خط الاستواء  عبد الله الشيخ نستضيف الزميل الصحفي جهاد الفكي فى هذه الزّاوية ، ليحدّثنا عن رِفاق السفر،(مصطفى سيد أحمد، وحسن ساتي، طيّب الله ثراهما):ــ  

في الذكرى التاسعة عشرة، لرحيل الأستاذ المبدع، مصطفي سيد أحمد، والتي حلّت السبت الماضي،سأحدّثكم عن إنسان نبيل، كان مصطفى يكن له الكثير من الحب والتقديروالإعزار، وكانت له مواقف ووقفات مع مصطفى، قد لا يعلمها أقرب المقربين من مصطفى. كانت بينهما محبة صادقة، لم تتاثر بمواقفهما السياسية رغم تباينها،،فقد جمعت بينهما إنسانيتهما الطاغية وحبّهما للناس، كل الناس،، وإنحيازهما للبسطاء..و بسبب هذا الإنسان النبيل، لقنني مصطفى درساً ، و سأظل مديناً له بذلك الدّرس ما حييتُ ، لأنه غيّرَ من أحكامي المتسرِّعة على الناس، خاصة الذين لم تتح لي الظروف فرصة مجالستهم ومخالطتهم عن قرب.

في ذات ليلة من شتاء القاهرة عام1992 ، كنت ومعي الاخ والصديق الأستاذ، طارق الجزولي رئيس تحرير سودانايل ، في زيارة للأستاذ بشقته في ضاحية عين شمس..أمتعنا مصطفي بالغناء وأسمعَنا أغنية جديدة كان قد فرغ لتوّه من تلحينها، وفجاة رنّ الهاتف.. كان مصطفي الأقرب فتناول السمّاعة وأجاب المتحدث وأنهى المكالمة سريعا، ثم إلتفت نحوي وطلب مني  النزول إلى شارع أحمد عصمتْ، لإستقبال ضيف قادم تاه في الوصول إلى الشقّة.. سألته: من يكون هذا الضيف، وكيف سأتعرف عليه، والشارع يعُجُّ بالسودانيين قدامي وجدد؟! كان مصطفي حينها، يسكن غير بعيد من النادي السوداني بعين شمس وهو واحد من ثلاثة أندية سودانية تحتضنها منطقة عين شمس.. قال: الضيف زميل مهنة تعرفه جيداً، إنّه الأستاذ حسن ساتي..إرتسمت على وجهي علامات الإندهاش، وقبل أن أنبسَ بِبنتِ شِفة، بادرني الأستاذ: مستغرب مالك؟

قلت : والله لم أكن أتخيل أنك صديق للسدنة!.. هكذا قلتها من باب المداعبة للأستاذ،على الرغم من أنني من جيل بدأت علاقته بالصحف مع جريدة الأيام، التي كان الأستاذ حسن ساتي رئيساً لتحريرها..صمت مصطفي لبرهة، ثم سأل: هل قابلت حسن من قبل أو تعرّفت عليه عن قرب؟. أجِبت بالنفي. قال: اليوم ستجلس معه وستتعرف عليه، وأنا واثق عندما أسالك غداً عن إنطباعك، سيكون رأيك مغايراً لما تقول الآن..إنزل وإستقبله الآن، ونتناقش في هذا الموضوع غداً.. 

كان مصطفى يسكن في الطابق الثاني.. نزلت السلالم مسرعاً وبرد القاهرة يلفعُني، وما أن عبرت الشارع، غير بعيد ، حتى لمحت الأستاذ حسن ساتي طيّب الله ثراه، ومعه شخص آخر ينتظران.. كانا في كامل أناقتهما، يتدثّر كل واحد منهما ببالطو فوق البدلة الكاملة، ويتلفّح كل واحد منهما بشال غاية في الشيّاكة..و هكذا كان الأستاذ ، في كل مرة ألتقيه فيها، أنيقاً في ملبسه، وفي حديثه. 

حيّيتُهما وعرّفتهما بنفسي، واصطحبتهما في أزقة عين شمس إلى شقة الأستاذ.. كان ترحيبه  بحسن وضيفه كبيراً ، و أدركت من حميمية سلامه، مدى تقديره وإعزازه للأستاذ حسن..  تشعّب الحديث في تلك الأمسية التي ماتزال أصداؤها تتردد في دواخلى.. أحاديث شتى جمعت ما بين الشعر والأدب، والغناء السوداني رواده وشعراؤه،، و حلّق بنا الأستاذ حسن ــ لله دره ــ كان متحدثا لبِقاً يعرف كيف يأخذ بتلابيب سامعه –  حلّق بنا مع شعراء الحقيبة عبدالرحمن الريح، وسيد عبدالعزيز، وعبيد عبدالرحمن، وصالح عبدالسيد، وبقية العقد الفريد.. ثم عرّج على  تجربة مصطفي، وتوقف كثيراً عند “مريم الأخرى”، وكيف أن صحفيا سعودياً هو الأستاذ عبدالله باجبير، كان متيماً بتلك القصيدة و يستمع إليها في اليوم أكثر من مرة،، بل وكتب ذلك في عموده اليومي، أنّه عندما علم بسفر حسن  الى القاهرة كلّفه أن يبلغ تحياته لمصطفى.. سرد حسن المُمتِع،ذكّرَ مصطفي بالأديب الكبير فرّاج الطيب رحمه الله.. قال مصطفي: كلما ألتقى فراجاً، كان يطلب مني أسمِعه “غدّار دموعك”، وكنت كل ما أكمل قراءة القصيدة، يطلب منى أن أُعيدها علي مسامعه مرات ومرات، في موقف أشبه بموقف الشيخ قريب الله مع كرومة وعمر البنا……

جَذَبَ مصطفى العود، وبدأ يُدندن برائعة مظفّر النوّاب : “في طريقِ اللّيل، ضاع الحارس الثّاني، وضاعت زهرةُ الصبّار”…!