* البروفيسور فدوى، في نقدها وتبريرها، أطلقت أحكاماً، لا تتماسك أمام الوقائع والأحداث الموثقة. * لقد تسرب التغييب والتهميش والبتر للمعارف إلى إنتاج وإرث الأكاديميا السودانية. * أدعو البروفيسور فدوى، إلى مراجعة ما كتبته،  فهو  رأي غير دقيق..

عبدالله الفكي البشير

وقفت، بسرور كبير، على مقال البروفيسور فدوى عبدالرحمن على طه، الموسوم بـ: “نقدٌ وتوضيح لما ورد عن بعض الأطروحات الجامعية  في كتاب الأستاذ عبد الله الفكي البشير: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، رؤية للنشر والتوزيع القاهرة،  2013″، والذي نشرته، بموقع سودانايل على الإنترنت. في 7 يناير 2015، ونشر المقال كذلك في صحيفة الرأي العام، بعنوان: الفهم الجديد للإسلام.. قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، في يوم 11 يناير 2015. إن أهمية المقال وقيمته، لا تكمن في كونه قدم نقداً لكتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، فحسب، وإنما تكمن، كذلك، في أن كاتبته، أكاديمية متخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر، ولها منشورات: كتب وأوراق…إلخ، وإسهامات مقدرة في الإشراف على طلاب الدراسات العليا في تاريخ السودان السياسي.

نحو  حوار  جديد عن الأستاذ محمود محمد طه ومشروعه

أشكر البروفيسور فدوى، على اهتمامها بالكتاب، وحرصها على اقتنائه، وانفاقها الوقت في قراءته وتأمله ونقده، ووصفها له، بأنه “يشكل إضافة مهمة للمكتبة السودانية لما ورد فيه من توثيق للمفكر الراحل الأستاذ محمود محمد طه”. إن كتابة البروفيسور فدوى لهذا المقال، تؤكد أن دخول الأكاديميين، في الساحة بالنقد والتوضيح، لما ورد في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، والكتابات على شاكلته، أننا أمام حوار جديد عن الأستاذ محمود ومشروعه. وقوام هذا الحوار الجديد: الانفتاح على الإرشيف، وبعث الوثيقة واستنطاقها، واعمال الحس النقدي، والخيال التاريخي. وأشكرها أيضاً، كونها بهذا المقال النقدي،اتاحت الفرصة لفتح مواجهات علمية بشأن الكتاب، وهي مواجهات مطلوبة، ومستحقة، وندعوا لتوسيعها، في سبيل خدمة التنوير وتنمية الوعي والتحرير والتغيير. بالطبع ليس الغرض من المواجهات العلمية، شخوص الأساتيذ والأستاذات والطلاب والطالبات، وإنما بناء شراكات لإجراء المراجعات النقدية والنظر وإعادة النظر في تاريخ السودان، خاصة تاريخ الحركة الوطنية السودانية، وإنتاج وإرث الأكاديميا السودانية. 

كما أشكر كذلك الأخت إسراء أحمد علي قنيف، التي لم أتشرف بمعرفتها، على تكبدها مشاق البحث عن الكتاب، والحصول عليه، وتحملها لنفقته، كما أشارت البروفيسور فدوى، فقد ساهمت إسراء، بذلك في إثراء هذا الحوار. 

ملاحظة أولية

أستميح القراء الكرام عذراً، في أن هذا التعقيب سيكون مطولاً نسبياً، لهذا فسيأتي في ثلاث حلقات. ويعود ذلك إلى أن  كما أطلقتها بدون احتراز منها، على شاكلة (حسب علمي as far as I know)، فكان لابد من تفنيد تلك الأحكام وفقاً للأسس العلمية، للتصحيح، ولتنقية المناخ العام منها. وهذا ما تطلب منا الإتيان بالوقائع والأحداث الموثقة، بشيء من التفصيل.

حجج البروفيسور فدوى ودفوعاتها

هل كانت حجج، البروفيسور فدوى، ودفوعاتها، دقيقة وواضحة وشافية ووافية وعلمية، كما يتبدى، من الوهلة الأولى، للقارئ غير المختص أو للقارئ المختص الذي لا يعلم، أو للقارئ المختص المُسلِّم بما هو معلن من التاريخ، أم أن المقال نفسه، ما هو إلا تأكيد لما ذهب إليه كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، إلى أن التهميش والتغييب وبتر المعارف، واقع ماثل في إرث الأكاديميا السودانية؟  والحق أن المقال، بدفوعاته وأطروحاته، ما هو إلا تأكيد، لما خلص إليه الكتاب. بل أنه وبما تضمنه من دفوعات واطلاق أحكام، شهد بنفسه على نفسه، بدون قصد أو عمد، بأنه حلقة من حلقات التغييب، وسنرى تفصيل ذلك لاحقاً.

التغييب والتجاهل والتهميش عمليات تراكمية ومتداخلة

لامس مقال البروفيسور فدوى، موضوعات ناقشها كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، في ستة فصول، من جملة ثمانية عشر فصلاً، والفصول الستة هي: الفصل الثاني “قراءة في الدراسات السابقة: مرحلة الفقهاء (تعطيل الطاقات الحيوية وتجميد حركة التغيير والتحرير)”، والفصل الثالث عشر: “الأستاذ محمود والأكاديميا السودانية: قراءة في نماذج من الرسائل الجامعية- الدكتوراة والماجستير (التهميش والبتر للمعارف والعزل عن ميدان البحث العلمي)”، والفصل الرابع عشر: “قراءة في كتب تاريخ الحركة الوطنية وكتب أخرى- دراسة في 18 نموذجاً من الكتب- (الطريق نحو ما بعد التاريخ المعلن)”، والفصل الخامس عشر “الأستاذ محمود في التراجم والمعاجم وموسوعات الأعلام السودانية”، والفصل السادس عشر: “الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه”، والفصل السابع عشر : “الأستاذ محمود والمفكرون الإسلاميون: محمد أبو القاسم حاج حمد نموذجاً”.وخلص الكتاب في دراسته من خلال هذه الفصول الستة، بأن الأصل في الموقف من الأستاذ محمود ومشروعه، هو التغييب والتجاهل، مع التفاوت في أسباب التغييب وفي طبيعته وتجلياته، إلى جانب التغييب مع الانتحال والنهب لأفكاره في حالة الفصل السابع عشر. ويمكن مراجعة تفاصيل ذلك في الكتاب.

الطلاب ضحية ونتيجة

علينا البحث في جذور الأسباب لا النتائج

لقد تسرب التغييب والتهميش والبتر للمعارف إلى إنتاج وإرث الأكاديميا السودانية، من روافد عديدة، منها: المذكرات والسير الذاتية للقادة والساسة، ومن كتب مؤرخي الحركة الوطنية، وتاريخ السودان السياسي، فكان الطلاب ضحية لعملية تراكمية في اطار ما هو معلن من التاريخ، وهم أيضاً آخر حلقة من حلقات تلك العمليات. إن أمر تغييب الأستاذ محمود وكتبه وبياناته وندواته ومحاضراته… إلخ، وكتب (الإخوان الجمهوريين)، وتغييب نضاله ومواقفه وتهميش القضايا المركزية التي واجهها، في مصادر ومراجع أطروحات الدراسات العليا، واقع ماثل ومتوارث. فكتب السير الذاتية ومذكرات القادة والساسة، وهي من أهم مصادر دراسة التاريخ السوداني، ويعتمد عليها الأساتذة والطلاب بشكل أساسي، غيبت الأستاذ محمود وغيبت دوره الكبير في الحركة الوطنية ونضالاته وسجونه في سبيل طرد الاستعمار، كما غيبت المحاكمات التي واجهها، لا سيما محكمة الردة نوفمبر 1968، وهي من أخطر القضايا في تاريخ السودان. إن تغييب محكمة الردة ليس أمراً ثابتاً، في السير الذاتية ومذكرات القادة والساسة بصورة عامة، فحسب، وإنما غابت محكمة الردة في السير الذاتية لطاقم الحكومة الديمقراطية خلال الفترة ما بين 1965- 1969، والتي في عهدها تمت محكمة الردة نوفمبر 1968، إذ لم يرد ذكرٌ لها في مذكرات رئيس الوزراء، محمد أحمد المحجوب وهو القاضي والمحامي السابق، أو في مذكرات نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، الشيخ علي عبدالرحمن الأمين، أو في مذكرات وزير العدل عبدالماجد أبو حسبو، الذي كان وزيراً للإعلام والشؤون الاجتماعية أيضا، ولم يرد لها ذكرٌ في مذكرات عضو مجلس السيادة السيد خضر حمد، وغيرهم. تسرب التغييب إلى جل كتب تاريخ الحركة الوطنية وتاريخ السودان السياسي، وتسرب كذلك إلى كتب التراجم والمعاجم وموسوعات الأعلام السودانية.

أكثر نماذج التغييب والبتر للمعارف نصاعة في سجل الأكاديميا السودانية

وجد التغييب والتهميش وبتر المعارف والتنميط للصورة، طريقه، مع غياب الانفتاح على الأرشيف، وعدم اعمال الحس النقدي، والتسليم لما هو معلن من التاريخ، إلى عقول الأساتذة والطلاب. فغاب اسم الأستاذ محمود وكتبه وبياناته ومحاضراته ومقالاته… إلخ، وكتب الإخوان الجمهوريين، في معظم كتب الأساتذة وأطروحات الطلاب. أكثر من ذلك فإن التغييب والتهميش وبتر المعارف في جامعة الخرطوم، أعرق الجامعات في السودان، بلغ مرحلة أن اشترطت إحدى لجان الامتحان، المكونة من كبار أساتذة الجامعة، على أحد طلاب الماجستير (1998)، بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، تغيير الإهداء الذي كتبه الطالب للأستاذ محمود، والغاء ما جاء عن الأستاذ محمود في متن أطروحته، كشرط أساس لقبولها. ولم يكن أمام الطالب، وهو تحت رحمة سلطة أكاديمية – لجنة الامتحان-  جائرة ومفارقة للقيم الأخلاقية والالتزام الأكاديمي، إلا أن يستجيب لتلك الشروط، حتى تجاز الأطروحة ويمنح الدرجة العلمية، فاضطر الطالب مجبراً غير راضٍ، إلى تغيير الإهداء والغاء ما جاء عن الأستاذ محمود في متن أطروحته، فقبلت أطروحته، ومنح الدرجة العلمية. هذه القصة بكل تفاصيلها الموثقة، يمكن الاطلاع عليها، في الفصل الثالث عشر المشار إليه أعلاه. 

الأستاذ محمود وموقف الأكاديميا السودانية والأسئلة المركزية

كنت قد درست في  الفصل الثالث عشر موقف الأكاديميا السودانية من الأستاذ محمود ومشروعه، من خلال نماذج من الرسائل الجامعية – الدكتوراة والماجستير، وبينت الخطوات المنهجية التي اتبعتها في الدراسة: التعريفات، واختيار العينات… إلخ. واخترت جامعة الخرطوم نموذجاً للأكاديميا السودانية لأسباب عددتها. كما حددت وفصلت المجالات التي سأدرسها، وهي المجالات التي قدم فيها الأستاذ محمود محمد طه إسهامات عملية وعلمية ومواقف وعطاءات وطنية موثقة في كتبه وبياناته ومقالاته ومحاضراته.. إلخ، وكتب الإخوان الجمهوريين وبياناتهم، وفي إرشيف السودان. وأوضحت بأن معالجتي لموقف الأكاديميا السودانية وأساتيذها من الأستاذ محمود ومشروعه،تنطلق من عدة أسئلة، منها: هل كان الإنتاج الفكري للأستاذ محمود وإسهاماته في الحركة الوطنية، والفكر الإسلامي، المرأة…إلخ، ميداناً للدراسات الأكاديمية؟ ما هو موقف الأكاديميا السودانية من محاكمة الأستاذ محمود بالردة عن الإسلام في عام 1968م وفي عام 1985م؟ هل كانت أي من المحاكمتين موضعاً للدراسة من قبل الأكاديميين أو موضعاً للدراسات الأكاديمية أو الدراسات العليا؟ وما هو موقف الأكاديميا السودانية من تنفيذ حكم الإعدام على الأستاذ محمود عام 1985م، هل كان الحكم موضعاً لدراسة الأكاديميين أو موضعاً لتوجيه طلابهم لدراسة المحاكمة أو تنفيذ حكم الإعدام؟ هل كانت الدراسات الأكاديمية تشير أو تستشهد بآراء الأستاذ محمود في المجالات التي كانت له فيها إسهامات منشورة؟ هل تضمنت قوائم مصادر ومراجع الدراسات الأكاديمية إشارة للأستاذ محمود في المجالات التي كانت له فيها إسهامات منشورة، أم أنها خلت من الإشارة إليه؟… إلخ، كما هو مفصل في الفصل الثالث عشر. 

الأطروحات الأربع وخلط الأوراق وتداخل المعلومات

على ضوء ما تقدم درست (32) أطروحة جامعية، وقد تضمنت بالطبع، أطروحات في مجال تاريخ السودان السياسي،كان من بينها أربع أطروحات أشرفت عليها البروفيسور فدوى، الأمر الذي دفعها لنشر مقالها، وبيَّنت، قائلة: “يتناول هذا المقال بالنقد والتوضيح ما ذكره مؤلف الكتاب عن أطروحات أشرفتُ عليها وأجيزت في كلية الدراسات العليا تطرق لها بين الصفحات 774 – 828 من الباب الرابع الفصل الثالث عشر، الأستاذ محمود والأكاديميا السودانية قراءة في نماذج من الرسائل الجامعية (الدكتوراه والماجستير)”.

كانت الأطروحات التي أشرفت عليها البروفيسور فدوى، والمشار إليها، أربع أطروحات في مجال تاريخ السودان السياسي، بيد أن البروفيسور فدوى، داخلت بين المعلومات وخلطت بين الأمور، بما يخدم موضوعها، خلطاً عقد الأمر على نفسها وعلى القراء وعليَّ، لهذا لابد من التبيين والتوضيح والفرز لما ورد في المقال.

وهي تناقش في أمر الأطروحات الأربع التي أشرفت عليها، استدعت البروفيسور فدوى، وفي اطار نقدها وتوضيحها، الدكتور محمد سعيد القدال، والدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه، وما ورد لدى كل منهما في كتاب من كتبه عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، واستدعت كل ما يمكن أن يسعف، مما جاء في الأطروحات الأربع، على ندرته، عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، بما في ذلك إضافتها لأطروحتين أخريين في تاريخ السودان السياسي، كانت قد أشرفت عليهما، ولم يكونا ضمن العينات التي درستها. واستدعت كذلك ما قالته في المؤتمر السنوي للدراسات العليا والبحث العلمي، جامعة الخرطوم، 25 – 28 فبراير 2013، فهل ساعد الاستدعاء لكل هذه الأطراف، في دحض ما خلص إليه كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، بشأن التغييب؟ الإجابة لا، لم يساعد إلا على تأكيد التغييب. فقد دفعت البروفيسور فدوى، بما قالته تلك الأطراف عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، وداخلت بين هذه الأقوال مع معلوماتها، على قلتها، عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، فدفعت بها ضمن دفوعاتها وتبريرها، فأوحي كل ذلك في ساحة المقال بأن هناك حضوراً كبيراً للأستاذ محمود والحزب الجمهوري في أطروحات الطلاب، والأمر غير ذلك،وسنرى.

الأطروحات الأربع والحاجة لعمليات فرز الحقائق والمعلومات

لن ألجأ إلى الخلط وإنما سأسعى لتبيين الأمور حتى ننجح في بناء شراكة بين المختصين والقراء من أجل النظر وإعادة النظر فيما هو مطروح في ميدان النقد. تهيكلت مجادلتي بشأن الأطروحات الأربع،بناء على ما جاء في مقال البروفيسور فدوى، في أربعة محاور،هي:

أولاً: الأطروحات الأربع والإشارات للأستاذ محمود والحزب الجمهوري.

ثانياً: الأطروحات الأربع وغياب المصادر الأولية Primary Sources

ثالثاً: استدعاء البروفيسور فدوى للدكتور القدَّال والدكتور فيصل.

رابعاً: الأطروحات الأربع وتجليات التغييب.

أولاً: الأطروحات الأربع والإشارات للأستاذ محمود والحزب الجمهوري

نحن أمام أربع أطروحات جاءت ضمن العينات التي درسها كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون. والأطروحات الأربع، كما جاء في مقال البروفيسور فدوى:

  1. 1.      أطروحة أشارت للأستاذ محمود والجمهوريين، نقلاً عن آخرين، وليس استناداً على المصادر الأولية.
  2. 2.      وأخرى خلت من ذكر الحزب الجمهوري لعدم ممارسة الحزب للعمل السياسي وضآلة وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية، حسب رأي المشرفة.
  3. 3.      وأطروحة ثالثة لم يرد فيها ذكر للحزب الجمهوري، لأن الأطروحة، حسب المشرفة، تناولت مداولات الأعضاء الجنوبيين في برلمانات ولجان ومجالس محددة  ولا تتحدث عن دور الزعماء السياسيين ورؤيتهم لمشكلة الجنوب ولم تورد أي رأي لحزب آخر وموضوعها محدد.
  4. 4.      والأطروحة الرابعة لم تذكر الحزب الجمهوري – حسب المشرفة – لأن الأطروحة ذكرت فقط الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات البرلمانية التي تناولتها في بحثها ولا يوجد دور للحزب الجمهوري في ما تناولته.

الأطروحات الأربع وغياب المصادر الأولية Primary Sources

هنا لابد من الإشارة لبعض الأمور:

الأمر الأول: الحقيقة التي لا جدال فيها، كما جاءت في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، أن قائمة مصادر ومراجع الأطروحات الأربع، قد خلت تماماً من أي ذكر لأي كتاب أو بيان أو محاضرة أو ندوة… إلخ باسم الأستاذ محمود محمد طه، أو باسم الإخوان الجمهوريين. والحقيقة التي لا جدال فيها أيضاً، أنه ليس هناك أطروحة واحدة من تلك الأطروحات اعتمدت على مصدر من المصادر الأولية.

الأمر الثاني: دفعت البروفيسور فدوى في المقال، بأطروحة خامسة لم تكن من ضمن العينات التي درسها كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، وكتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “كما لم يذكر المؤلف أطروحة الباحث هاشم بابكر محمد أحمد علوب، المصالحات الوطنية في السودان في الفترة مابين 1972-1985م، ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2010م، إشراف فدوى عبد الرحمن علي طه،  أورد فيها الباحث هاشم في الصفحات من 116 – 117 رأي الحزب الجمهوري في المصالحة الوطنية ولم يعزله من رأي الأحزاب الأخرى. وقد نجد له عذراً في أنها لم تكن من بين العينة كما أنها لم تكن بين مصادر ومراجع عبد العظيم”. (انتهى) الحقيقة التي لا جدال فيها، فإنه حتى هذه الأطروحة، والتي لم تكن من ضمن العينات التي درستها، خلت أيضاً، قائمة مصادرها ومراجعها من أي ذكر لأي كتاب أو بيان أو محاضرة أو ندوة… إلخ باسم الأستاذ محمود، أو باسم الإخوان الجمهوريين.

الأمر الثالث: كتبت البروفيسور فدوى، في اطار تبريرها لغياب المصادر الأولية Primary Sources، بأن الأطروحات: “استقت من مصادر أخرى، وهو أمر معروف ومشروع في أبجديات البحث العلمي”.هذا التبرير في تقديري، لا يتماسك، في ميدان الدراسات الأكاديمية، أمام توفر المصادر الأولية. خاصة وأننا أمام حركة نشر مرشدها الأستاذ محمود محمد طه، خلال الفترة ما بين 1945- 1985، (34) كتاباً، وأشرف على نحو (300) كتاب أعدتها الأخوات الجمهوريات والإخوان الجمهوريون، وأذاع المئات من البيانات والمناشير والمقالات، وأقام المئات من المحاضرات والندوات… إلخ. ففي تقديري، أننا أمام حركة فكرية وسياسية، حرصت على التوثيق وحفظ النسب للأحداث والوقائع بصورة مدهشة، وفي غاية الاتقان والعلمية. لكن السؤال المهم، حتى لا نظلم الباحثين والطلاب، هل هذه المصادر متوفرة؟ وهل مصادر بهذا الحجم والكم، كما ورد أعلاه، متاحة للباحثين والطلاب ويمكن الوصول إليها بسهولة؟ والإجابة على هذا السؤال المركزي تقودنا للأمر الرابع.

الأمر الرابع: الإجابة: نعم هذه المصادر، ومن واقع تجربتي، متوفرة ومتاحة ويمكن الوصول إليها والرجوع إليها بكل سهولة. فجل كتب الأستاذ محمود، وجل كتب الإخوان الجمهوريين،وقفت عليها في مكتبة السودان، بجامعة الخرطوم، وبدار الوثائق السودانية بالخرطوم. ففي مكتبة السودان، جمعت تلك الكتب في مجلدات متينة ونظمت بطريقة لا ينقصها سوى تنقيب الباحثين والطلاب. وكانت آخر نظرة القيتها على تلك المجلدات في نهار الخميس 25 ديسمبر 2014م. كما أن دار الوثائق السودانية. تحتوي على عدد كبير من كتب الأستاذ محمود والإخوان الجمهوريين، وتضم عدداً ضخماً من البيانات والمناشير والمقالات، سواء في المكتبة، كما هو الحال بالنسبة لبعض الكتب، أو ضمن الوثائق، المحفوظة في صناديق تحوي بعض الكتب إلى جانب البيانات والمناشير، وبعض الحوارات مع الأستاذ محمود، وبعض الوثائق عن الحزب الجمهوري. يضاف إلى ذلك أن جل بيانات الحزب الجمهوري، وبيانات الأستاذ محمود منذ عام 1945 وحتى 1985 (هنا أتحدث عن مئات البيانات)،وبيانات الإخوان الجمهوريين، وجل مقالات الأستاذ محمود، والحوارات معه، يجدها الباحث، كما وقفت على عدد كبير منها،منشورة في صحف: الرأي العام، وصحيفة النيل، وصحيفة السودان الجديد، وصحيفة الأمة، وصحيفة الشعب، وصحيفة الاستقلال، وصحيفة صوت السودان، وصحيفة أنباء السودان، وصحيفة الزمان، وصحيفة الأضواء، وصحيفة الصحافة، وصحيفة الأيام، ومجلة الحياة، …إلخ. ونسبة لظروف الطلاب، لن أتحدث عن موقع الفكرة الجمهورية على الإنترنت www.alfikra.org، والذي يتضمن: كتب الأستاذ محمود والكثير من محاضراته وندواته واللقاءات الصحفية والإذاعية معه… إلخ إلى جانب بعض كتب الإخوان الجمهوريين. وبرغم أن الموقع طرح خدماته للزوار قبل ستة أعوام من تاريخ أقدم أطروحة من بين الأطروحات الأربع، وقبل ثلاثة عشر عاماً من تاريخ أحدث أطروحة من الأطروحات الأربع، إلا أنني لن أتحدث عنه، تقديراً للظروف أو للصعوبات التي، ربما، تواجه بعض الطلاب في التعاطي مع الإنترنت في السودان، ولذلك سأركز  فقط على المصادر الأولية المتوفرة في دار الوثائق السودانية ومكتبة السودان بجامعة الخرطوم.

الشاهد أن هذه المصادر الأولية وقفت عليها بنفسي في دار الوثائق القومية، ومكتبة السودان بجامعة الخرطوم. ولا حاجة، أيضاً، للحديث عن ما هو متوفر خارج السودان، من المصادر الأولية، ربما وجد الطلاب بعض الصعوبات في الوصول إليها.

ثانياً: استدعاء البروفيسور فدوى للدكتور القدَّال والدكتور فيصل

استدعت البروفيسور فدوى الدكتور فيصل عبدالرحمن على طه، والدكتور محمد سعيد القدال، وكتبت قائلة: “أشار المؤلف في صفحات من كتابه إلى ما أورده الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه عن الحزب الجمهوري في كتابه: الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني… وما أورده بروفيسور محمد سعيد القدال عن الحزب الجمهوري في كتابه: تاريخ السودان الحديث 1820 – 1955″، وأضافت معلقة: ” لم تكن مصادر ومراجع فيصل ولا القدال مباشرة عن الأستاذ محمود محمد طه. فعندما تحدث فيصل عبد الرحمن عن الحزب الجمهوري  في كتابه (ص 229 – 232) لم يستند إلى أي كتب أو منشورات للحزب الجمهوري أو الأستاذ محمود محمد طه بل استقى المعلومة من مصادر أخرى هي جريدتا النيل والأهرام، وخلت مصادر ومراجع كتابه تماماً من ذلك. وينطبق ذلك أيضاً على مصادر ومراجع محمد سعيد القدال في كتابه، أي عدم الرجوع إلى مصدر أو مرجع مباشر للأستاذ محمود محمد طه أو تلاميذه.  ولم ينتقد المؤلف ذلك بل احتفل بالكتابين فلماذا يحلل لهما ذلك ويحرمه على طلابي الذين أورد بعضهم معلومات عن الحزب الجمهوري في مواقف معينة مناسبة لأبحاثهم استندوا فيها على مصادر أخرى غير كتابات الأستاذ محمود”.

هنا أدعو البروفيسور فدوى، إلى مراجعة ما كتبته أعلاه، بشأن الدكتور فيصل، والدكتور القدال. فهو  رأي غير دقيق، وقد استعجلت في ابدائه.

كنت قد كتبت في كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، بشأن الدكتور القدال والدكتور فيصل، قائلاً: “سار معظم المؤرخين وأساتذة العلوم السياسية والكُتاب على نهج معاصري الأستاذ محمود من طلائع المتعلمين فأغفلوا الحديث عن الأستاذ محمود وتجاهلوا  دوره في جلاء الاستعمار. ولم ينفرد من بين هؤلاء إلا عدد قليل، منهم محمد سعيد القدَّال الذي تضمنت معظم كتبه الإشارة للأستاذ محمود وإلى نضاله والحديث عن حزبه. بل يرى القدَّال أن الحزب الجمهوري، كما وردت الإشارة آنفاً: “…أخرج دعوة الاستقلال من محيط المناورات وطموح السيد عبد الرحمن، إلى نقاء العمل السياسي الحقيقي من أجل الاستقلال فألبسها دثاراً ناصعاً جعل منها دعوة يمكن أن تلهم جيلاً بأكمله. كما أخرج العمل السياسي من دائرة المناورات والتكتيك، إلى رحاب العمل الفكري القائم على البرنامج الملزم المحدد الجنبات والآفاق” (ص 494-495). ومنهم كذلك التجاني عامر، ومنصور خالد، وفرانسيس دينق، وفيصل عبدالرحمن علي طه، وآخرون غيرهم”.

فبرغم أن حديثي عن الدكتور فيصل والدكتور القدال كان في اطار مقارنتهم بالمؤرخين وأساتذة تاريخ السودان السياسي، وبرغم أنني لم احتف بالكتابين، كما أشارت البروفيسور فدوى، وإنما جاء تخصيصي للدكتور فيصل والدكتور القدال، مع آخرين، وليس هما فقط، في اطار المقارنة مع المؤرخين، وبرغم أن الاطار الزمني لكتاب الدكتور فيصل هو الفترة ما بين 1936 – 1953 والاطار الزمني لكتاب الدكتور القدال هو 1820 – 1955، وبرغم أنني كنت أتحدث عن “معظم كتبهم” وليس كتاباً واحداً لكل منهما، إلا أنه لا مانع لدي من مناقشة الأمر على ضوء ما جاءت به البروفيسور فدوى.

الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

أولاً أشكر البروفيسور فدوى على أنها لفتت نظري للخطأ المطبعي في مفردة (البريطاني) في عنوان كتاب الدكتور فيصل، فقد رسمتها (السوداني)، وللخطأ في تاريخ ائتلاف حزب الشعب الديمقراطي مع الحزب الوطني الاتحادي عام 1967 فقد ورد عندي 1965، وقد سجلت الملاحظتين لتعديلهما في الطبعة الثانية القادمة.

بشأن الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه، ليس صحيحاً البتة، ما ذهبت إليه البروفيسور فدوى، من أن الدكتور فيصل لم يعتمد على مصدر أولي. لقد اعتمد الدكتور فيصل في كتابه، على مصادر أولية، وليس مصدراً واحداً، بل لم يعتمد الدكتور فيصل في هذا الكتاب أو في كتابه الآخر الموسوم بـ: السودان على مشارف الاستقلال الثاني (1954م-1956م)، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، ط1، 2010م، فيما أورده عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، إلا على مصادر أولية. وهذه حقيقة. لقد خصص الدكتور فيصل الفصل الثامن من القسم الثاني من كتابه: الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني، للحزب الجمهوري، وجاء الفصل بعنوان: “الإعلان في 4 نوفمبر 1945 عن قيام حزب استقلالي آخر: الحزب الجمهوري”.وتناول الفصل قيام الحزب الجمهوري، ومبدأ الحزب وغرضه، وعلاقة الحزب بمؤتمر الخريجين، وعلاقة الحزب بالأحزاب الأخرى، ورؤية الحزب للعلاقة بمصر… إلخ. اعتمد الدكتور فيصل في كتابه هذا على العديد من المصادر الأولية، وليس مصدر اً أولياً واحداً، منها على سبيل المثال لا الحصر: بيان الحزب الجمهوري عن “دستور الحزب الجمهوري” وتضمن البيان “مذكرة تفسيرية”، صدر البيان في يوم 26 أكتوبر 1945، ونشر في صحيفة النيل يوم 4 نوفمبر 1945. واعتمد الدكتور فصيل كذلك على بيان الحزب الجمهوري الذي أصدره في 9 نوفمبر 1945 ونشر موسوماً بـ: “موقف الحزب الجمهوري من المؤتمر ومن وثيقة الاحزاب المؤتلفة”، بتاريخ 22 نوفمبر 1945 بصحيفة النيل. واعتمد الدكتور فيصل على منشور الحزب الجمهوري رقم (20)، بعنوان: “نداء من الحزب الجمهوري” وهو نداء موجه للمصريين.. تكررت فيه عبارة: “أيها المصريون”، ونشر البيان بصحيفة الأهرام، في يوم 5 فبراير 1947. كذلك اعتمد الدكتور فيصل في إشارة أخرى عن الأستاذ محمود، ضمن كتابه، في غير ذلك الفصل، على مصدر مباشر فقد أورد تصريح الأستاذ محمود عن رحلة وفد الجبهة الاستقلالية إلى مصر، ونشر التصريح في يوم 8 يونيو 1952، بصحيفة السودان الجديد… إلخ.مع التذكير بأن الاطار الزمني لكتاب الدكتور فيصل الذي أشارت له البروفيسور فدوى هو الفترة ما بين 1936- 1953.

الدكتور محمد سعيد القدَّال

كتبت البروفيسور فدوى، وهي تتحدث عن مؤلف كتاب الأستاذ محمود والمثقفون، قائلة: “لكنه كان انتقائياً فيما أورده واكتفى فقط بعبارة: وفصل القدَّال في ذلك (ص 371)، علماً بأن ما كتبه المؤرخ القدَّال عن الحزب الجمهوري يتجاوز الصفحة الواحدة بقليل وكان في معظمه نقد للحزب الجمهوري. فضمن طائلة ماذا يقع تغييب المؤلف  لنقد القدَّال؟ طائلة تزوير التاريخ أم عدم الالتزام الأكاديمي والأخلاقي”. من المهم الإشارة إلى أنني لم أطالب بأن لا ينقد الناس الحزب الجمهوري، وليس عندي القدَّال فوق النقد، مع احترامي له، بل النقد مطلوب، والنقد هو احضار وحضور للمغيب، كما أنني أرى أن لا تطور بدون نقد. إن الذي طالبت به ليس عدم النقد، وإنما عدم التغييب والتهميش وبتر المعارف. فذكر الحزب الجمهوري حتى لو كان بالنقد، ذكر مطلوب ومحمود. أما حديثي عن الدكتور القدال، لم يكن عن كتاب واحد وإنما قلت “معظم كتب القدَّال”، وهذا ما يفسر أن القدال حينما خصص عنواناً للحزب الجمهوري في كتابه: تاريخ السودان الحديث 1820 – 1955، اعتمد على كتابه: الإسلام والسياسة في السودان 1651- 1985، وقد كان ضمن قائمة مصادره، وقد تحدث فيه عن الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، حديثاً مطولاً اعتمد فيه على مصادر أولية منها كتب وبيانات وتصريحات، ومنها على سبيل المثال، لا الحصر كتاب الأستاذ محمود: زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان: 1. الثقافة الغربية2. الإسلام من كتابه: أضواء على المشكلة الدستورية، و كتاب: “الإخوان الجمهوريون، حيثيات المحكمة العليا في قضية الأستاذ محمود محمد طه: انتصار للحق، ودحض للحكم المهزلة”، إلى جانب أنه أورد كلمة الأستاذ محمود في محكمة المهلاوي يوم 7 يناير 1984، واعتمد على بيانات وحوارات وتصريحات للأستاذ محمود بشأن محكمة الردة الأولى، ونشر بعضها في صحيفة الأيام خلال الفترة: 17- 18- 19- 20 -21 نوفمبر 1968. وغطى حديث القدال في كتابه صفحات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، صفحة: 157، 158، 159، 160، 226، 227، 228، 229… إلخ. الشاهد أن القدال، ليس فوق النقد، ولم أقل أنه فوق النقد، فقط قلت أن معظم كتبه، تضمنت الإشارة إلى الأستاذ محمود، وهذا ما قصدته بقولي عن المؤرخين: “ولم ينفرد من بين هؤلاء إلا عدد قليل، منهم محمد سعيد القدَّال الذي تضمنت معظم كتبه الإشارة للأستاذ محمود وإلى نضاله والحديث عن حزبه”.وقد أشرت إلى آخرين غيره، كان منهم فيصل عبدالرحمن علي طه، ومنصور خالد، وفرانسيس دينق، والتجاني عامر، وقلت وهناك آخرون غيرهم.

الشاهد أن تخصيص الدكتور فيصل، فصلاً في كتابه عن الحزب الجمهوري، وتخصيص الدكتور القدَّال، عنواناً باسم الحزب الجمهوري في كتابه، أمر، حسب علمي، لم يأتِ به أحد غير هما إلى جانب الذين أشرت لهم معهم، ممن كتب عن تاريخ الحركة الوطنية، أو تاريخ السودان السياسي،ولم يسبقهما فيه أحد، سوى أحمد خير المحامي في كتابه كفاح جيل. مع التأكيد على أن كليهما استخدم مصادر أولية.

نواصل في الحلقة القادمة، ونتناول محور: “الأطروحات الأربع وتجليات التغييب”.

عبدالله الفكي البشير