كتب الدكتور غازي صلاح الدين رئيس حركة "الإصلاح الآن" مقالة بعنوان" نماذج من مأسسة الاستبداد" نشرت بموقع "الجزيرة نت" صوب فيها نقدا لاذعا للمؤتمر الوطني، فرد عليه الأستاذ صلاح شعيب بمقالة بعنوان"استبدادية غازي صلاح الدين القديمة"

فيما يلي نص المقالتين  

من نماذج مَأسَسة الاستبداد

د.غازي صلاح الدين

أول مرة أذهب في إجازة طويلة (ثلاثة أسابيع) قصدت منها إصحاح ما اختل من كيمياء الجسد، جرّاء ما اختل من كيمياء النفس، جرّاء ما اختل من شأن السياسة والحياة العامة.

كنت أخطط للبقاء أسبوعين لكن عديداً من الأهل والأصدقاء نصحوا بأن أبقى مدة أطول. “لا تعجل، فلا شيء في السودان يتغير”، قالوها كلهم. لكن السودان -في نظري- قد تغير، أو هو في مسار تغيير إلى الأسوأ.. يا حسرة!!

“انقلاب دستوري في وضح النهار”، هذا هو الوصف الأمثل لما أجراه البرلمان من تعديلات دستورية مؤخراً. التهليل والتصفيق من بعض الأعضاء، وخطب التزيين المزيفة من سياسيين ذوي أسماء كبيرة، قصد منها أن تضفي على التعديلات الانقلابية مشروعية مفقودة. حمدت الله أن أخرجني من هذه المحنة.

قيادة المؤتمر الوطني تكرر تاريخ الفشل في تجارب الأمم الأخرى. شاوسيسكو وبن علي وأمثالهم كانوا يفعلون ذلك أيضاً، كانوا لا يميزون بين المصلحة العامة ومصلحة أحزابهم ثم مصالحهم الذاتية الضيقة، فلما ذهبوا ذهبوا تشيعهم اللعنات، ولم يذكر لهم أحد جميلاً في بناء قاعدة صناعية أو إنشاء بنيات أساسية (طرق وجسور).

الانقلاب الدستوري الكاسح والقفز الفوقي عن كل مكتسبات تجربة الحكم والإدارة في السياسة السودانية، يبرره قادة المؤتمر الوطني بأن ترشيحات الولاة داخل أجهزة المؤتمر الوطني عكست ممارسات قبلية مرفوضة. “عمرة” دستورية كاملة ونكوص عن كل التراث الدستوري بسبب أخطاء المؤتمر الوطني وتشجيعه للصراعات القبلية.

ولكن، ما شأن الشعب السوداني بهذا؟ وما ذنبه؟ كيف يطمر كل ذلك التراث الإداري والسياسي بجرة قلم لأن المؤتمر الوطني -باعتراف قادته- قد ساق البلاد إلى حافة الحرب الاجتماعية. ولماذا دائما عندما يخطئ ابن المدير يصفع ابن الخفير؟

لا عجب إذن أن يصرح السيد الرئيس بأن المشاركة في الحكومة القادمة ستكون حسب مشاركة الأحزاب في الانتخابات. وهذا يعني أن الحكومة (هذه أو القادمة) هي حكومة المؤتمر الوطني، ولا حاجة لانتظار النتيجة التي قد تكون نظرياً -نظرياً يعني- أن يفوز بالرئاسة شخص آخر غير الرئيس الحالي ويشرك من يشاء في حكومته.

“”

إذن العقدة تجاوزت ما يدعيه البعض -وشخصنا الضعيف من بين هؤلاء- من أن الرئيس لا يمكنه الترشح لاستكماله الدورتين حسب الدستور -بل حسب النظام الأساسي للمؤتمر الوطني نفسه (تنازلنا عن الحديث عن خمس دورات)- إلى أن الرئيس هو أجدر من يترشح، حسب ما تقوله لنا الهيئات والمسيرات الشعبية لدعم ترشيح الرئيس المدعومة مالياً بدورها من مصادر شتى لن تكون متاحة لكل المرشحين المساكين الآخرين؛ وإلى أن الرئيس هو الرئيس حتى ولو لم تجر الانتخابات.

وباختصار، الحكومة هي حكومة المؤتمر الوطني تمضي في تطبيق برامجها “إلى أن يرث الله الأرض وما عليها”، كما صرح بذلك بعضهم مؤخرا.

الانقلاب الدستوري الأخطر هو ما جاءت به النصوص الخاصة بجهاز الأمن. كأنما أراد مؤلفو هذه النصوص “فرك الملح في الجرح”، كما يقال. فالشكوى والنياحة من كل القوى السياسية -بمن في ذلك كثر داخل المؤتمر الوطني- هي من اتساع سلطات وتفويضات هذا الجهاز الذي ينتشر في كل المساحات الشاغرة والمشغولة في الدولة.

رغم أن النص كان باتفاق المشرعين بعد اتفاقية السلام على أنه “خدمة”، ويفترض في الخدمة -كالخدمة المدنية- أن تكون محايدة تجاه كل الأفراد والتنظيمات. لم يشبع ذلك قادة المؤتمر الوطني فأرادوا أن يصنعوا خلقاً جديدا بأنياب وأظافر أشد كلْماً وأعمق جراحة.

جهاز الأمن الآن تعدى كونه جهازاً لخدمة الوطن والمواطنين إلى جهاز نظامي صريح. صارت له مهام قتالية، وهذا مأخوذ من اختصاصات القوات المسلحة. وصارت له سلطات اعتقال وتحقيق واسعة، وهذا مأخوذ من اختصاصات الشرطة. وهو أصلا كان مصمماً باختصاصات سياسية.

إذن هو الآن جهاز يملك أن يعتقلك لآرائك وأفكارك ونشاطك وعلاقاتك السياسية، دون إبداء الأسباب. وهو يملك أن يقاضيك -ربما في محاكم خاصة- ويملك أن يقاتلك فيقتلك في ميدان المعركة، وكل ذلك من منطلق الدوافع السياسية للذين يديرونه ويتحكمون فيه..

وهنا مربط الفرس: من الذين يتحكمون في جهاز الأمن ويلجمون سطوته؟ فالقوات المسلحة خاضعة للمراقبة البرلمانية عبر وزارة الدفاع، ولها قضاؤها الخاص الذي يصدر بقانون من البرلمان. والشرطة خاضعة للرقابة البرلمانية والقضائية. أما الأمن! فلا أحد سوى الرئيس. لا يمكن للبرلمان أن يستدعي مدير جهاز الأمن أو أياً من ضباطه للمساءلة. هو فقط تحت سلطة الرئيس.

وإذا علمنا أن لجهاز الأمن امتدادات شعبية واسعة على مستوى القاعدة فسندرك أن هذا هو الحزب الحقيقي الذي سيحكم السودان في المرحلة القادمة، ولن يتاح حتى لحزب المؤتمر الوطني المسكين -الذي ساق نفسه والسودان إلى تلك الهاوية- أن يوقف نمو الوحش. إنه -ويا للهول- الاستبداد الجديد المؤسس!

إنه لمن المؤسف أن هذا الانقلاب قد جرى تحت غطاء الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس أوائل العام الماضي. الآن توقف الحوار عملياً، وتآكل رصيد الثقة بين الرئيس وشعبه رغم مسيرات التأييد التي يعرف العالم كله كيف تصنع وتمول.

القوى السياسية كلها تعيش عهد الرعب وتنظر أمامها مقصلة روبسبير. السيد الصادق المهدي لا يستطيع دخول السودان ولذا هو باق في الخارج لأسباب مفهومة. سياسيون آخرون مرموقون تحت الاعتقال. لجنة السبعة زائد سبعة صارت درداء، أي فقدت ما كان لها من أضراس، ولا تطمع حتى في أن يرثى لحالها الرئيس ويقابلها ليسمع منها.

الرئيس قد قضى وطره منها ومن الحوار الوطني ويعد نفسه لرئاسة جديدة، إن كانت بانتخابات فهو ألذ، وإن كانت بغير انتخابات فهو جائز. من يجرؤ أن يعترض على كل حال؟

كنت أداوم على القول بأن السياسة في السودان قبل أكتوبر/تشرين الأول لن تكون كالسياسة بعده. وكان السؤال الذي يأتيني: ولمَ؟ كنت أرد بأن المؤتمر العام للمؤتمر الوطني الذي سينعقد في أكتوبر/تشرين الأول سيوضح لنا مبهمين: أولاً، هل سيترشح الرئيس مرة أخرى رغم وعده الصريح بعدم الترشح؟ وثانياً، هل سيقدم المؤتمر الوطني مشروعاً إصلاحياً أو تجديدياً؟

الإجابات كانت فجة وواضحة: أولاً، الرئيس قد ترشح حتى دون قدر ضئيل من التمنع يناسب تأكيداته السابقة. ثانياً -ويا للأسف- المؤتمر الوطني الذي كان أمل القوى الإسلامية في السودان وخارجه هو الآن بلا مشروع حضاري، أو مشروع سياسي وطني، أو حتى مشروع إصلاحي محدود.

التجربة انتهت إلى ما انتهت إليه معظم التجارب السياسية العربية: نظام حكم استبدادي تدور فيه البلاد ومن فيها حول شخص واحد.

نظام لا يراهن على مساندة شعبه وعدالة سياساته ورشد حكمه بمثل ما يراهن على ملل الجماهير من أقاصيص الربيع العربي، وعلى انقسام القوى الدولية بعد أحداث أوكرانيا، وعلى بعض تكتيكات إقليمية. وتبقى الكلمة الأخيرة -عند الحاجة- هي للبطش والتنكيل.

أيها السودانيون: شدوا الأحزمة، فقد جاءكم الاستبداد مُمَأسَساً كما لم تروه وتعهدوه من قبل، فإمّا أن..، وإمّا أن..، والمعنى واضح.

================================

استبدادية غازي صلاح الدين القديمة

صلاح شعيب

يمنح لقب المفكر، والموسيقار، في بلادنا للأشخاص المعنيين هكذا بلا هوادة، أو معيارية، أو روية. فيكفي أن تكتب مقالين، أو كتابا واحدا، أو تقدم لحنين وأحيانا لا تحتاج إلى كل هذا التأليف – ثم يمنحك المريدون واحدة من هاتين الدرجتين الرفيعتين من التقدير. ولكن طائفة المفكرين قليلون في كوكبنا الكبير، وفي مجالنا الحضاري الإقليمي أقل. أما في سوداننا فنكاد أن نحصي المفكرين حقاً بأصابع اليد الواحدة. فالمفكر هو ذلك الشخص الذي تيسر له تقديم مساهمات مميزة عبر مشاريع فكرية خلقت ثورة في إمكانيات التأمل الإنساني النوعي، والذي تستلهم منه المراكز الأكاديمية، والمثقفون، والمهتمون. وتشكل رؤى المفكرين الأصلية، أو النقدية، فتحا في مضمار التفكير، ذلك الذي يمثل مرجعية لا غنى للدارسين، والباحثين، عنها.

وبالضرورة فإن خيال التفكير الذي ينتج المفكرين هو ذاته الذي يفجر قدراتهم في التحديث اللغوي. ربما كان الدكتور غازي من المحظوظين الذين منحهم المريدون الدرجة، ثم صدق أنه مفكر بالفصاحة، أو اللباقة، والقدرة علي تحوير معطيات الحقائق الماثلة عيانا. وايضاً ربما صدق حزب غازي السابق ذلك التقدير الأدبي حتى كان يدفع به قبل عامين لأداء المهام الجسام التي تفترض إعمال الذهنية المتقدمة في سوانح التخطيط، والتفاوض، والمناظرة.

ومع ذلك فإننا إذا تتبعنا إنجاز غازي عبر هذه المناشط السياسية لكفانا واقع الحركة الاسلامية، والبلد، وهذيانه السياسي الجديد، من تلمس نتيجة تلك المهام التي عهدت إليه، ونذر نفسه إليها. فهو بالهالة الفكرية، والسياسية، التي صنعت له لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى، غير التوقيع نيابة عن السودانيين الشماليين علي تقرير مصير الجنوب، ولعل الباحث المرموق د. سلمان محمد أحمد سلمان وضح هذا الدور عبر مقال مطول نشره في الصحف السودانية.

ولقد وقفنا علي بعض آثار تفكير للرجل فوجدنا كاتبا عاديا يستخدم لغة هي أقرب إلى لغة شيخه الغامضة. إنها مليئة بالجناس، والطباق، وغيرها من أساليب حشو اللفظ التي تجاوزتها كتابات المفكرين المعاصرين، والتي استفادت من اللغات الإنسانية الحديثة التي نقيت من الحشو الذي يحجم انطلاق الذهن في التبيين، ويكبل انطلاق قريحة الخيال الفكري. أما أسلوب المنفلوطي، وطه حسين، والمازني، الذي ما يزال يلقي بظلاله علي كتابات كثير من الإسلاميين، فتلك مرحلة أدبية خدمت نفسها كل الخدمة، ولعل ذلك الأسلوب الذي يعتمد علي كتب التراث لا يناسب رواة، وشعراء، بلادنا الذين يرجون الاعتراف الأدبي.

ولقد كان خطاب “الوثبة” الذي خلا من التبيان، والاستطراد في توضيح المرامي التي قصدها رئيس النظام، جزء من ذلك التوهم البلاغي الإسلاموي في تأصيل الخطاب السياسي علي هدى لغة القرآن الكريم. وربما يعود فشل معظم الإسلاميين في كل حقول الإبداع إلى فقرهم في تحديث اللغة الإبداعية، بالإضافة إلى سبب مخاصمة نظريتهم مجالات الثقافة والفنون التي لم يقدموا لها شيئا حديثا بطبيعة الحال. ويكفي أنه لم يفرز مشروعهم الحضاري جماعة منهم يشار إليها بالبنان في قائمة المفكرين، أو الصحافيين، أو الشعراء، أو الروائيين، أو كتاب القصة، أو المسرحيين، أو السينمائيين، أو الموسيقيين والمغنيين، أو التشكيليين، أو النقاد.

وغازي الذي تم تسويقه كمفكر اكتشف الآن فقط استبدادية الغرس الذي شارك فيه برغم أنه هو غازي رئيس الهيئة البرلمانية للمؤتمر الوطني التي أعدت، ثم ابتزت الحركة الشعبية، فمررت قانون جهاز الأمن والمخابرات الذي أسس لاستبداد مرحلة ما بعد نيفاشا. وهناك غيرها من القوانين الحاجرة للرأي الآخر، والموطنة لسلطة الكبت، والاستبداد، التي شارك فيها. وهو ذاته غازي الذي تولى الاستراتيجية الحربية للتعامل مع دارفور عقب توقيع وثيقة الدوحة، فقتلت من قتلت، واغتصبت من اغتصبت. وهو غازي نفسه الذي ناظر الدكتور الشفيع خضر قبل عامين ممثلا للحكومة، ويومذاك كابر أمام خضر وعارض القول بأهمية إطلاق الحريات، وأطنب في الدفاع عن مناخ الحرية المتوفر آنذاك، والذي ظن أنه يساعد علي إجراء حوار وطني مع القوى السياسية.

كل هذه المهام التي بذلها “الرجل المفكر” حتي وقت قريب جداً، ورسخت الاستبداد لم يكتشف مغازي خطلها، ناهيك عن اكتشافه العديد من الممارسات الشانئة التي سنها النظام طوال ربع قرن، وكان هو أكبر معين للتفكير الذي أوجدها. وإن كان غازي هو حقاً المفكر الحصيف الذي يستقرئ الأحداث ببصارة معهودة في المفكرين، ألم يفطن إلى أن مشاركته الفاعلة في تخطيطات النظام ستورث استبدادا بالضرورة؟.

إن واحدة من أسوأ تجارب الحياة السودانية هي أن معظم الذين يقودون مجالاتها العديدة متواضعون في فهمهم مثل من يتمشدقون بالإصلاح الوطني. ولكن طبيعة علاقة النخبة السياسية، وحيازة السلطة، هي التي تفرض هؤلاء الأشخاص. فما الذي يميز غازي وسط الآلاف من أبناء جيله الذين يرغبون في حل قضايا البلاد؟ فهو ليس أفضل من هؤلاء الآلاف في التأهيل الأكاديمي، وفي المعرفة بالحلول السياسية لمشاكل السودان. وليس هو أكثر المثقفين صدقا، أو أرسخهم تجربة في وفائه للوطن من خلال عمله السياسي، أو مهنته. بل ليس هو ذلك الذي يتفوق عليهم في العطاء الإيجابي عبر ساحات العمل العام.
إنه ليس إلا صنيعة الايديولوجية التي تعاقب الآخرين من أبناء الوطن، وذلك بحرمانهم من التوظيف، وتكوين مؤسسات المجتمع المدني، وإيجاد سبيل ميسر للرزق الحلال، وحرمانهم كذلك من العيش داخل وطنهم بكل حرية، وكرامة. ولعل استثمار غازي لاسمه الذي خلقه في زمن الاستبداد، والغثاء الايديولوجي، هو كل رأسماله إن لم يكن مؤهله الذي ميزه وسط أولئك الآلاف من أبناء جيله الذين شارك في الصمت إزاء تعذيبهم، واعتقالهم، وتهجيرهم من بلادهم.

إن هذا الشعب الذي ساهم غازي، وجماعته، في تحطيم وحدته، ونسيجه الاجتماعي، وتشريد، وتكميم مواطنيه كل هذه الفترة يستحق ممن ينادون بالإصلاح الاعتراف أمامه بوضوح أن فكرة الإسلام السياسي قد دمرت إمكانيات السودان، وأن الأولوية إنما لمقاومتها نظريا، وسياسيا. وهذا الشرط هو أقل ما يطلبه الناس من الإصلاحيين الذي لم يواجهوا حتى الآن بأسئلة تتعلق بحجم مشاركتهم الشخصية في تهيئة البيئة للتعذيب، والقتل، والفساد المالي، واستغلال الوظيفة العامة، وغيرها من الجرائم التي يعاقب عليها قانون الديموقراطية.

بغير ذلك الاعتراف، وليس هو بالضرورة اعتذار، سيظل كل ما يفعله غازي، وحزبه، يندرج تحت سبل الالتفاف التي وفرتها لهم التربية السيئة داخل التنظيم، وبرعوا فيها كنوع من التدليس الديني، والسياسي. أما أن يروا أن الأزمة تكمن خارج الإسلام السياسي، وتحمل مسؤوليتها كلية لتجربة البشر فحسب، فذلك ما يجب ألا ينطلي علي ذهن عامة الشعب إن انطلى على بعض القادة المعارضين. فالإصلاح الحقيقي هو إعلان تخليهم عن المرجعية الفكرية التي جعلتهم يفارقون تنظيمهم للبحث عن طوق، وطرق، نجاة عبر مجهودات خداع أخرى، والتي يغطون بها عورات الإسلام السياسي، مستخدمين في ذلك تكتيكات تحالفية لخداع القوى السياسية حتى تطبع معها العلاقات الاجتماعية ريثما يجد جديد.

إن للمراجعات الفكرية شروطها، وواجباتها. وللإصلاح طرقه الواضحة بما لا يثير الجدل العقيم. فأولى شروط المراجعة الإسلاموية هو النقد الجرئ للفكرة الأيديولوجية التي استند إليها الإصلاحيون، والذين من واجبهم أن يجيبوا عن سؤال المليون:هل أن الفكرة الإسلاموية مضللة أم أن الضالين هم حملة مشعلها؟، وإذا كانت الازمة في الفكرة التي قادت البلاد إلى الاستبداد إلى طريق مظلم لربع قرن، فهل من الجدير بغازي، وصحبه، إعلان التخلي عنها، وفضحها أم السكوت؟

أما بالنسبة للإصلاح المجتمعي فله واجباته، ومقتضياته. فمن شروط الإصلاح تبني طريق آخر خلاف الذي أدى إلى هذا الخراب. وإذا كان كل هم جماعة غازي قيادة المجتمع كله نحو الطريق الجديدة للإصلاح إذن فلا بد لهم من رصد جذور الخراب حتى يتسنى للمعارضين الاستلهام منها لرسم خريطة طريق تمثل مرجعية للإصلاح الجديد وفقا لشواهد الرصد.

ولكن. فموضوع غازي، وهؤلاء السياسيين، والإعلاميين، الذي وجدوا فجأة سانحة للقفز من سفينة الإنقاذ ليس هو المراجعة، أو الإصلاح. فهذا المجهود الجديد الذي يبذلونه هو إنما تحايل دون إعلان فشل فكرة الإخوان المسلمين في إقامة دولة الإسلام. إنهم يرغبون بخفة في أن يمنحهم أهل السودان فرصة أخرى لتطبيق الفكرة بشكل حسن كما يتصورون، ولكن ليست لديهم الشجاعة، والصدق، لإعلان ذلك بوضوح. إنهم يريدون أن يجدوا لأنفسهم مقاعد في التغيير الآتي، والذي يدركون أنه سيطال المفسدين، ويحجم دور من يدعون إلى أسلمة الدولة. والحال هكذا فسيكون من الصعب جدا لغازي، والقافزين من السفينة الغارقة أن يجدوا من يصدقهم مهما هاجموا زملاءهم أصحاب المشروع، وغضوا الطرف عن ديباجة المشروع نفسه. إن المعارضة الحصيفة لا تريد من الإصلاحيين ـ إن كانوا جادين ـ التركيز على مهاجمة زملائهم الذين لم يختلفوا عنهم في شئ، فليس هناك جديدا يمكن أن يقدموه في هذا المجال، وقد كفهم المعارضون مؤونة فضح رموز النظام، وسياسته. فهم لو كانوا إصلاحيين حقا، ويملكون الزاد الفكري لتقديم مساهمة نوعية لانتشال البلاد لقدموا كتبا، ودراسات، يبينون لنا فيها شكل الخراب. إنهم، مع ذلك، مطالبون بكشف دقائق الأسرار التي حاقت بالنسيج الاجتماعي، والخدمة العامة، والعلاقات الخارجية، والمؤسسات التعليمية، والصحية، والنظامية. إن فعلوا ذلك ـ ووجب عليهم الفعل ـ سيقدموا حقا اعترافات مفصلة، ومبينة، بدورهم في تعميق أزمات البلاد. وذلك ما يمنحهم بعض مصداقية في ميلادهم الجديد. أما غير ذلك ستظل هناك فجوة المصداقية بين غازي وجماعته، من جهة، والشعب، من الجهة الثانية، والذي دمروا قدراته، وقتلوا خيرة شبابه، وهجروه بالملايين، واهانوا كرامة من بقي في دياره.