تمر اليوم الثامن عشر من يناير 2015م  الذكرى الثلاثون لاستشهاد الأستاذ محمود محمد طه، مؤسس الحزب الجمهوري(عام 1945) وصاحب"الفكرة الجمهورية"

سوف تظل هذه الذكرى ناقوسا يدق بقوة في ذاكرة الوطن، حيث جسدت لحظة تنفيذ حكم الإعدام في رجل مسالم، وداعية سلم بسبب أفكاره، جسدت  حالة انحطاط فكري وسياسي وأخلاقي ما زال حاضرا بقوة في الواقع السوداني حتى هذه اللحظة، إذ ان تيار”الإسلام السياسي” الذي كان وراء “مؤامرة اغتيال الشهيد” قبل ثلاثين عاما هو الذي يحكم السودان الآن! وفي صلب قانونه الجنائي مادة خاصة ب”الردة” تنص على الآتي:

( (1) يعد مرتكباً جريمة الردة كل مسلم يروج للخروج من ملة الاسلام او يجاهر بالخروج عنها بقول صريح او بفعل قاطع الدلالة. (2) يستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة فاذا اصر على ردته ولم يكن حديث عهد بالاسلام ، يعاقب بالإعدام .(3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ)!!!!!

ورغم أن النظام الحاكم لم يجرؤ على تطبيق هذه المادة منذ استيلائه على الحكم قبل أكثر من 25 عاما ، وحتى عندما تثبت المحاكم ما يسمى ب”الردة” وتصدر حكم الإعدام على الشخص المعني، كما حدث في حالة “مريم يحيى” العام الماضي، تتدخل السلطة السياسية لإيقاف تنفيذ الحكم خوفا من المجتمع الدولي، وهذا بالطبع “مأزق أخلاقي” كبير ل  “النظام الإسلاموي” الذي برر استيلاءه على السلطة ب”تطبيق شرع الله” وكان مناصروه يزايدون ويرفعون  المصاحف في المظاهرات ضد الحكومات السابقة ويتهمونها ب”اسقاط شرع الله” ويهتفون “الحدود قبل القوت”! فهاهم اليوم  يحكمون البلاد منفردين ويعجزون عن تطبيق “حد” واحد من هذه “الحدود” التي بسببها زعزعوا استقرار البلاد وأجهضوا النظام الديمقراطي بانقلابهم العسكري عام 1989م!!  

و”المأزق” يكمن في أن التراجع عن تطبيق “حد الردة” يتم تحت وطأة الضغوط و”العصا الدولية الغليظة” ولكن المنظومة الفكرية والقانونية، ومناهج التعليم الديني، والخطاب الإعلامي، وخطب المساجد، كل ذلك في عداء سافر ل”حرية الضمير” من حيث المبدأ وعلى أساس أنها تتعارض مع الإسلام، ومن ثم يجب على المسلم ان يعتقد في وجوب “قتل المسلم” ليس فقط إذا أعلن تركه للإسلام واعتناق دين آخر، بل حتى إذا قدم تفسيرات للإسلام مختلفة عن ما هو سائد في المجتمع!

لا مخرج من هذا المأزق إلا  بالتفكير العميق في قضية تطبيق ما يسمى ب”الشريعة الإسلامية” في دولة معاصرة، وما يترتب عليه من تأثيرات  ملموسة على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية كما فصلتها المواثيق الدولية الحديثة وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ومثل هذا التفكير حتما سوف يقود الى مواجهات فكرية حاسمة مع الفكر السلفي المهيمن والمتحالف مع السلطة القمعية الحاكمة، مواجهات تستلهم الشجاعة الآسرة والصمود النبيل الذي اتسم به الشهيد  محمود محمد طه.