن للزول بعيقو/
وأنا المامون علي بنوت فريقو). وقد ذكر العبّادي في مسرحية المك نمر على لسان المك نمر وهو يمدح نسيبه محمد ود دكين :(مرحبتين حباب جد الاسود الحو/
مرحبتين حبابه الفي القبايل ضو / ايدك من قديم للصالحات بتسو /قشاش دمعة الببكن بسوّن هو)..ومن اتساع مفهوم العرض في التاريخ القريب إلى ضآلة القيم التي إنتهينا إليها تجرحني الأحداث والذكريات…عشرات الحكايات التي شهدتها واطّلعت عليها وعايشتها بنفسي لنساء يتعرّضن للمضايقة من أساتذتهم الجامعيين أو في المدرسة أو في طريق البيت أو العمل..ممّا اسمّيه العنف المقصود والذي كان يباركه الصمت العام لضمير الشعب الذي لم ينجح في أنسنة العلاقة مع المرأة ولم يتآلف بعد مع خروجها من المنزل ..وكان ينظر دائما إليها ويقيّمها بعين (الضحيّة الحاثّة)..ويقيس ما ترتديه وما تخرج به ليفسّر على هواه مخرجا لغصبه موافقتها..وحين لا يجد ما يقيم حجته يظن أن خروجها من المنزل بحثا عن رزقها هو القبول الذي يبرر انتهاكه. والمشكلة في التحرّش دائما تكمن في النظام الذي يسمح بذلك..والذي يعتّم الأبواب والمداخل والمخارج في أماكن العمل الحكومية وغيرها..ويخضع التنافس في الوظائف والترقي فيها لغير الكفاءة والنظام العادل الشفّاف الذي يتساوى أمامه رئيس البنك الدولي مع عاملة فندق او رئيس دولة مع موظّفة لديه. انّ مجرّد خروج هذا القانون بالنسبة لي نقلة نوعيّة كبيرة في منظور القيم والأخلاق السودانية التي أدركت أخيرا انّ ميزان الأخلاق يجب ان يشمل الغرائز الذكوريّة التي لم تكبحها ثقافة ولا مجتمع. وظلّت ترتع على هواها بينما كانت رؤية المجتمع تكمن في حجب النساء وحراستهن وتخبئتهن من الوحوش المفترسة..قصّة الذئب والغنم التي كبرنا على حجوتها التي كانت دائما تتضمن التحذير بعدم الخروج خوف الإفتراس..ولم تفكّر الحبوبة أبدا في سجن المفترس أو قتله جرّاء فعلته ليلهو القطيع آمنا..حراك النساء مستمر إلى الأمام..وعلى الذين يحفلون كثيرا بالقيم أن يسوّوا الطريق..فمعظم النساء لا يسقطن سهوا!

محطّة أخيرة:

(العناء على وجهها المستطيل/آمرُ ومطاع/والألم/صاعد ، صامد ، وأصيل/وهى صامتة لا تنم/كفنت وجهها بقناع/ كفها كالقدم/ذات شق بجانب شق/ كبقايا ندم
في فؤاد نبيل/ حملت فوق هامتها – حملها /فى تحد وفى كبرياء/ ومضت ترتزق/
همهمت بالسلام/ مال صاحبنا وهو ذو شبهة وملام/ ولبق فى الكلام/ وشبق/ كل أنثى لديه طعام/ سائغ ، والنساء لديه سواء/ فى الظلام/ قال مثل مُراب لها، غامزاً فى ابتسام/ ومضت منه ناب/ بلعاب/ادخلى خلف بابى المرام/ ادخلى ، ادخلى
فأجابت بصوت حييِّ: حرامْ / إننى حاجّة.).. من قصيدة الحاجّة لصلاح أحمد إبراهيم.