بقلم: أمين عمر سيد احمد ظللت ومنذ تنفيذ الضربة الإرهابية التي طالت مركز النور، باريس، في حالة غضب لا يوصف. زاده فوراناً على فوران تبريرات مستفزة، رغم جدّيتها البادية، 

تتطلب الوقوف عندها؛ وأخرى طفولية من فرط تعودنا عليها لم نعد نعيرها اهتماما. فالتبريرات المستفزة، وبعد أن تؤكِّد إدانتها للعنف إبتداءاً، لا تجد سبباً لمثل هذا الحدث الكوني الرهيب غير عَزوه لسلوك الصحيفة المستفز لمشاعر المسلمين بتصويرها للرسول (ص) بشكل كريه وغير مقبول، أو للسبب الأكبر وهو تعدد مكاييل العالم الغربي في التعامل مع قضايا العرب والمسلمين، وكأن مجتمع هؤلاء العرب والمسلمين مكتمل الإستقامة الأخلاقية والإتساق الفكري.  

أما التبريرات الطفولية، وكعادة مثقفينا، فلابد أن تستند على نظرية المؤامرة الركيكة مرّة أخرى لتنسب الأمر للصهيونية والموساد كما نسبته قبل ذلك لتدمير برجي التجارة العالمي بنيويورك عام 2001. ومعلوم، أن بعض مثقفينا يجدون لذة فائقة عندما يجدون أحد الكتاب الغربيين، على قلة المهرّجين بينهم، يتبنى ذات المنحى المؤامراتي الذي يعشق التشكيك في كل شئ حتى في صحة وصول الناس للقمر! فيتبنون تحليلاته الفارغة على أساس الحكمة الشائعة: وشهد شاهد من أهلها، وكأنه أميراً لصناع الرأي أو  أباً روحياً لخبراء الفكر و السياسة المرموقين. 

لا يهمنا حالياً، وفي هذا المقام، مناقشة مزاعم أصحاب المؤامرة، فهم كأصحاب الشيزوفرانيا، لو جمعت الإنس والجن ليقنعوهم بغير ما يعتقدون فيه لما تغيّر رأيهم إلى يوم الدين. لذا نركّز على آراء أصحاب التبريرات المستفزة الذين يستنكرون ويدينون فعل الإرهاب، وهم أصيلون في إدانتهم تلك بدون أيّ شك لديّ، إلا أنهم لا يرتاحون إلا إذا أضافوا كلمة “لكن” اللعينة ! فعندهم أن ذلك الفعل المنكر إنما هو ناتج عن عوامل شتى منها الإجتماعي كالتهميش الذي يواجهه العرب في أوروبا، أو السياسي كوقوف القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة مع اسرائيل، أو العنصري الذي يتمظهر في تعامل أصحاب البلد الأصليين مع الأجانب الآتين من أفريقيا شمالها وجنوبها. كما يسير بعضها أبعد من ذلك فيهاجم الغرب، ممثلاً في فرنسا في هذه الحالة،  ويشير لتاريخ فرنسا الإستعماري وكأنها تدفع في ثمن إحتلالها لأرض الغير وإستعمارها لهم، وبالتالي يبدو الأمر ظاهرياً وكأن الإرهاب مدان أخلاقياً ومقبول سياسياً! فهم لا يتطرقون، في تعليل هذا الإرهاب، إلى طبيعة الأيديولوجية التي يحملها الجناة إلا نادراً رغم أن معظم المؤشرات تؤكد أن هذه الأيديولوجية ذات الطبيعة التتارية الإنكفائية الماضوية، على أحسن الفروض، لها الدور الأكبر قياساً بالعوامل الأخرى المذكورة أعلاه والتي لا تتجاوز دور العامل المساعد (catalyst). 

ولنأخذ حجج أصحاب النوايا الطيبة هؤلاء واحدة فأخرى لنرى لأي حد كان إستخدام كلمة “لكن” هذه ضرورياً في سياق إدانة هذا الاعتداء القبيح والكارثي:

أولاً:

تُفهم الأفكار والمواقف، وتُقيّم، بدلالات العبارات المستخدمة  وسياقاتها وليس بألفاظها. ففي أي إستنكار لمثل هذه الجريمة، اذا حددت موقفك باعتبار أن مطلق الرصاص، مستبيح الدم، ومسبب الرعب هو شخص مجرم و”لكن”، وفي نفس السياق والمناسبة، بل وفي ذات الوقت، أردفت عبارة أن: الصحيفة أيضاً مجرمة، فلن يفهم ذلك بغير أن هنالك عدالة تحققت بدون محاكمة. ولا تفيد أي بهارات أخرى في إعادة تفسير هذه العبارات لتعني شيئاً غير مساواة المجرم بالضحية، ومعادلة الفعل السلمي، مهما كان دنيئاً ومنبوذاً، بالحدث الإرهابي. وفي الحقيقة تسببت هذه الـ “لكن” في عقاب إضافي للضحية كما هو واضح وضوح الشمس، أي أصبح مقتولاً ومداناً أيضا وكل ذلك بدون محاكمة!

الطريق الواضح والمستقيم والذي يتسق مع الإنسانية والنفس السوية هو إدانة الإرهاب بالمطلق، وبدون ربطه بأي إستثناءات أو شروط. وذلك من منطلق إنتهاكه، أي الإرهاب، للحق الأساسي للإنسان في الحياة والأمان. أما اذا ارتكبت الصحيفة جريمة أم لا فذلك أمر مكانه المحاكم وساحات إبداء الرأي العام المفتوحة للجميع. وهي ساحات استفدنا منها نحن المسلمين أكثر من غيرنا فقد أخرجنا مسيرات بملايين الناس في وقتها؛ وأوصلنا رأينا لكل من يحمل أذنين في رأسه. أما أن تستجيب لنا الدول المعنية أو لا تستجيب فهذا أمر يخصّها، ويخضع لثقافتها العامة، وموروثاتها المؤسِّسة، ونظامها القيَمي، وتوازنات القوى داخلها. أهم من ذلك بالنسبة لحالتنا الإسلامية، مدى حساسية هذه التوازنات ومقدرتها على الإستجابة للمؤثرات الخارجية وبالتحديد رجاءات الضعفاء مثلنا، أولئك الذين لا يملكون من أدوات الضغط غير الشجب والإدانة. وهذا أمر نتحمل نحن مسئوليته بطبيعة الحال. نحن المسئولين عن البحث فيما يمكن أن يجبِر الآخرين على تغيير قوانينهم وفهمهم لحقوقنا وأهمية إحترام مقدساتنا، لكن ليس العويل ولطم الخدود والتبرير للفعل الإرهابي. فنتيجة ذلك خروج الملايين يحملون الرسوم المسيئة وينظرون للمسلمين ككائنات لا تحترم الآخر، مُستفزّة على الدوام، قابلة للغرق في أقل من شبر ماء كما يقول المصريون، مفتقدة للكوابح العقلانية التي تجعلها تقدر كل أمر بقدره، وأن يتناسب رد فعلها مع مقدار الفعل وطبيعته. 

ثانياً:

تؤكد الحقائق الواضحة أن تاريخ هذه الرسومات تجاوز السبعة أعوام حسبما أوردته العديد من المصادر الموثوقة والمحترمة. كما تؤكد المعلومات أن الشيئ الجديد الوحيد هو أن المجلة تخطط لنشر كاريكاتيرات عن زعيم داعش وليس عن النبي محمد (ص). كل ذلك يجعلنا نوجه الإدانة لأصحاب الـ “لكن” هذه لمعرفتهم بهذه الحقائق بيد أنهم يصرون بإجتهاد شديد على التعامى عنها. مما يجعلنا نصر على هذه الإدانة أن هنالك حادثتين إرهابيتين أخريين تمتا من قِبل ذات المجموعة الإرهابية، وفي نفس اللحظات الزمنية تقريباً، إحداهما قتلت فيها شرطية والأخرى قتل فيها زبائن المتجر اليهودي. لقد كان من المفترض أن تذكّرهم هذه الأحداث بأن الأمر ليس أمر رسوم كاريكاتورية، بل أمر قتل أعمى هدفه خلق حالة من الرعب والفزع والشعور بعدم الأمان كأحد الوسائل المستخدمة من قبل التنظيمات المتطرفة لجني منافع تعلمها هي! وهي وسائل متعددة من ضمنها مثلاً ذبح الأسرى بالسكاكين، حتى المسلمين منهم، كذبح الخراف بدلاً عن رميهم بالرصاص.

ثالثاً:

الغرب ليس منزّهاً عن الشرور، وليس معياراً للمدينة الفاضلة. لو تمعنّا في الواقع وبدون سفسطة المثقف العربي، نجد أنه لا يوجد، بل ولن توجد،  قوانين ولا سياسات في هذا العالم، قائمة على التجريد ومصنوعة في الفراغ. فمهما تحدثنا عن التطور السياسي والإجتماعي والأخلاقي والإقتصادي لهذه الدولة أو تلك، فإن الحديث عن مدينة فاضلة لن يتجاوز حدوده مدن الألعاب والتسلية وحكايات الجدات وعوالم فانتازيا والت ديزني. لا يوجد، ولن يوجد عدل مطلق. يوجد شيئ إسمه السعي نحوه، فالعدل المطلق أمر مستحيل مخالف لنواميس الكون، لأنه لو تحقق لأصبحت الحياة بلا غاية وبلا أهداف محفزة أو محرّكة لعجلة تقدمها. بإختصار لإنتهت الحياة ببساطة. وكذلك “الحقيقة” فهي مثل العدل، لا توجد حقيقة مطلقة في هذا العالم بما في ذلك نواتج قوانين الفيزياء. ألم يحقق معجّل الجزيئات الأوروبي (CERN) قبل عامين تقريباً في فرضية وجود سرعة أعلى من سرعة الضؤ؟ فالحقيقة، إذاً،  نسبية.  فما نعتبره صحيحاً اليوم، لن يكون كذلك بالضرورة في المستقبل. والحقيقة، مع نسبيتها، ليست خارجة عن نطاق الوعي الإنساني وتأثيره عليها. أذكر عبارة رائعة للكاتب الطليعي المصري الشهير لطفي الخولي أوردها بتصرف مني: “من لم ينضم لليسار في شبابه فهو إنسان بلاقلب، ومن لم يفارق اليسار في كهولته فهو إنسان بلا عقل”! الدرس المستفاد: في إطار الشخص الواحد، دعك من المجتمع، وناهيك عن كل سكان هذا الكوكب؛ تتغير الأحكام على الظواهر عبر الزمن. فقناعة الشخص وهو شاب تختلف عن قناعته وهو كهل. بمعنى آخر فإن تعريف الحقيقة التي من الممكن أن يقاتل من أجلها عندما كان شاباً، لم يعد نفس التعريف.

وما ينطبق على الأفراد، ينطبق أيضاً على المجتمعات وعلى الدول. فالمجتمعات الإنسانية، وبشكل عام، وبما فيها فرنسا وغيرها، في حالة سيرورة متصلة نحو إعادة الإنسان لفطرته السوية وتشذيب ذاته عبر قمع نوازع الشر الكامنة فيه. مثل النزوع نحو العنف وقهر الآخرين، والتعالي عليهم وإزدرائهم إستنادا على اللون أو المنحدر الإجتماعي أو الطبقي أو ما إلى ذلك. كل ذلك يتم من خلال عمليتي الصراع والحوار الفكريين القائمين على قوة الفكرة وقوة حجة من يحملها ومدى إتساع نطاق قبولها. بهذا وحده يمكننا فهم كيف أن الدول الأوروبية التي كانت إلى وقت قريب تتطاحن مع بعضها، وتسيل دماء أبنائها أنهارا من أجل الإنتصار لفكرة غبية أو للدفاع  عن مجد مهدد؛ تتدافع اليوم للوحدة وتتنادى لدعم الضعفاء منها.

والأمثلة أكثر من أن تحصر. ألم ينجح مجتمع  قائم على إستعباد قطاع منه كالسود في أمريكا، وعبر هاتين الآليتين،  أن ينجز إلغاء الإستعباد المادي، و النجاح في إستئصال الفكرة نفسها من عقول وقلوب الأغلبية العظمى من السكان. أفبغير هذا كان ممكناً وصول رجل أسود للبيت الأبيض برضا الأغلبية؟ رجل كان إلى وقت قريب جداً بمقابييس التاريخ لم يكن متاحاً له، هو ذاته، وبسبب لون بشرته، أن يجلس، يجلس فقط، في مقعد بص عام بينما هناك رجل أبيض في حالة وقوف؟

رابعاً:

يعتبر الربط بين حادثة الإرهاب على صحفيي الصحيفة الفرنسية وبين الرسوم البذيئة الخاصة بالرسول (ص)، محاولة غير موفقة من تلك الأغلبية الساحقة من مثقفي العالم الإسلامي وكتابه. بل أعتقد أنها غير أخلاقية وغير أمينة. فالإرهاب السلفي الجهادي يضرب بعشوائية وبعمى كامل وبهدف واحد هو ترويع الآمنين في أي ركن يمكن أن يصله من أركان هذه المعمورة. ويعمل على إعادة توجيه العلم والتقنية التي يتفوق فيها الغرب لتصبح مهمومة بتحقيق الأمن أكثر من إهتمامها بتوفير الرفاهية والصحة لمجموع البشر. وفي هذا لا أرى إختيار عملية استهداف صحفيي الصحيفة الفرنسية إلا نشازاً أو صدفة. والدلائل أكثر من أن تحصى، أقربها وأبسطها أن نفس مجموعة القتلة إستهدفت وفي نفس الوقت ناس آخرين ربما لم يسمعوا أصلاً باسم هذه الصحيفة من ضمنهم زبائن متجر لا حول لهم ولاقوة. وإذا كان الإرهاب يستهدف المسيئين لعقيدة المسلمين، فما ذنب أولئك الأبرياء الذين التي طالهم الموت في بوسطون من قِبل الإرهابيين الشيشان علماً بأن أمريكا نفسها، دع عنك أولئك الأبرياء، ليس لها صلة بمشكلة الشيشان من الأساس؟ لماذا يختار سادة داعش أن يبعدوا عملياتهم لأبعد نقطة عن إسرائيل إذا كانت قضيتهم فعلا مرتبطة بالإنتقام لما أصاب العرب والمسلمين من مهانة وإستحقار؟  وإذا كان الإرهابيين الأوروبيون المنضوون تحت ألوية داعش، مع عددهم الذي تجاوز العشرة آلاف، ضحايا للتهميش والبطالة فلماذا ينفّسون عن غضبهم على السكان العراقيين والسوريين الأبرياء الذين يشاركونهم نفس الديانة وربما نفس المذهب؟

من الواجب على المثقفين العرب والمسلمين أن لا يضلّوا الطريق، فالمسلمون اليوم أكبر ضحايا هذا الإرهاب سواءاً في الأنفس أو الثمرات. وعليهم أن يمعنوا التفكير جيداً ليجدوا الخيط الذي يربط بين قتل طلاب وطالبات المدارس في باكستان وأفغانستان، وتفجير قطارات لندن ومدريد، وتفجيرات السعودية، والقتل المجاني للأبرياء بنيجيريا، وتفجيرات مومباي، وقتل الجنود المصريين، والاف الأحداث المشابهة. وعليهم أن يسألوا أنفسهم بكل أمانة: هل إطلع الخليفة أبوبكر البغدادي أو بقية الخلفاء الذين لا نعرف عنهم شيئاً وهم يصدرون قرارات الموت المجاني، هل إطلعوا على القانون الفرنسي ليعلموا إن كان يدين التشكيك في محارق اليهود بأوروبا أم لا وهل يعلمون الظروف التاريخية وتوازنات القوى التي أملت ذلك؟ هل سمعوا باسم هذه الصحيفة من قبل وإطلعوا على رسوماتها؟ إذاً، لماذا تقدمون لهم المبررات على طبق من ذهب؟

خامساً:

 لماذا ينسى معظم مثقفينا تسامح هذه الدول الغربية مع العرب والمسلمين في كثير جداً من مناحي الحياة؟ هل يعلمون كم مسلم ومسلمة يتولى اليوم منصباً رفيعاً في دول مثل فرنسا والنمسا والنرويج وبريطانيا وغيرها؟  هل يعلمون أن لا قانون يجيز التمييز ضد المسلمين والعرب في أوروبا كلها تقريباً؟  ألم تنقذ هذه الدول مسلمي ومسلمات البوسنة من القتل والإغتصاب؟ مَن مِن العرب أرسل مجرد غارة رمزية فقط لإثبات الوجود؟ ألم تعترف فرنسا وقبلها بريطانيا بالدولة الفلسطينية قبل أيام من هذه الإعتداءات الآثمة رغم الضغوط الاسرائيلية الهائلة عليها؟ هل هددت هذه الدول بطرد المهاجرين لديها والذين أصبح وجود الكثير منهم مهدِّداً بحق لثقافاتها، وإحلالهم بمنتظرين آخرين من الهند وشرق آسيا أكثر ميلاً للإندماج فيها مقارنة بالمهاجرين العرب؟ ألم تخرج معظم أوروبا في أكبر تظاهرات في تاريخها كلها مؤيدة للحق الفلسطيني؟ لماذا تطعنونهم في الظهر إذاَ؟

سادساً:

هناك خلط خبيث لا يمكن أن يكون بريئاً بين مفهوم الإرهاب ومصطلح الحرب. رغم رفضنا لكليهما إلا أنه من الضروري الفرز بينهما لمصلحة إيقافهما كليهما. فالحرب حدث معلن ومُستعَد له من قِبل جانبين أو أكثر غض النظر عن أسبابها وغاياتها، وغض النظر أيضاً عن نوعها سواءاً كانت حربا نظامية أم حرب عصابات. لها أسسها وأخلاقياتها ووسائل الحماية منها والإعلان عنها. إن الحرب عملية تتم بين أناس مدرَّبين عليها، ولا يجب أن يتعد تأثيرها الدموي محاربيها حتى مع إعترافنا بوجود أخطاء تؤدي لقتل أو إصابة أو ترويع مدنيين كما يحدث في كثير جداً من الأحيان، بدون أن يغيّر هذا من تعريفها. ومعروف لدى كل الجيوش أن هنالك إحتمالاً لتأثر المدنيين في المواجهات العسكرية، وتعمل كل الجيوش المنضبطة لإبتداع الوسائل المختلفة لتقليل الآثار السلبية المحتملة التي يمكن أن يتأثر بها المدنيون.

أما الإرهاب فهو القيام بعمل عسكري من قِبل جهة محددة تستهدف به أناسا عاديين سواءاً كانوا مدنيين أو عسكريين ليسوا في الخدمة. يستهدف هذا العمل العسكري، والذي يتخذ عادة طابع المفاجأة وعدم معرفة الهدف مسبقاً من قبل السلطات ومن قِبل الضحايا أيضاً، يستهدف  قتل أو إصابة أو تخويف المخالفين لتلك الجهة بدون أن تعطيهم حق الدفاع عن أنفسهم. كما يستهدف تسبيب الترويع للآمنين وإشاعة أجواء واسعة من الفزع والخوف. الهدف النهائي هو تحقيق مكاسب سياسية أو مادية أو خلافه بوسيلة غير أخلاقية.

يخلط الكثير من المثقفين المسلمين، بل بعض الغربيين أحياناً، بين هذين المفهومين لإضفاء شرعية مزعومة على الإرهاب؛ حيث برز في الكثير من التحليلات التي تناولت أحداث كارثة فرنسا طرح تساؤلات مسمومة من قِبل: كم قتلت أمريكا في العراق وأفغانستان؟ كم قتلت فرنسا من أهل مالي؟ وهكذا، مبررات مقرفة وتدعو للإشمئزاز بيد أنها توضح درجة الفجوة الأخلاقية في ذهن المثقف العربي الذي يتعاطى معها. إن خطورة مثل هذا النهج في الربط بين مصطلحي الحرب والإرهاب يتسبب في توجيه مجرى المعركة ضد الإرهاب لمسارات أخرى والتصويب على هدف غير صحيح بما يخلقه من ضبابية وأوهام.

سابعاً:

يتناسى المثقفون العرب الذين يبررون للإرهاب حقائق كثيرة للغاية وبشكل متعمّد في رأينا. وكأمثلة فقط على ما نزعم:

–       ماذا كان موقفهم والسلطات السودانية تهدم في الكنائس عيانا بيانا (كنيستي بحري والجريف مثالاً) وتملأ الشوارع بالإعلانات التي تكفّر من يشارك المسيحيين أعيادهم بل تترك أئمة المساجد يشيدون ببن لادن ويبايعون داعش. هل فعلت أوروبا تجاه المسلمين ما يفعلونه تجاهها؟

–       ماذا كان موقفهم، وجميع المساجد تقريباً تكرِس جزءاً مقدّرا من وقتها كل يوم جمعة في الدعاء على النصارى واليهود، وتشبههم بالقردة والخنازير وتتهم كتبهم المقدسة بالتحريف وتمنعهم من التبشير بأديانهم. هل من المحتمل أن تسمح أوروبا والغرب لمواطنيها بإيذاء المسلمين كرد فعل على ذلك؟

–       لماذا يسّيرون الملايين للهجوم على رسوم، مهما كانت بذاءاتها، علماً بأنها لا تقتل أحداً، بينما يغضون الطرف عن آلاف الشيشان الذين قتلهم الروس بدم بارد وبدم ساخن، ويسكتون عن الإنتهاكات المُذلّة التي يواجهها المسلمون الصينيون؟ أين المبدأية ورفض الكيل بمكيالين المزعوم؟  

–       ما الذي يجعل حرب اسرائيل على غزة مثار إستنكار وإدانة يتم حشد الملايين في العالم لإيقافها وفضح فظاعتها وإنتهاكها لقوانين الحرب، بينما لا يرفع أحد منهم أصبعه فقط ليدين حرب الجيش السوداني وقوات الحكومة المنظمة وغير المنظمة التي تقتل وتغتصب أضعاف ما ترتكبه إسرائيل (التي لا تغتصب النساء بالمناسبة)؟ لماذا أصبح إزدواج المعايير حلالاً هنا وحرامٌ هناك؟

–       ما هو موقف المثقفين العرب، ونقصد منهم أصحاب الـ “لكن” بالطبع، ما هو موقفهم من الإساءات التي تتم للرسول (ص) من قبل المشائخ والتي يصورون فيها أفضل الخلق وكأنه زير نساء وسفاك دماء، والأمثلة تحتاج لوحدها لكتاب؟

نريد لأحداث فرنسا، بدلاً عن أن تكون متكأً آخر للحزن والإحباط، ومصدراً جديداً للتبريرات، أن تشكل نقطة حاسمة لإعادة التفكير في مجمل فهمنا عن ما يحدث اليوم في عالمنا الإسلامي من شرور. في إعتقادنا أن الخروج من دائرة أن هذه الأحداث ما هي إلا رد فعل لإستفزازات دينية، وربط هذه الأحداث بكل الأحداث الأخرى المماثلة في جميع أنحاء العالم، وإيجاد الخيط المشترك الذي يجمع بينها جميعاً؛ ضرورة حتمية نضمن من خلالها أن العالم يجد السلاح الذي من خلاله يستطيع التصويب على الهدف بدقة.