* مجتمعاتنا الإسلاميّة لا زالت تقدّم حلول القرن الثامن عشر لإنسان القرن الواحد وعشرين *  لم تكن المرأة أكثر من رحم كبير يتبلور حوله وجودها *التمييز ضدّ المرأة يقوم على مفاهيم تنمّط المرأة جنسياً   

د. ناهد محمد الحسن  

في مانشيت رئيسي للرأي العام عدد الخميس 22 يناير (6184) خبر مفاده إبطال المحكمة لعقد زواج طفلة تبلغ التاسعة من العمر لخمسيني بمدينة سنجة. وقد أفتى أمين دائرة الفتوى بهيئة علماء السودان بجواز زواج القاصر عند البلوغ.

وهذا الرأي طبعا يتفق مع قانون الأحوال الشخصية السوداني الذي يبيح تزويج الطفلة في سن العاشرة اذا رأى القاضي مصلحة راجحة في ذلك!. في قرون سابقة تساوت حولها المواقف من زواج القاصرات في كل الدّول.ففي القرن الثامن عشر وماقبله كان زواج القاصرات شيئا ثقافيا معروفا بعد البلوغ ولعمر أقلّه سبعة سنوات –عمر التمييز- في ذلك العرف , وهو أمر تسلّل من القوانين الرّومانيّة إلى الكنيسة ثم إلى القانون الإنجليزي العام وبالتالي كان مقرّا ومعترف به في أمريكا في خمسين ولاية في 1877 .وقد كان هذا في تفسيرهم مع إزدياد الإنجذاب الجنسي لدي الفتيات بعد البلوغ حيلة الطبيعة الأم أو خطّة ما إلهيّة تنتظم هذا الكون للحفاظ على النّوع الإنساني في قرون خلت بسبب تدني العلوم والمعارف الطبيّة . حيث ارتفعت معدلات الوفيات وقصرت فيها متوسطات طول العمر ، فظهرت الحاجة لإمرأة بمقدورها أن تعطي طاقتها من الخصب من 8 أطفال فأكثر. ممّا يعني أنّ مجتمعاتنا الإسلاميّة لا زالت تقدّم حلول القرن الثامن عشر لإنسان القرن الواحد وعشرين ، وشتّان بين قرن كانت الطبيعة تقود الإنسان فيه بلا وعي ، وإنسان يقود الطّبيعة ويتحكّم فيها جديرا بالإستخلاف وبكل الوعي!.

ويمكن قراءة مجتمعنا السّوداني وفق نظريّة (التّحليل الفاعل)كمجتمع استغلقت عليه بنية الوعي التناسلي .فقد تحدّث الدكتور الشّيخ محمّد الشّيخ ، عن مستويات ثلاثة لبنى الوعي ، هي بنية الوعي التناسلي والبرجوازي والخلاّق ، والّتي تتواجد بنسب مختلفة في المجتمع الواحد بينما يسود إحداها وفقا لظروف المجتمع المعيّن. ومثال لذلك استغلاق بنية الوعي التناسلي على السّودان بإعتبار ظروف الحرب والتخلّف التنموي وإرتفاع معدّلات الوفيات والأمراض والفقر .وبالتالي التعدّد وزواج القصّر كإجابة على سؤال التنمية والإقتدار ، ممّا يعني أنّ زواج القصّر هو دلالة ومؤشّر على تخلّف المجتمعات تنمويا وحضاريا. وبالتالي يمكن قراءة هذه المشكلة بتعقيداتها الكثيرة وفقا لتحليل بنية التخلّف .

وعلينا مناقشة وتحليل البني النفسيّة المصاحبة للتخلّف لمعرفة الدّوافع الحقيقية الواعية واللاواعية الّتي تؤسّس لزواج القصّر وتدافع عنه باعتبارها خطوة أساسيّة بإتّجاه الإفلات من هذه الدائرة المعيبة الّتي تعيد إنتاج الجهل والإنتهاكات في إصرار شيطاني على سجن إمكانيّات المرأة وطاقاتها الإنسانيّة وإدّخارها كعلف الحفاظ على النّوع الإنساني .حيث لا يوجد طريق لبناء الإقتدار والكفاءة والرّفاه الإجتماعي والحضارة إلاّ عبر العلم ، الحق الأساسي المنتهك في زواج القصّر والّذي يعوق كسر حلقة التخلّف الإجتماعي الّذي نرزح تحته ولقد مضى وقت طويل مذ كان الإنسان يكتشف الكون ويخلق قيمه المعرفية عبر غرائزه .فلقد قادته الأديان والفلسفات التي تحمل خبرات وتجارب روحيّة مختلفة إلى أسرار الإنفلات الإنساني من أسر الرغائب البشريّة الملحّة فوقعوا على نوع جديد من المعارف ..حيث إختبروا التنوير والإستبصار وتغيّرت وفقا لذلك قيمهم المبنيّة على معارف علميّة جديدة. وصار الحب هو رغبة حقيقيّة في معانقة أكثر وأبعد من الجسد ، نحو مضاجعة الرّوح والفكر والحّس ..اللّقاء ذو الحضور الأكمل.وإكتسب الزواج أبعادا جديدة ليست النمط التقليدي لعلاقة التبعيّة-التسلّط في النّمط الزواجي العلائقي التقليدي.يحتوي على تصوّر جديد للزواج قائم على مفهوم الشراكة الحقيقيّة، مبني على علاقة انسانيّة حقيقيّة تكفل الحقوق للطرفين وتقوم فيه المرأة بأدوار حيويّة عديدة ، تؤكّد عبرها كفاءتها وتكتشف عبرها جدوى كل الأعضاء الأخرى التي تمتلكها ، والتي عاق اكتشافها تاريخ طويل من الإستلاب الجنسي والإقتصادي والفكري, لم تكن المرأة فيه أكثر من رحم كبير يتبلور حوله وجودها وفهمها لذاتها وتقدير الآخرين لها.

وفي عصر القرية الكونية هذا والتغيّرات الخاطفة والسّريعة ، وقبل أن تصل مؤسّسة الزواج والأسرة إلى منتهى نضجها التجريبي ، ظهرت بوادر الكفر البواح بهذه المؤسّسات التقليديّة ، بشكل وصلت حمّاه إلى عقر الدول الإسلامية ذات المؤسّسات الدينيّة الصّارمة كمصر وإيران.لكلّ هذا يبدو الدّفاع عن زواج القصّر، خطابا بالياً ومتقادماً وإن تسربل بالقداسة الدينيّة ، فقراءة الحقائق الدينية بالمنظور الإطلاقي اللاتاريخي الجمودي السلفي غدا مأزوماً وعاجزاً عن تقديم إجابات عن أسئلة عصريّة ، أعادت تعريف الحقوق والعدالة وفق قيم إنسانية ثقافية اجتمع عليها البشر وصار إقناعهم بعدالة متوهّمة وغيبيّة غير ممكنا ولا يتّسم بأدنى منطق أو موضوعيّة.لذلك لجأ المستنيرون الأسلاميّون إلى منظور تفسيري تجديدي ينطلق من النسبيّة التاريخيّة ويقرأ هذا الحدث الزواجي وفق منظور شامل ويعالجه كظاهرة عامّة.

.بالإضافة للتعليم، يعتبر زواج القصّر تعدّي حقيقي على حق الطفلة في اللعب والمتعة والنمو السوي والصحّة. كما إنّه شكل صارخ من أشكال التمييز ضدّ المرأة إذ يقوم على مفاهيم أساسيّة تنمّط المرأة جنسياً وتتحامل عليها وصفيا حين تحكم عليها بالضعف والماسوشية والعاطفيّة اللامنطقية واللاعقلانيّة، والعورة والعبء والعجز وعدم الكفاءة..كلّ ما يجعلها نقص بحاجة إلى تمام وعيب بحاجة إلى ستر، وفعل ناقص لايجد كماله إلاّ في جملة إسميّه مبتدأها وخبرها الزّوج والأطفال والإشكالات التي يتسبّب بها زواج القصّر أكثر من أن تعرّف وأشمل من أن تقصر على المرأة وحدها، وأعقد من أن يشملها بحث وحيد مع كل هذه التقاطعات التي يجتمع فيها الديني بالثقافي بالإجتماعي بالإقتصادي .لهذا ستضطلع هذه الورقة الأوليّة بالتعقيدات النفسيّة التي تصاحب زواج القصّر وتؤطّر له.