خالد فضل "عرش الرئيس بات لا يأمن أحدا فكرّس في يديه السلطات! ولأنّه يعرف نوايا قومه وأساليب غدرهم وخيانتهم, تولى الأمر بمفرده , ليحمي فسادا نشأ وترعرع بين يديه ويجري بين قدميه"

   يذكر السودانيون ممن عايشوا أخريات عهد مايو (69_1985م) أنّ رئيس النظام وقتذاك المرحوم جعفر النميري قد استبد بالحكم , وتم تكريس سلطاته بشكل مطلق بعد أن تم تهميش واقصاء المؤسسات التي صنعها النظام نفسه. وبالطبع كلّما تم تكريس السلطة في يد فرد دلّ ذلك على ضعفه وليس قوته فالرئيس عندما يفقد الثقة في كل الأشخاص الذين يشغلون مناصب في مؤسسات حكمة يعبّر عن ذلك بسحب السلطات منهم وجعلها تحت ادارته المباشرة , وبالغا ما بلغت قدرات الرئيس فإنه لن يتمكن من ادارة شأن مؤسسة صغيرة بمفرده ناهيك عن ادارة شأن وطن , منهك وفقير ومتخلف عن ركب التمدن والتقدم لعقود وزاده نظام الانقاذ ضغثا على ابالة .

هذه هي حالة السودان اليوم بعد أن تمكّنت جماعة الاسلاميين السياسيين من السيطرة على مقاليد حكمه منفردين لمدة ربع القرن , جربوا خلالها كل الوسائل ومارسوا ما خطر على بالهم وما انتجته عقولهم المحدودة الرؤية وعاثوا فيه فسادا ليس له نظير في تاريخ السودان , ولا أعتقد أنّ له نظير في بلدان العالم قاطبة . لم يعد هناك مجال لمزايدة على أيّ من شعارات الاسلاميين التي ظلوا يلوكونها منذ تأسيس حزبهم في أربعينات القرن الماضي , من شاكلة الحكم بما أنزل الله , وتحكيم الشريعة الاسلامية باعتباره حلا لتعقيدات الواقع السوداني , ودون أن يشغلوا أنفسهم كثيرا بتحليل الواقع ومدى قدرتهم على ادارته, فالهم الأساسي بالنسبة لهم لم يكن حلّ مشكلات أو معالجة أوضاع متردية بنهج ثوري وراديكالي إنّما كان قصارى جهدهم يتلخص في التمكين , وبوهم ساذج أنّ تمكين الدين يتم بتمكنهم من السلطة والسيطرة على كل مفاصلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاعلامية والعسكرية , وبعملية آلية .

كما كانت رؤيتهم تقوم على أنّ الحزب القوي لابد أنّ يكون ثريّا ولا يكون الحزب ثريّا الاّ بإثراء عضويته , ولا سبيل للثروة عن طريق الكدح فليكن عن طريق الاستيلاء على البلاد وثرواتها , هكذا لخصّ د. التجاني عبدالقادر (أحد قيادات تنظيمهم منذ السبعينات) مفهوم التمكين لدى جماعته . وهو الأمر الذي عايشه الشعب السوداني لحظة بلحظة وما هو عنه بالحديث المرجّم .

   تمخضت عمليات التخريب الممنهجة والعشوائية عن انهيار كلّ مؤسسات البلاد , الخدمية والاعلامية والسياسية والاقتصادية والانتاجية , ولسبب واضح , ذلك أنّ الفرد منهم وفي اطار سياسة التمكين يقاتل من أجل أن يستولي على نصيب من كيكة السلطة ومناصبها وينال بالتالي حظوتها وامتيازاتها ومخصصاتها , فيظل شغله الشاغل , ليس مهام وواجبات المنصب بقدر ما يشتغل على كيفية المحافظة على المنصب وعلى عائداته المادية في المقام الأول والمعنوية تاليا , فالثراء ومستوى المعيشة وتأثيث المنازل للزوجات المتعددات يحتاج الى دخل عالي ولا يتحقق الدخل العالي الاّ بالتشبث بمنصب يدر دخلا عاليا مباشرة عن طريق المخصصات والبدلات والسفريات والنثريات , وبصورة غير مباشرة عن طريق العمولات والتسهيلات والهبرات , فالموظف منهم , وعلى جبينه غرّة الصلاة , واللحية الزيف , ونغمة الهاتف الدعاء , وصيام الاثنين والخميس , تكفيه عن شهادات تأهيل وقدرات وخبرة في المجال , وتجلب له في ذات الوقت الأموال , وطريق التسهيلات مفروش ومحروس بنظرية غطي لي وبغطي ليك وشيلني وبشيلك , فجماعة الجمارك عليهم تمرير شحنات جماعة الأمن الشعبي , وجماعة الضرائب واجبهم الزود عن ثروات جماعة القصر , وشلة البنوك عليها تمويل عصابات المخدرات وتجّار الأسلحة , والأجر على الله , وفي سبيل الله , ولا لدنيا قد عملنا , وفيالق الشباب المطاميس الأنقياء في بادئ الأمر يظنون أنّ الاسلام يقوم هكذا بموتهم في ساحات الفداء , ثمّ لمّا اكتشفوا اللعبة خاضوا مع الخائضين فصار الشاب منهم لا تلمس قدماه الأرض مشيا بين محطات المواصلات وصارت لغتهم شيكات وأنسهم صفقات وقروشهم بطاقات صرافات , لم يسمعوا بمظنة قروش الا هجموا عليها بنهم وشراهة مثل شراهتهم للأكل الفاخر , والنساء الجميلات ولو كنّ في عمر بناتهم , فيغدقون الملايين مهرا , ويحجزون أفخم الصالات للزيجة الثالثة , بينما يموت الاطفال بردا وجوعا وشقاء في دارفور والجبال والنيل الأزرق وتقتات الطفلة من تلّ القمامة في وسط الخرطوم . هولاء هم الاسلاميون وحصادهم بعد ربع القرن من التمكين , فمكّنوا للفساد والانهيار القيمي والأخلاقي والمهني , وتم تدمير متعمد للقوات المسلحة والشرطة وتأسيس جهاز أمن يحمي العرش من الانهيار , ومنحت كل السلطات له ليحمي عرش الرئيس الذي بات لا يأمن أحدا فكرّس في يديه السلطات ولأنّه يعرف نوايا قومه وأساليب غدرهم وخيانتهم , ووحشيتهم وبأسهم الذي بينهم شديد فتولى ,وهو في السبعين من العمر وبعد خمسة وعشرين عاما من الهدم في البلد تولى بقية الشوط بمفرده , لا ليعمّر خرابا ولكن ليحمي فسادا نشأ وترعرع بين يديه ويجري بين قدميه , فهل هنالك علامات ضعف أكثر من هذه ؟ وهل الدولة القوية تقوم على الاكراه وجبروت جهاز الأمن الغاشم بسلطات مطلقة , بحيث يقلق مضجعه صوت صحافي ناقد ومسيرة نساء صامتة وتعليق كاتب في الانترنيت ومطلب طلاب عادل وورشة عمل هادئة واحتفائية خافتة وحلقة قراءة راتية , هل من علامات الضعف أم القوة للنظام اخماد الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية واصدار الاحكام التعسفية واعتقال القيادات السياسية والمدنية , واطلاق يد الجماعات الارهابية ودعوات السلفية المتخلفة ونشر ادبيات الجهل . أي قوة يمتلك هذا النظام غير شراذم المرتزقة والمكريين بالمال الذين دمّر لصالحهم مؤسسة الجيش على علّاتها الا أنه لم تكن هنالك في يوم من الأيام حاجة لقادتها لترديد نماذج من قبائل المنتسبين لها كما فعل قائد جيش الأمن فرع الجنجويد حميدتي وهو يدافع عن جنجويده , بأنّهم يضمون قبائل عديدة , فهل هذا عنصر قوة أم علامات أفول ؟