د.النور حمد ·        المثقف الحقيقي يناضل على جبهتي السلطة والجمهور ·        بعض من يحكموننا بلا عقول قابلة للتعلّم! ·        السياسيون يتملقون العقائد السائدة ويستثمرون في العلل

     اختط الأستاذ محمود محمد طه لنفسه نهج المثقف الحر منذ البداية. فلقد كان، طيلة مسيرته السياسية والفكرية، مستقلاً استقلالاً تامًا عن سلطة العقل الجمعي؛ أعني بسلطة العقل الجمعي، معتقدات وعادات المجتمع المتوارثة، ذات الحمول السالبة، المعوقة لحرية العقل، وللنهوض وللتفتح، ولجهود نيل الحرية، والتطلع نحو الكمال. أي، أنني لا أعني، بنية العقل الجمعي من حيث هي. فلابد أن يتشارك المثقف قسطًا كبيرًا من بينة العقل الجمعي مع المجتمع الذي يعيش فيه، وإلا كان ذلك المثقف منبتًا تمامًا. هذا القسط الكبير من البنية الثقافية المشتركة، بين المثقف والجمهور، هو منصة الانطلاق التي يستكشف المثقف، استنادًا عليها، الآفاق الجديدة.

حين جئت إلى الأستاذ محمود، وأنا في سن العشرين، جئته من جهة اليسار، والفكر الماركسي. كنت، مثل كثيرين غيري، ممن عاشوا مرحلة الاستلاب تلك، أظن أن المعرفة بالماركسية والوجودية، وتيارات الحياة الغربية المعاصرة، الفكرية، والأدبية، تعنى، بالضرورة، أن تدير ظهرك بالكلية للتراث الإسلامي. ولكنني حين قابلته في منزله، وجدت رجلًا يعرف، في هذه الأمور، أكثر مما أعرف، بكثير. ومع ذلك، بقي سودانيًّا، حتى مشاش العظم، مسكنًا، ومطعمًا، وملبسًا، وحركةً وسكونا. بل هو أقرب في مظهره، إلى عامة الناس، في كل شيء، منه إلى من يسمون بـ “المثقفين”. لم تُبعد المعارف الغزيرة بالحضارة المعاصرة، وبتياراتها الفكرية، الأستاذ محمود، قط، عن هويته الحضارية، الصوفية الإسلامية، بل، كما هو واضحٌ، من كل شيءٍ متعلقٍ به، فكرًا، ومسلكًا، أنها أكدتها، ورسختها، وخلقت منها رؤية تكاملية، تأخذ خير ما في التراث البشري، وخير ما في جوهر الفكرة الإسلامية. ما لم ينتبه إليه، سوى قليلين، أن رؤية الأستاذ محمود، التي اتسمت بالمزاوجة الحضارية، وطول النظر، والبصيرة النافذة، حدثت في وقت مبكر جدًا. أي؛ حين كانت “المثقفية” العربية، منقسمةً بين اليسار العربي الماركسي والعروبي، الرافض للإسلام، جملةً وتفصيلاً، وبين تيار الإخوان المسلمين الرافض للحضارة الغربية، ويراها مجرد “جاهلية”.

النضال على جبهتي السلطة والجمهور

لمقاربة إشكالية المثقف والجمهور، من منظورٍ تركيبي، يمكن القول، إن المثقف ليس بالضرورة هو الفرد المدرك، الواقف ضد السلطة، وحسب، وإنما هو أيضا الفرد المدرك، الواقف أحيانًا، ضد الجمهور، حين يقتضي الأمر. فهو، إذن، محاربٌ يدير حربه على جبهتين متقابلتين، من موقعٍ يمثل، في حقيقة الأمر، قلب أتون المعركة. فليس كل ما في معسكر الجمهور، أو المجتمع صحيحٌ دائمًا، وليس كل ما في معسكر السلطة خطأٌ، دائمًا. فالعلل تكون أحيانًا في الجمهور المحكوم، بأكثر مما تكون في السلطة الحاكمة، والعكس بالعكس. ويمثل هذا طرفًا مما من أجله قيل: “كيفما تكونوا يُولّى عليكم”. ولذلك فإن المثقف ذو الحس النقدي الحقيقي، والرؤية المركبة، هو المثقف القادر على أن يخترق، جيئة وذهابًا، حوصلة التخندق في ثنائية السلطة والجمهور. هذه الحوصلة، غالبًا ما يسود فيها الاعتقاد، أن الحق مرتبطٌ، عضويًا، بحيث يقف الجمهور، بزعم أن الحق، وحيث يقف الجمهور، أمران متلازمان لا ينفصلان أبدًا. وهذا ما أشار إليه عزمي بشارة، حين قال، إن المثقف، الذي يقارع السلطة، يحتاج أحيانًا أن يقف ضد الثورة عليها. فالمثقف الذي لا يقول ما يُغضب، في بعض الأحيان، قطاعًا من جمهوره، مثقفٌ زائفٌ يتسقّط الرضاء العام. وهذا النوع من المثقفين يكرس الحالة الراهنة، ويعوق جهود التغيير.

أدار الأستاذ محمود جهاده الفكري، ونضاله السياسي، على جبهتي السلطة والجمهور، بمكوناتها المختلفة، سواء بسواء. لم يسع الأستاذ محمود إلى السلطة إطلاقا، وإنما ظل مهتمًا باستنهاض  الجمهور، وتغيير بنية وعيه. فحين كان أعضاء مؤتمر الخريجين يتبادلون المذكرات مع البريطانيين مطالبين بالجلاء، اختار هو تحريك الجمهور، وتحميسه للنضال على مستوى الشارع، من أجل نيل الاستقلال. وحين كانوا يرون أن أمامهم إما البقاء تحت التاج المصري، أو خلق تاج سوادني، تظله بريطانيا، نادى هو بالجمهورية، وسمى حزبه “الحزب الجمهوري”.

لم يرد الأستاذ محمود أن يكون الاستقلال انجازًا صفويًا، يتم بمعزل عن مشاركة الشعب في صناعته.  وبالفعل جاء الاستقلال انجازًا صفويًا فوقيًا، هلل له الجمهور عاطفيًا، وغنى له، من غير معرفةٍ حقيقية ماذا يعني، وما هي تحدياته، وكيف يدار بناء الدولة المستقلة، على الصعيد الداخلي، والإقليمي، والدولي. ولا حاجة بي للحديث عن، إلى أين وصل بنا الاستقلال، الذي جاء بتلك الكيفية، بعد مضي تسعة وخمسين عامًا عليه. ودعونا نقارن بين استقلالنا واستقلال الهند، الذي سبق استقلالنا بتسع سنوات فقط.

كان رصفاء الأستاذ محمود من الخريجين يحبذون الطرق القصيرة إلى كرسي الحكم. فابتلعوا نقدهم للطائفية وانضموا إلى ماكينتها السياسية، التي سرعان ما ثلمت الحد القاطع في مثقفيتهم، وحولتهم إلى أدوات تابعة. أيضًا، هناك زعمٌ سائد، يرى أن السلطة تغير الناس. أي: اِمسكْ بالسلطة أولا، ثم استخدمها أداةً في إحداث التغيير. وتعبر عن هذا النهج المقولة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، رضي الله عنهما: “إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. وهي مقولة يسحبها البعض، من سياقها التاريخي، على الواقع الراهن، بينما تكاد أن تنعدم المقارنة بين السياقين. سيطر في الواقع السياسي السوداني، لحقبة ما بعد الاستقلال، نهج تسلم السلطة من أعلى، واستخدامها أداة في صياغة الناس، وفق قالب تعده قلة، أكثر ما سيطر، على عقل الدكتور حسن الترابي. عمل الترابي، بدأب يحسد عليه وفق هذا المنهج. عمل على اضعاف السلطة الديمقراطية القائمة، وهز أركانها، ثم وثب عليها بانقلاب عسكري. ودعونا نرى أين أوصله، وأوصلنا، هذا النهج المعوج.

السياسي والرهان على الراكد

     من إشكالات العمل السياسي، استثمار السياسيين في العقائد السائدة، واحتضان الراكد، والإعلاء من شأنه، وتجنب نقده، لنيل الرضا، من أجل تحقيق المصالح السياسية الآنية. ولذلك، قليلاً جدًا ما يشتغل المثقفون الحقيقيون بالعمل السياسي. فالعمل السياسي، في صيغته السائدة في العالم اليوم، يتطلب كثيرًا جدًا، من محاباة الجمهور، وتملقه، ومجاراته، حتى في اعتقاداته الخاطئة. فالذين يشتغلون بالعمل السياسي عادةً، وينجحون فيه، هم من يعرفون كيف يحركون العواطف، ويجمدون العقول، ويحيدون صوت الحق. ومن أمثلة ذلك نجاح المؤتمر الوطني الحاكم في السودان في السيطرة على مقاليد الحكم لربع قرن. وعلى المعارضة السودانية أن تدرس هذه الظاهرة إن كانت الدراسات تهمها. فالهيمنة الثقافية،ـ التي تحدث عنها لينين، ودفع بها قدمًا أنطونيو غرامشي، أصبحت أدواتها اليوم متاحةً بصورة غير مسبوقة. وحين ترتبط الهيمنة الثقافية بالخطاب الديني، وتملق التعميمات الدينية الفجة السائدة، يُصبح الأمر أفدح، وبما لا يقاس.

يفضل السياسيون، عمومًا، اتباع الأسلوب “الشعبوي” populist، في تملق العقائد السائدة، والعزف على النغمة التي يفضل الجمهور الرقص عليها. وهذا بطبيعة الحال تكريس للأحوال القائمة، وتجنب للصدام مع العلل، لا بل استثمار العلل، للإبقاء على الأوضاع حيث هي. والهدف من هذا النهج الذي يهادن علل الواقع، واحد: هو الكسب السياسي الآني. فالسياسيون، في غالب حالهم، قليلا ما يحتكمون إلى معرفتهم كمثقفين، أو إلى ما يعرفونه من مبادئ، وإنما يستعيضون عن ذلك بالتكتيكات التي تكسب الجولات في المعارك الانتخابية. بهذا النهج، يعمل السياسيون، بصورة غير مباشرة، على الإبقاء على الأوضاع القائمة، بدلا من تغييرها. فما دام الواقع القائم، مهما بلغ حاله من التخلف والتردي، والركود، هو الذي يأتي بهم إلى كراسي الحكم، فانهم لا يحرصون على تغييره.

أيضًا يمكن القول، بصورة عامة، أن هذه الأوضاع التي كرستها الممارسة السياسية، بما تضمنته دائمًا، من طبيعة انتهازية، أبعدت المثقفين المبدئيين، دعاة التغيير والنهوض بوعي الشعوب وأحوالها، عن مراكز صنع القرار، بل وضيقت عليهم في أداء دورهم التعليمي والتنويري الذي لا غنى عنه في إدارة مجريات النهوض والتغيير الصحيح. فهؤلاء المبدئيون، لا يكسبون سياسيًا، لأنهم يمارسون العمل النقدي في الجهتين: جهة السلطة، وجهة الجمهور. ولقد سمعت الأستاذ محمود محمد طه يقول، ذات مرة، إن العلماء، لم يحكموا العالم بعد. فالذين ظلوا يحكمونه، منذ فجر التاريخ، وإلى اليوم، هم أواسط الناس. وإذا ما تأملنا من يحكمون الدول النامية، خاصة الدول العربية، والإفريقية، فإننا نجد من يحكمون، من حيث القدرات المعرفية والكفاءة، دون الوسط بكثير، بل إن بعضهم بلا معرفة، بل يمكن أن نقول، ونحن مطمئنون جدًا، إنهم بلا عقولٍ قابلة للتعلم المطلوب، أصلا. فلننظر فقط، إلى صدام حسين، ومعمر القذافي، وبشار الأسد، وعلي عبد الله صالح، وعمر البشير، وسلفا كير، والقائمة تطول. ولننظر إلى ما آلت إليه بلدانهم.

بطبيعة الحال هناك مثقفون، ومدركون حقيقيون، تبوأوا مناصب حكم مرموقة، ولكنهم يظلون أغراب على سياق مؤسسة الحكم. كما أنهم، مع غربتهم على هذا سياق الحكم المعلول بحكم بنيته ذاتها، يصبحون، في غالب الحال، أسرى مرتهنين لآراء الاختصاصيين، والمستشارين، وصانعي الخطاب السياسي، الذين يعرفون كيف يخططون لكسب الرأي العام، ولكسب الانتخابات. فإحراز النصر في الانتخابات، بأي سبيل، أهم بكثير، لدى هذا النوع من السياسيين، من الالتزام بالمبدأ، أو جانب الحقيقة، أو الوقوف مع ما ينبغي أن تكون عليه الأمور في المستقبل. باختصار شديد، ما دامت ديناميات الواقع القائم، وسائر الأمور التي تكرس الحالة القائمة، هي التي تأتي بهم إلى الحكم، فإنه لا مصلحة لهم في تغييرها. وهكذا يتحول السياسي إلى طاقة للتعطيل، بدل أن يكون طاقة تلهم التغيير والنهوض بأحوال الناس.

في المخطوطة، غير المنشورة، التي كتبها الأستاذ محمود محمد طه، وهو في المعتقل، قبل إعدامه بشهور، ورد قوله: “إن قصور تجربتنا الديمقراطية مرده الأساسي إلى قصور الوعي ـــ وعي الشعب، ووعي القلة التي تحكم الشعب ـــ مما أفرغ مدلول كلمة الديمقراطية من محتواها”. ويضيف الأستاذ محمود، في ذات السياق، إن فشل الديمقراطية في البلدان المتخلفة، أدّى، في النصف الأخير من القرن العشرين، إلى الانقلابات العسكرية، في كل مكان، وليس في الانقلابات العسكرية حل. كما تحدث، في نفس المخطوطة، عن تضليل السياسيين للجمهور، بدلا من تنويره. فأورد نموذجا مما جرى في الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية، في ثمانينات القرن الماضي، وأحب أن أورد ما كتبه، بنصه: “لاحظ المعلقــون السياسيون أن مناظرات الرئيس ريغان، ومنافسه على الرئاسة، المستر مونديل، قد كانت تتجه نحو المواقف المسرحية، أكثر مما كانت تتجه نحو تنوير الشعب‏.‏‏ وقالوا إن هذه المناظرات ستربـك الشعب أكثر مما تنوره، وتوعيه‏‏. وقالوا إنه لمن الغريب أن يختلف المرشحان حول حقائق تاريخية كل هذا الاختلاف، حتى لكأنما قد حضر أحدهما من كوكب الزهرة، والآخر من كوكب المريخ‏. ولقد أوردت مجلة الحوادث 2 نوفمبر1984م أن بين السكرتير الصحافي لنائب الرئيس “بوستن” وبين فريق الإعلام الذي يقوم بتغطية حملة “بوستن” أزمة شديده، سببها موقـف هذا السكرتير من التصريحات المنافية للحقائق التي يطلقها المرشحون في مناظراتهم التلفزيونية‏‏‏. فقد استفسر الصحافيـون من السكرتير عن عــدة وقائـع منافيـة للحقيقـة سردها “بوستن” في مناظرته مع منافسته جيرالدين فيرارو‏. فكان رد السكرتير: وماذا يهم؟ يمكن الإدلاء بأي شيء في مناظرة تلفزيونية، ويستمع إليك 80 مليون مشاهـد‏. وإذا ثبت عدم صـدق ذلـك، فمـن سيقرأ التصحيح؟؟ ألفان، أو ربما عشرون ألفا، لا أكثر!! وعلقت صحيفة واشنطن بوست على ذلك بقولها: “لا نذكر في تاريخ الولايات المتحدة أن صدر مثل هذا الاحتقار، والاستهزاء بالشعب الأمريكي!!. (انتهى نص الأستاذ محمود).

غرس الأستاذ محمود راية التنوير، وتفيأ ظلالها الوارفة، وراهن على المستقبل. قاوم السلطات، استعمارية ووطنية، بكل طاقته، ودفع حياته ثمنًا لذلك، وكان راضيًا تماما. غير أنه بذل في وجهة تنوير الجمهور، وتغيير بنية وعيه، جهده الأكبر. كان يعلم أن تلك مهمة شاقة وطويلة. لكنه كان يعلم أنه بذر البذرة الصحيحة في الحقل الصحيح؛ أي، بذرة التنبيه إلى ضرورة الإصلاح الديني، الذي يمثل الترياق الوحيد ضد سرطان الهوس الديني، الذي ما انفك ينتشر، منذ انهيار التجربة العروبية اليساروية. كما كان يراهن على أن الإصلاح الديني هو السبيل الوحيد لمحو معوقات النهوض ولعلل الثقافة السائدة. فالعلل التي هي في القوى الحاكمة يعود جزء كبير منها إلى العلل في بنية الثقافة السائدة، التي يعتنقها الجمهور.

(يتواصل)