* الترابي لم يكن هو الوحيد الذي قال بهذه الآراء * عندما يكون في السلطة يتجنب إثارة هذه الموضوعات حتى لا يثير غضب أتباعهُ وجمهور "الإسلام السياسي"  * الدكتور الترابي لا يهمهُ إنفاذ رؤاه الفكرية، بل هو مولعٌ "بالضجة" وردود الأفعال

 

بابكر فيصل بابكر

أشرتُ في العديد من المقالات إلى حالة الفصام بين “المفكر” و “السياسي” في شخصية الدكتور حسن الترابي, وقلت أنَّ الرَّجل ظلَّ طوال مسيرته في الحياة العامة يضعُ إجتهاداتهُ الفقهية في خدمة أهدافه السياسية بدلاً من أن يجعل من السياسة مجالاً لإنفاذ رؤاه وأفكاره وإنزالها في أرض الواقع.

وأوضحتُ أنَّ السبب الأساسي وراء هذا التنافر بين هذين الإتجاهين في شخصية الترابي هو أنَّ الوصول “للسلطة” كان على الدوام يُمثل “الهدف” الأول الذي سعى الرجل لتحقيقه والحفاظ عليه وإن إدَّعى غير ذلك.

للدكتور الترابي آراء فقهية متقدمة في العديد من القضايا التي تهم المسلمين من بينها رفضه لقتل المرتد عن الإسلام, بجانب دعوته لمساواة المرأة بالرجل في الشهادة وتمسكه بأحقيتها في الزواج من الرجل الكتابي إلى جانب حقها في إمامة المصلين, وكذلك له رأي قاطع في أنَّ عقوبة رجم الزاني والزانية ليست موجودة في القرآن، وأنها وافدة من ديانة أخرى (اليهودية).

غنىٌ عن القول أنَّ الترابي لم يكن هو الوحيد الذي قال بهذه الآراء, بل هناك العديد من المفكرين والعلماء المسلمين الذين سبقوه في المناداة بها, منهم الأستاذ المرحوم محمود محمد طه, والمفكر الليبي الصادق النيهوم, وكذلك المفكر المصري جمال البنا, وغيرهم.

ولكن إشتهار هذه الآراء عند الدكتور الترابي سببهُ هو وجوده على رأس جماعة إسلامية “الإخوان المسلمون” لم يُعرف عنها التجديد في قضايا الدين, بل ظلت على الدوام جماعة تقليدية محافظة على مستوى “الأفكار” وإن كانت قد إرتدت ثوب “الحداثة” على مستوى التنظيم. 

يحلو للدكتور الترابي الجهر بهذه الآراء كلما كان بعيداً عن دائرة “الحكم والسلطة” كحاله في هذه الأيام حيث صدح بآرائه هذه الأسبوع الماضي خلال حفل التكريم الذي أقامته له نساء أحزاب حكومة الوحدة الوطنية.

يعلم جميع أهل السودان أنَّ الدكتور الترابي هو عرَّاب نظام الإنقاذ وزعيم الحزب الذي إنقلب على النظام الديموقرطي الشرعي, وقد كان صاحب القرار المطلق طوال العشر سنوات الأولى من عمر هذا النظام, ومع ذلك لم يعمل على إنزال إجتهاداته الفقهية لأرض التطبيق, فما هو السبب وراء ذلك ؟

من الواضح أنَّ الرجل عندما يكون في السلطة يتجنب إثارة هذه الموضوعات حتى لا يثير غضب أتباعهُ وجمهور “الإسلام السياسي” الذي يسعى لكسب سنده, وبالتالي فإنهُ لا يبدو حريصاً على تطبيق أفكاره أكثر من حرصه على الإمساك بالسلطة.

عندما قام المرحوم جعفر النميري بإعدام المرحوم الأستاذ محمود محمد طه بتهمة الردة لم يعترض الدكتور الترابي, ولم يجاهر برأيه الرافض لمحاكمته , بل ربما كان من أكثر الناس سعادة بإختفاء الرجل الذي كانت أفكاره تمثل خطراً كبيراً على أهل “الاسلام السياسي”.

وعندما أجيز القانون الجنائي لعام 1991  الذي نص في مادته “126” على إنزال حكم الإعدام بمن يترك الإسلام , كان الترابي هو حاكم السودان المطلق, ومع ذلك فإنَّه سمح بتمرير تلك المادة, ولم يتجرأ على الجهر برأيه الذي يردده هذه الأيام, فما السبب وراء ذلك ؟ إنها السلطة, وحب السلطة.

وعندما حوكمت الشابة مريم يحي بالردة العام الماضي, صمت الدكتور الترابي صمت أهل القبور عن ذلك الحكم لأنه كان في حالة “غزل” مع الحزب الحاكم من أجل العودة “للسلطة” حتى أنَّ الناطق بلسان حزبه , كمال عمر, برَّر صمته بعذر يدعو للسخرية وذلك عندما قال إنّ الرجل ( مشغول بأزمة السودان الكلية ).

كان بمقدور الترابي عندما حكم السودان “من الباطن” لعشرة أعوام أن يُجيز قانوناً يسمحُ بمساواة المرأة بالرجل في الشهادة أمام المحاكم, ولكنهُ لم يفعل, فغرضه الأساسي هو “الفرقعات الإعلامية” التي تعطيه نوعاً من “التميز” عن بقية قادة تيار الإسلام السياسي,وتسمح له بإستخدام “النساء” لخدمة أجندته السياسية والسلطوية.

على العكس من الدكتور الترابي , كان هناك زعيمٌ عربيٌ ثاقب النظر ,عميق الرؤية, يعملُ بهدوء ودون ضجة كبيرة على بعث “الإسلام الحضاري” الذي يستوعبُ روح العصر ويواكب المُتغيرات التي طرأت على العالم, إنهُ الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الذي ربط الأقوال بالأفعال بجسارة وجرأة.

حيث أجاز في العام 1957 “مجلة الأحوال الشخصية” التي مثلت نقلة هائلة في المُجتمع والدولة, واعطت المرأة التونسية حقوقاً متقدمة حتى على حقوق النساء في العالم الغربي, ومن ضمن الحقوق التي شملتها أحكام المجلة هو مساواة المرأة بالرجل في الشهادة أمام المحاكم.

حينها قامت عليه قيامة “العُلماء” التقليديين و المحافظين, ومنهم من رماهُ بالكفر والخروج عن الملة, بل إنَّ بعضهم قال أنَّه عميلٌ للصهيونية العالمية التي جندتهُ لتدمير الإسلام من الداخل, ولكنهُ مع ذلك مضى في إنفاذ مشروعه الإصلاحي دون وجل و بمعاونة بعض علماء الدين المستنيرين من أمثال الشيخ الطاهر بن عاشور.

الدكتور الترابي لا يهمهُ إنفاذ رؤاه الفكرية, بل هو مولعٌ “بالضجة” وردود الأفعال التي تصنعها إجتهاداته المُشتتة, وها هو يقول أمام حشد النساء اللائي حضرن تكريمه بكل فخر : ( كثيراً ما تم اتهامي بالزندقة والردة لمجرد إطلاق مثل هذه الآراء وهناك من أهدر دمي عندما دعوت لمساواة المرأة بالرجل في الشهادة).

هذه الكلمات تُشعر المرء بأنَّ الدكتور الترابي يُصاب “بالحبور” عندما تطلق عليه مثل تلك الإتهامات, فهى تمنحهُ التميُّز المطلوب, وتُبعدهُ عن دائرة التشدد والتعصب والرجعية التي تقبع فيها تيارات الإسلام السياسي الأخرى خصوصاُ السلفية منها, ولذلك فإنها تسهم في “الترويج” لشعبيته أكثر مما تشكل خطراً حقيقياً عليه.

خلاصة القول هى أنَّ “السُّلطة”, وليس الفكر, كانت على الدوام هدف الدكتور الترابي الأساسي , وأنَّ “الفرقعة الإعلامية” – وليس التطبيق – كانت هي مقصدهُ من وراء الإدلاء بإجتهاداته الفقهية المحدودة جداً.