أمل هباني أشياء صغيرة   دخلت محل انترنت يبدو أن أصحابه إسلاميين متشددين من إطلاقهم اللِّحى وتقصيرهم ..

أثناء جلوسي ،دخل أطفال يبدو عليهم الفقر من هيئتهم وثيابهم الرثة وأعطوه نقوداً ليدخلوا ويجلسوا  في النت (يعني ما شحدة )….فما كان من الشاب المسئول إلا أن قام بطردهم ،فقمت أنا من محلي ،وذهبت إليه   محتجة على تصرفه ..فقال لي انها أوامر صاحب المحل ، لأن رائحتهم كريهة ومظهرهم متسخ والزبائن يتضايقون …..أثناء النقاش قال لي (أرفعي طرحتك) ….قلت له ..(إنت مالك ، دي حرية شخصية) ….فرد قائلا  …(أيوة …لكن من رأى منكم منكرا …فليغيره)……قلت له ألا ترون المنكر في الفساد والفقر، وكل هذا السوء من حولكم ، وترونه في طرحتي التي وقعت من رأسي ……..

*والحقيقة أني شعرت بحزن شديد ، أكثر من إحساسي بالحنق عليه ، أو الغضب منه ، فالشاب تناقش معي بأدب شديد ،تختلف عن اللهجة الاستعلائية التي تعوّد من هم على قناعاته التعامل بها ..بما فيها من وعيد وتهديد ……لكن تبقى المشكلة ؛ مضافة إلى كوم المشاكل التي يعاني منها كثير من المسلمين في توهانهم بين علاقتهم بالإسلام وعلاقتهم بالله ، وعلاقتهم بالمجتمع والناس والنساء ، وهي الأهم لأن معظم هؤلاء الذين يفترضون في نفسهم التدين لديهم مواقف وآراء سلبية تصل لدرجة التحريم والتجريم في قضايا حرية المرأة مثل قضية  حرية الزي ….ومثل هذا الموقف الذي حكيته يحصل كل يوم وكل ساعة في مجتمعات المسلمين ،التي تعلق كل القيم الاسلامية المتوهمة (كتغيير المنكر في قصتنا ) على رقبة المرأة …لأن المرأة هي (الحيطة القصيرة ) لهؤلاء وغيرهم ،فعندما يتعلق الأمر بالمرأة يشعر (بحمية الاسلام) حتى من لا يحسن اسلامه ، وحكاية أرفعي طرحتك ،أرفعي توبك ،تتولاها حتى نساء في كثير من الأحيان ……وهي تلبس المرأة لنظرية (عبيد  الحقول وعبيد  المنازل) التي أطرت لها الدكتورة ناهد محمد الحسن في مقال داوي بصحيفة “الأحداث” قبل عدة أعوام ….

*لكن قمة الهوس اللامبرر أن يكون ذات المسلم الذي يتجاسر على خصوصية إمرأة بإسم التعاليم الإسلامية ، له المقدرة على هذه الفظاظة مع أطفال فقراء مساكين ضارباً، عرض الحائط  بقيم عظيمة تناولها ذات الدين  ،مثل قوله تعالى (أرأيت الذي يكذب بالدين ….فذلك الذي يدع اليتيم  )… لكن هذه القيمة الاسلامية الانسانية العظيمة لا قيمة لها قيمة تحتاج العقل والتبصر ودفع أثمان لا يستطيع أولئك المظهرين (الذين يتخذون الدين مظهر) دفعها …. فالرجل رأسمالي فج ، لا يريد أن يزعج زبائنه (برائحة أطفال كريهة ) ، ولو استمرعلى ذلك وترك الدين جانباً لتوافق مع نفسه ،لكنه (متمظهر الدين ) ، لذلك  ما أن يرى أمرأة لا ترتدي طرحة في رأسها إلا ويستدعي كل قيمه الثقافية والاجتماعية المتخلفة ليغطيها بدينه المشوه المهترئ بأن (يغير منكراً )…غافلا عن المنكر الحقيقي الذي فعله بهؤلاء الأطفال ، فهو من حق فيه قوله تعالى  ( ولا يحض على طعام المسكين )……