عمرو محمد عباس محجوب أي كتاب يصدر في الساحة الثقافية والفكرية، اضافة نوعية للمجتمع والكاتب. ويتم في ارجاء العالم الاحتفاء بها، وتنظم حولها الحلقات، وتناقش في اندية الكتاب، ولها جمعيات متنوعة تتناولها وتعرضها. 

عرض، تحليل ونقد الكتاب هو جزء هام ومكمل لعملية الاصدار، وهو هام للكاتب الذي يساعده هذا النشاط في تطوير افكاره وآلياته، وهو اكثر اهمية للمجتمع ليغتني من الافكار الجديدة والمبدعة، يصلح مساراته ويطور من تطلعاته.   

صدر عن مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، كتاب دراسات في الاقتصاد السوداني في اواخر عام 2014، وتوفر في المكتبات. شملت الاصدارة 9 مقالات (الزراعة، الصناعة التحويلية، مياه النيل ومشروع الجزيرة، الخدمات الصحية، تمويل التعليم العالي، الحركة النقابية، التخطيط الاقتصادي، الديون واهمية التعاون الدولي). الكتاب في 260 صفحة من القطع المتوسط، طباعة جيدة وخط مقروء.

وتم الاصدار بتعاون ومشاركة مع مؤسسة فريدريش ايبرت الالمانية، وهي من المؤسسات القديمة والمعروفة في السودان، بدأت  عملها عام 1975، وهي نشيطة في مجال التعليم العالي، تشجيع البحوث للشباب واحياناً توفير المنح الدراسية وتسعى لتعزيز وترقية السلام، الديمقراطية، حقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية-الاجتماعية العادلة والاستخدام  المستدام للبيئة في السودان. وتدعم المؤسسة مناشط يقوم بتبنيها شركاء سودانيون من كافة الأصول الإقليمية، الثقافية والاجتماعية وتتعاون مع المؤسسات الحكومية ، الجامعات ، النقابات ومنظمات المجتمع المدني ( (http://www.fessudan.com.

في هذا الكتاب تناول عدد من العقول السودانية البارعة كل في تخصصه واحداً من الموضوعات الاقتصادية الفرعية، وقدموا افضل إبداعاتهم في رصد الاوضاع الإقتصادية، تفحص مشاكلها وكثير من الافكار حول كيفية مساهمة المواضيع الإقتصادية الفرعية في رفع قدرة البلاد وتحقيق نموها. وقد جاء الكتاب كما جاء في مقدمته، مواصلة لبعض تجارب مستقرة في الدراسات التي تندرج تحت ثيمة واحدة من مثل دراسات د. سعد الدين فوزي، د. علي محمد الحسن، بعض اصدارات كليه الدراسات الاقتصاديه والاجتماعيه، جامعه الخرطوم في السبعينات والثمانينات، والتي واصلها حيدر ابراهيم في اصدار دراسات عن مؤتمرات مثل الديمقراطية والتغليم العالي وغيرها.

التزم الكتاب، ايضاً، بهدفة في سد النقص الكبير في المكتبة الاقتصادية السودانية، وتلبية حاجة ملحة لطلاب كليات الافتصاد والدراسات العليا والباحثين بشكل خاص، وتوفير مراجع لرجال الاعمال والصحافيين والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقراء والمهتمين بشكل عام. وسوف تصدر جزءاً ثانياً في الجوانب التي لم يغطها الجزء الاول.

تناول د. صلاح عوض – وهو من ذوي الخبرة الكبيرة في قضايا الزراعة في السودان، وعمل في مؤسساتها المختلفة- الزراعة من جوانبها التاريخية حتى الوضع الراهن ورسم ملامحها الرئيسية، وختمها بتقديم مدخل للتنمية المستدامة بشكل عام (محاربة الفقر، اعادة التأهيل، ادوار القطاع التعاوني والتقليدي). مواصلة لقطاع مرتبط بالزراعة، تناول احمد محمد حامد – من كلية الاقتصاد في الجامعة الاهلية- الصناعة التحويلية، في دراسة ربما تكون الاولى في هذا المجال. ارتكزت على دراسة دكتوراة في نفس المجال للكاتب، مع تحديثها ورصد تطورها.

قدم د. سليمان محمد احمد سلمان – خبير قانوني دولي معروف، عمل بالسودان وانتقل بعدها ليعمل مستشاراً بالصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وعمل مستشاراً لقوانين وسياسات المياه بالبنك الدولي بواشنطن حتى تقاعده عام 2009– سرداً تاريخياً وسياسياً لكافة قضايا مياه النيل النيل في علاقتها بمشروع الجزيرة والاقتصاد السياسي بشكل عام. في كتاباته العديدة قارب سلمان من صياعة رؤية حول مياه النيل، وواصلها في هذا المقال، وسوف تكتمل الرؤية المرجوة عندما يتناول قضبة المياه في السودان  (النيل، الامطار، المياه الجوفية وكيفية بناء الرؤية التنمويه حولها، هذا سواء منفرداً او عبر مجموعة ذات اهتمامات مشتركة.

ربما اختلفت دراسة د. عمرو محمد عباس محجوب عن الخدمات الصحية (طبيب صحة عامة عمل في السودان وعدد من الدول، ثم التحق مستشاراً اقليمياً بمنظمة الصحة العالمية حوالي العقد، بعد تقاعده يتناول – كاهتمام اساسي- قضايا الرؤية)، أنها اهتمت اكثر بطرح رؤية، وناقشت خيارات التغييرات المطلوبة لتستجيب لمطامح الوطن والمواطن. وفي نفس قضايا الخدمات قدم د. ابراهيم محمد ابراهيم (وكيل لجنة التعليم العالي في السبعينات) رصداً لمشاكل تمويل التعليم العالي في السودان، قدم تجارب عالمية من امريكا، الصين، ماليزيا وجنوب افريقيا وقدم توصيات حول الموضوع.

جاءت دراسة محمد على خوجلي – وهو باحث في مجال القوانين العمالية وعلاقات العمل- كاضافة هامة، مركزة وتحوي معلومات غزيرة حول كافة القوانين المنظمة للعمل والنقابات وتابع تطورها وتعديلاتها والتحدبات التي تواجهها حريات وحقوق العمل والنقابات. شارك شباب البحاثة في الكتاب. تناول د. طه محمد بامكار استاذ الجامعة الاسلامية، موضوعين لايتم التطرق لهما في العادة. بعد دراسات سيد نميري، د. علي عبد القادر عن التخطيط في السودان، تصدى بامكار لتاريخ التخطيط الاقتصادي في السودان منذ بداياته، الانشطة والتحديات. الموضوع الاخر، أيضاً هام وحيوي وتناول الديون السودانية. رصد معاوية الامين الاحمر – الخبير في مجال التعاون الدولي – اهمية التعاون الدولي في التمية الاقتصادية والاجتماعية في السودان.

من دراسة الحالة إلى الرؤية

بعكس الكليات الجامعية والتي تهتم بالاصدارات المرجعية، تنشأ مراكز الدراسات، بفضل استقلاليتها النسبية، علاقاتها مع البحاثة، المثقفين والمفكرين وسبل التعاون مع المنظمات الدولية والمراكز المتنوعة، لتكون مخزن افكار “think tank“، تؤسس للتأثير في السياسات والاتجاهات العامة لمتخذي القرار، قادة الرأي العام والدولة بشكل عام.

التزم الكتاب بهدفة في سد النقص الكبير في المكتبة الاقتصادية السودانية، وتلبية حاجة ملحة لطلاب كليات الافتصاد والدراسات العليا والباحثين بشكل خاص، وتوفير مراجع لرجال الاعمال والصحافيين والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقراء والمهتمين بشكل عام. وسوف تصدر جزءاً ثانياً في الجوانب التي لم يغطها الجزء الاول. جاءت السمة العامة للكتاب في تقديم معلومات موثقة لاكبر حد في ظروف النقص العام لها في السودان. ويمكن وصفها بشكل عام أنها اقرب إلى ما يعرف ب “دراسة الحالة” في كل قطاع مع نزوع محدود لتقديم بعض التوصيات، الاقتراحات حتى التوجهات العامة المطلوبة.

ورغم أن هذه النوع من الدراسات هامة وضرورية، وتسد النقص في توفير دراسات مرجعية، لكنها للاسف غير كافية. فرغم الاف الدراسات التي انجزها علماء الوطن، لم تحقق البلاد تطوراً ونماءاً كما امِلت هذه الدراسات، فهي ربما يتم تجاهلها، او  يتم رفضها او في احسن الاحوال يتم تطبيقها ضد توجهها الاقتصادي الاجتماعي. عمل كثير من علماء التخطيط والإستراتيجيات في مؤسسات الدولة، جامعاتها، وأسسوا مراكزاً على طول السنوات، بل عملت الانقاذ على “الإستراتيجية الربع قرنية”. 

حاول د. عمر ياجي  في  كتابه “رسالة الامل: رؤي حول مشروع النهضة السوداني”، و د. عمرو محمد عباس محجوب في كتابيه “الرؤية السودانية: انتاج الفشل” و “الرؤية السودانية: نحو اطار عام للرؤية”، احداث اختراق في نوع الدراسات التي تخاطب الفكر الذي  يغير من ثقافة بنية الدولة ومؤسساتها، تؤثر بشكل فعال في التيارات الرئيسية، للاتفاق على رؤية بناء الوطن، وتبلور إرادة سياسية تلزم بما يتم الاتفاق عليه في كل مراحل الحياة السياسية. هذا العمل في بدايته، وسوف يكون الكتاب الاول والثاني، بما يوفر من معطيات علمية وبحثية مرجعية من مفكرين سودانيين مرموقين، مقدمة هامة في سبيل التحول لانجاز كتاب الرؤية الاقتصادية.

اتقدم هنا باقتراحي لمركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، أن تبدأ بعد إنجاز الكتاب الثاني، في دعوة كافة الكتاب الذين ساهموا فيهما للجلوس سوياً للتفكير ملياً في كيفية ربط هذه الموضوعات القطاعية المتفرقة في سياق استراتيجي، ما يمكن تسميته “فلسفة التنمية” في كافة مراحلها المختلفة “من البرامج الاسعافية، المدى القصير، المتوسط والبعيد”.