**  الأطروحات الأربع وتجليات التغييب **  الأطروحة الأولى: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي

عبدالله الفكي البشير

 

بدأت البروفيسور فدوى نقدها وتوضيحها برسالة الباحث عبد العظيم محمد حمد أبو الحسن: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي 1955- 1985م، ماجستير غير منشورة، جامعة الخرطوم، 2010م.  

 

جاء في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون: “فما كنت أعتقد أن هذه الرسالة ستكون قائمة مصادرها ومراجعها خالية من كتب الأستاذ محمود وبياناته ومناشيره”. السؤال: هل خلت قائمة مصادر ومراجع هذه الأطروحة من كتب الأستاذ محمود وبياناته ومناشيره… إلخ؟ وهل ورد في قائمة مصادرها ومراجعها كتاباً واحداً من الكتب التي تصدر باسم الإخوان الجمهوريين؟

الإجابة: لقد خلت قائمة مصادر ومراجع هذه الأطروحة من أي كتاب باسم الأستاذ محمود أو بيان أو منشور… إلخ، كما لم يرد ذكر في قائمتها لأي كتاب من كتب الإخوان الجمهوريين. هذه حقيقة لا جدال فيها.

 

كتبت البروفيسور فدوى، أن المعلومات في الأطروحات “استقت من مصادر أخرى، وهو أمر معروف ومشروع في أبجديات البحث العلمي”. هذا صحيح ولكنه ليس صحيحاً كل الصحة. فمن المعلوم كذلك في أبجديات البحث العلمي، ولعل البروفيسور فدوى تتفق معي، أن الاستقاء من المصادر الأخرى في ظل توفر المصادر الأولية Primary Sources يمثل نقطة ضعف أساسية في البحث العلمي، كما ورد آنفاً. الشاهد أن النقد هنا نقد مستحق، وأعتقد أن هذه الجزئية كان يمكن للبروفسيورة فدوي، أن تقدم لنا فيها، نقداً ذاتياً مستحقاً ومطلوباً في الدوائر العلمية. فاعتماد الباحث، على كتاب: عبداللطيف البوني، في ظل وجود وتوفر المصادر الأولية أمر يمثل نقطة ضعف جوهرية، تحتاج منا لإعمال الحس النقدي.

 

كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “تناول الباحث عبد العظيم بين الصفحات 112 – 113 أموراً تتعلق بالحزب الجمهوري وابتدر حديثه عن معارضة لجنة مراجعة القوانين التي كونت عام 1977  بمعارضة الحزب الجمهوري…” إلى أن تقول مشيرة للمرجع الذي اعتمد عليه الباحث، قائلة: “… نقلاً عن عبد اللطيف البوني: تجربة نميري الإسلامية في السودان مايو 1969م- أبريل 1985م، الخرطوم، 1995م. وهذا الكتاب لا يوجد له أثر بين مصادر ومراجع المؤلف”.  هنا مصدر الباحث هو الدكتور عبداللطيف البوني نفسه، مع كامل احترامي للبوني، ويغطي كتابه الفترة ما بين 1969- 1985، والاطار الزمني لأطروحة الباحث 1955- 1985.

 

كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “وأورد عبد العظيم الآتي:  “انتقد الجمهوريون لجنة مراجعة القوانين السارية وتعديلها لتتماشي مع الشريعة منذ تكوينها إذ قاموا بإصدار كتيب في أغسطس 1977 عنوانه “الشريعة الإسلامية تتعارض مع الدستور الإسلامي”، وأورد الباحث بعض ما جاء في هذا الكتيب…”. وأضافت البروفيسور فدوى قائلة: “وكان مصدر عبد العظيم الذي أورده في الهامش  “الإخوان الجمهوريون، الشريعة الإسلامية تتعارض مع الدستور الإسلامي، ص 37″ نقلاً عن عبد اللطيف البوني: تجربة نميري الإسلامية في السودان مايو 1969م- أبريل 1985م، الخرطوم، 1995م. وهذا الكتاب لا يوجد له أثر بين مصادر ومراجع المؤلف”. (انتهى). الإشارة لكتاب الإخوان الجمهوريين: الشريعة الإسلامية تتعارض مع الدستور الإسلامي ، بما يشبه أن الباحث قد اعتمد على مصدر أولي،إشارة غير دقيقة، فالأمر وبرغم استخدام البروفيسور فدوى، لجملة: “وكان مصدر عبد العظيم الذي أورده في الهامش “الإخوان الجمهوريون، الشريعة الإسلامية تتعارض مع الدستور الإسلامي، ص 37 نقلاً …”، فهذه الجملة لا تغير شيئاً بشأن غياب المصدر الأولي، ذلك لأن ما جاء كان نقلاً عن عبداللطيف البوني.

 

الاعتماد على المصادر الأخرى في ظل توفر الأولية منها يكلس الأدوار ويقزم المواقف ويتحكم في الاطار الزمني: أطروحة قضية إسلامية الدستور نموذجاً

 

تناولت الأطروحة: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي 1955- 1985م، لهذا كتبت في كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، قائلاً: “وما كنت أعتقد أن هناك رسالة جامعية أنسب من هذه الرسالة للاستشهاد بأقوال الأستاذ محمود ومواقفه وكتاباته، ذلك لأن أمر إسلامية الدستور كان من أكثر الموضوعات التي انتقدها الأستاذ محمود نقداً باكراً ونشر نقده، كما لم يبلغ أذى تأذاه أحد في السودان من قضية إسلامية الدستور مثل ما تأذى الأستاذ محمود وتلاميذه وتلميذاته، بيد أن الرسالة كانت لا تختلف عن الرسائل الجامعية التي تجاهلت الأستاذ محمود وأهملته، فلم يرد كتاب واحد من كتب الأستاذ محمود أو منشور أو بيان في قائمة مصادرها ومراجعها، في تقديري أن هذا الأمر لا يستقيم علمياً وأخلاقياً فالاطار الزمني للرسالة يبدأ بعام 1955م وينتهي بعام 1985م…”.

 

فالأطروحة موضوعها: قضية إسلامية الدستور والقوانين وتأثيرها على الاستقرار السياسي، ففي تقديري، هي الأنسب لتناول القضايا المركزية الكبرى، التي كان يقود مواجهتها الأستاذ محمود، وهي قضايا عديدة. لكن استناد الباحث على الدكتور عبداللطيف البوني، مع غياب المصادر الأولية: كتب الأستاذ محمود وبياناته ومحاضراته وكتب الإخوان الجمهوريين، تحكم في الاطار الزمني لما قدمه في الأطروحة. فالاطار الزمني لكتاب البوني هو 1969- 1985، بينما كانت هناك مواقف وقضايا عديدة خلال الفترة ما بين 1955- 1985 وهي الفترة التي تمثل الاطار الزمني لأطروحة الباحث. كان هناك نشاط كبير قام به الأستاذ محمود، منذ عام 1955، وقد أوردت البروفيسور فدوى، بعضه ضمن حديثها كمعلومات منها، ولم يكن ضمن ما جاء في الأطروحات موضوع الدراسة، منها كتاب: محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري يقدم أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية، وعضوية الأستاذ محمود في اللجنة القومية للدستور وسبب انسحابه منها، وعضويته في اللجنة الاستقلالية الثانية 1955، ودوره في مؤتمر الدفاع عن الديمقراطية نوفمبر 1965م، …إلخ وغيره مما سنكشف عنه في تناولنا للأطروحة التالية.

 

إلى جانب أن هناك قضايا كبرى ومركزية، لا يستقيم فيها الأمر إلا بالاستناد على المصادر الأولية، ويجب ألا  يتم تهميش القضايا المركزية بالاستناد على غير المصادر الأولية، خاصة وأن صاحب القضايا المركزية، كتب وتحدث ونشر ووزع المناشير… إلخ، من تلك القضايا المركزية: محكمة الردة نوفمبر 1968، وقضية الردة يناير 1985، وقضية الاستتابة، التي وسمها الدكتور القدال بمحكمة الاستتابة، وقد تحدث عنها بتوسع في كتابه: الإسلام والسياسة في السودان (1651م-1985م)، ط1، دار الجيل، بيروت، 1992م، ص227-228، وكتب القدال قائلاً:”وكونوا محكمة الاستتابة… وكانت جلسة مفتوحة بثتها أجهزة الإعلام، انحدر فيها القضاة إلى درك العصور الوسطى”.إلى جانب قضية الردة الثانية 7 يناير 1985، وكلمة الأستاذ محمود في المحكمة، وتنفيذ حكم الاعدام، … إلخ. وكل ذلك موثق بالكتاب والبيان والمقال والندوة والمحاضرة. فقد كتب الأستاذ محمود سلسلة من الكتب وأقام العديد من الندوات بعنوان: بيننا وبين محكمة الردة، ونشر  مع تلاميذه وتلميذاته، 27 بياناً، وفقاً لمقتنياتي، جاءت متسلسلة (الحزب الجمهوري- بيان رقم: “1”… وهكذا) وبعناوين عديدة: مهزلة القضاة الشرعيين، وتصفية المحاكم الشرعية، وتصفية المحاكم المليّة، وأكثر من 20 بياناً، وفقاً لمقتنياتي، وعشرات الندوات وأسابيع كثيرة عن مناهضة الدستور الإسلامي خلال الفترة ما بين 1968 وحتى مارس 1969، وجاءت البيانات متسلسلة (الحزب الجمهوري- بيان رقم: “1”… وهكذا) وبعناوين مختلفة منها: الحزب الجمهوري- بيان رقم: (14) بمناسبة اسبوع مناهضة الدستور الإسلامي المزيف”، الحزب الجمهوري- بيان رقم (16): “لا دستور ولا ديمقراطية إلا بكفالة الحقوق الأساسية”، الحزب الجمهوري- بيان رقم (17) “تدخل علماء الفقه المصريين في السياسة السودانية”… إلخ. كما نشر الأستاذ محمود كثيراً عن الدستور الإسلامي، ففي عام 1968م نشر كتاباً بعنوان: الدستور الإسلامي؟ نعم.. ولا!!، ونشر في عام 1969م كتاباً بعنوان: أسس حماية الحقوق الأساسية، هذا إلى جانب كم هائل من المناشير والمحاضرات التي تحدث فيها الأستاذ محمود عن الدستور الإسلامي وآثاره السياسية وظلاله على بناء الأمة. وقد فصلت ذلك في كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”. وجل هذه المصادر متوفرة في دار الوثائق السودانية، بما في ذلك أقوى بيان في مواجهة القضاة الشرعيين، والذي أصدره الأستاذ محمود بعد أن أصدرت المحكمة المهزلة حكمها بالردة في 18 نوفمبر 1968، وهو البيان نمرة (1): مهزلة القضاة الشرعيين”، ووزعه يوم 19 نوفمبر 1968م، ونشر في صدر الصفحة الأولى من صحيفة السودان الجديد بتاريخ 20 نوفمبر. الشاهد إن تهميش القضايا الكبرى والمركزية في دراساتنا وبحوثنا، يضخ مناخات هزيمة الوعي والانكسار في التاريخ ولدى الأجيال.

 

الخلاصة إن الأطروحة نقلاً عن الدكتور عبداللطيف البوني أشارت لطرف من مواقف الأستاذ محمود والجمهوريين من حل الحزب الشيوعي واتفاقية أديس أبابا 1972، والمصالحة 1977 والموقف من قوانين سبتمبر 1983، بينما كان الاطار الزمني للأطروحة ما بين 1955- 1985. فهل انعدم نشاط الأستاذ محمود  والحزب الجمهوري خلال الفترة ما بين 1955 وحتى تاريخ إشارات الباحث القليلة المنقولة من مصدر غير أولي؟ أم أن الأكاديميا السودانية بما فيها مشرفة الباحث نفسها، على قناعة تامة بما ورثته من صورة منمطة قوامها أن الأستاذ محمود والحزب الجمهوري لم يكن لهما نشاط في تلك الفترة؟ يمكننا الكشف عن ذلك، والإجابة عن تلك الأسئلة من خلال ما أطلقته البروفيسور فدوى من حكم على الأستاذ محمود والحزب الجمهوري في تبريرها لخلو الأطروحة التالية من ذكر الحزب الجمهوري والأستاذ محمود.

 

الأطروحة الثانية

تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952-  1958    

 

كتبت البروفيسور فدوى قائلة: “أوكد أن مجموعة الطلاب الذين أشرفت وأشرف عليهم  ليس ضعيفي الصلة -كما أورد المؤلف- بفهارس ومصادر الدراسات السودانية في دار الوثائق القومية.  ولو أعاد المؤلف النظر في قائمة المصادر والمراجع لتلك الأطروحات لوجد أن دار الوثائق القومية تتصدرها وكانت سكناً  بالنسبة لهم إبان إعداد أطروحاتهم. ولم يكن ذلك بسبب ضعف التدريب الأكاديمي حيث ذكر مؤلف الكتاب في ص 1064 “المهم الإشارة إلى أن الإغفال والتجاهل للأستاذ محمود لم يكن كله متعمداً ومقصودا  فبعضه يعود لضعف التدريب الأكاديمي وحالة الكسل العقلي إلى جانب الغياب لإعمال الحس النقدي” وإنما بسبب تدريب الطالب على التقيد بالموضوع الذي يبحث فيه فأخرج هؤلاء الطلاب أطروحات موثقة ومتوازنة وجيدة استوفت مستلزمات البحث العلمي الأكاديمي الجاد”.

 

والآن نناقش الأمر على ضوء ما تريده البروفيسور فدوى، وهو أن دار الوثائق القومية كانت سكناً لطلابها ابان اعدادهم لأطروحاتهم، وأن الطالب تدرب: “على التقيد بالموضوع الذي يبحث فيه”. ونناقش الأمر متقيدين بالموضوع وبالاطار الزمني للأطروحة.

 

كتبت البروفيسور فدوى، في تبريرها لعدم ذكر الحزب الجمهوري والأستاذ محمود في أطروحة عنوانها وموضوعها: تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952- 1958، قائلة: “في تقديري أن عدم ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي نتج عنها ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية الذي أشار إليه القدَّال. فقد امتنع الحزب عن المشاركة في لجان الدستور وقاطع الانتخابات البرلمانية وبالتالي لم يكن له دور في مداولات البرلمان. ويكفي ما ذكره القدَّال أعلاه ليبرر خلو رسالة الباحثة شيرين إبراهيم النور، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952 – 1958، رسالة ماجستير جامعة الخرطوم 2010 ، من ذكر للحزب الجمهوري في رسالتها إلا في مواضع قليلة جداً”.

 

ما كنت أود لمثل مقام البروفيسورة فدوى، أن يقبل بإرث تنميط الصورة.

 

التأريخ للحركة السياسية السودانية والأسئلة المشروعة

 

من واقع ما أوردته البروفيسور فدوى، عن أطروحة: تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952- 1958، تقفز الأسئلة التالية: هل صحيح، كما ذهبت البروفيسور فدوى قائلة، “في تقديري أن عدم ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي نتج عنها ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية الذي أشار إليه القدَّال”؟ وهل نقاء السريرة وصفاء الطوية، الذي ركنت إليه البروفيسور فدوى في قول القدَّال: “إن أزمة الحزب الجمهوري، أنه قائم على نقاء السريرة وصفاء الطوية”، هل يمنع النشاط السياسي؟ وهل بالفعل، كما ذهبت البروفيسور فدوى، قائلة: “ولا توجد مناسبة للإشارة للأستاذ محمود أو كتبه أو كتب تلاميذه في قائمة المصادر والمراجع”؟ في أطروحة عنوانها وموضوعها تاريخ الحركة السياسية. وهل، كما ذهبت البروفيسور فدوى، قائلة: “حقيقة الأمر هي أن دور الحزب الجمهوري السياسي محدود جداً لأن الحزب غيب نفسه كما أسلفت القول من المواقع العملية للسياسة المتمثلة في الانتخابات والبرلمانات والمجالس واللجان”؟ وهل المواقع العملية للسياسة لا تتمثل إلا في الانتخابات والبرلمانات والمجالس واللجان؟ وهل بالفعل غيب الحزب نفسه خلال الفترة، التي مثلت الاطار الزمني للأطروحة، وهي ما بين 1952 وحتى 1958؟

 

والحق الذي لا مراء فيه، أن الأمر غير ما ذهبت إليه البروفيسور فدوى البتة، وغير ما ورثه الناس في كتب الحركة الوطنية وتاريخ السودان السياسي، وغير ما درجت عليه الدراسات في إرث الأكاديميا السودانية. فالوقائع والأحداث الموثقة تؤكد أن الفترة ما بين 1952- 1958، وهي تمثل الاطار الزمني للأطروحة المعنية، كانت من أكثر الفترات نشاطاً وأوسعها حراكاً للحزب الجمهوري. فقد شهدت هذه الفترة بالذات انتاج كم هائل (وليس كثيراً فحسب)، من آراء الحزب السياسية وتعبيره واعلانه عن مواقفه السياسية من القضايا في الساحات المحلية والإقليمية والعالمية، وكل هذا النشاط، وهو نشاط نوعي ومغاير عن السائد والمألوف، موثق ومحفوظ نسبه العلمي. وقبل التفصيل الموثق لذلك النشاط، أقدم جرداً مجملاً لما قام به الحزب الجمهوري خلال الفترة ما بين 1952- 1958، وقد حكمت البروفيسور فدوى أن الحزب في هذه الفترة “غيب نفسه”، وحكمت، قائلة: “ان عدم ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي نتج عنها ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية”، واكتفت في أطروحة موضوعها تاريخ الحركة السياسية السودانية، بما ذكره القدَّال، لتقول: “يكفي ما ذكره القدَّال أعلاه ليبرر خلو رسالة الباحثة شيرين إبراهيم النور، تاريخ الحركة السياسية السودانية 1952- 1958، رسالة ماجستير جامعة الخرطوم 2010، من ذكر للحزب الجمهوري”. ولنرى المفارقة بين الوقائع وبين الحكم الذي أطلقته البروفيسور فدوى، من خلال جرد مجمل لنشاط الحزب وحراكه خلال الفترة 1952- 1958، ثم يتبعه التفصيل، وكل ما أقوله من جرد مجمل وتفصيل لنشاط الحزب موثق، ومشار لمصادر توثيقه.

 

جرد مجمل لنشاط الحزب الجمهوري وحضوره في الساحة السياسية خلال الفترة ما بين 1952- 1958

 

  1. 1.   في هذه الفترة (1952- 1958) اصدر الحزب الجمهوري، صحيفة ناطقة بلسان حاله، وهي: صحيفة الجمهورية، صاحب الامتياز الحزب الجمهوري، ورئيس تحريرها الأستاذ محمود، رئيس الحزب. صدر أول أعداد الصحيفة في يوم 15 يناير 1954، وهو اليوم الذي شهد اعلان شعار الحزب: (الحرية لنا ولسوانا)، وظل الشعار بارزاً على صدر الصحيفة، وأنشطة الحزب.
  2. 2.   في هذه الفترة افتتح الحزب الجمهوري مكتباً له في الخرطوم، وبالتحديد في يوم 12 يناير 1952، وافتتح في هذه الفترة دار اً إقليمية كانت في مدينة مدني، وشهد الداران حراكا واسعاً من ندوات ومحاضرات، كما سيرد تفصيل ذلك.
  3. 3.   في هذه الفترة بالتحديد، نشر الحزب الجمهوري أربعة كتب، هي: (قل هذه سبيلي: الاقتصاد، الاجتماع، التعليم، المرأة) وكتاب: (Islam the Way Out)، وكتاب بعنوان: (محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري يقدم أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية)، وكتاب بعنوان: (الحزب الجمهوري على حوادث الساعة: حقيقية النزاع في الشرق الأوسط، حوادث العراق، التدخل المصري). وهي مفصلة  أدناه.
  4. 4.   شهدت هذه الفترة تنظيم أول مؤتمر للحزب الجمهوري بداره بمدينة مدني، ونشرت صحيفة الزمان، بتاريخ 9 يونيو 1958م، العدد (97)، كما وقفت عليها بدار الوثائق، تفاصيل برنامج المؤتمر ، منها ما هو داخلي للأعضاء، ومنها ما هو جماهيري مفتوح. وبينت الصحيفة أن مدة المؤتمر (7) أيام بمشاركة مندوبي الحزب من الخرطوم ومدني وبورتسودان والروصيرص. كما فصلت الصحيفة الليالي السياسية المصاحبة للمؤتمر، وذكرت أن منها ليالي سياسية يتحدث فيها زعماء الحزب عن: فلسفة الحكم ومستقبل الديمقراطية، ومستقبل الاقتصاد، وندوة بعنوان: “اقتصاديات السودان”… إلخ.
  5. 5.   في هذه الفترة أرسل الحزب الجمهوري ثلاثة خطابات لرؤساء مصر. أرسلت الخطابات بالبريد، ونشرت كذلك في الصحف المحلية في الخرطوم. الخطاب الأول عام 1952 إلى اللواء محمد نجيب قائدة ثورة 23 يوليو 1952. والخطابان الأخيران إلى الرئيس جمال عبدالناصر. الخطاب الأول في عام 1955، نشرته صحيفة الاستقلال، والخطاب الثاني عام 1958 ونشرته صحيفة أنباء السودان، ويتكون هذا الخطاب من أكثر من ثلاثة آلاف كلمة. أُرسلت هذه الخطابات إلى رؤساء دولة هي مستعمرة للسودان، وظلت باقية بعد الاستقلال 1956، بأجهزتها ومؤسساتها، وذات تأثير قوي في مسار السودان السياسي، بل في أفريقيا والعالم العربي. فما بالك برسائل إلى رؤسائها بتوقيع رئيس حزب سوداني وتضمنت مواجهة قوية، ونشرت تلك الرسائل في الصحف في ظروف حرجة.
  6. 6.   في هذه الفترة دعا الحزب الجمهوري، إلى انسحاب السودان فوراً من جامعة الدول العربية، وطرح دعوته، ونُشرت في صدر الصفحة الأولى من صحيفة أنباء السودان، 1958، ضمن بيان بعنوان: “الحزب الجمهوري يقدم دعائم الميثاق القومي”، وبيان آخر بعنوان: “عضويتنا في جامعة الدول العربية”. أدناه تاريخ نشر البيانات في الصحف.
  7. 7.   في هذه الفترة تحديداً فجر الأستاذ محمود سجالاً واسعاً عن القومية العربية، بسبب ما جاء في محاضراته وكتاباته عنها. خاصة المحاضرة العامة التي قدمها الأستاذ محمود بعنوان: “القومية العربية والتكتل الإسلامي في الميزان” في مساء يوم 31 يناير 1958 بدار الحزب الجمهوري بمدينة مدني. وصف الأستاذ محمود في محاضرته، القومية العربية بأنها عصبية و”دعوة باطلة” و”تكتل عنصري”، ونشرت صحيفة السودان الجديد ملخص المحاضرة في 6 فبراير 1958. فبدأت مساجلات عظيمة، ومناخ حواري كبير، كتبت على إثره ردود إلى جانب مقالات أخرى لم تكن ردوداً ولكنها رفدت المناخ العام. شارك في المساجلات، وكتابة المقالات عدد كبير من المثقفين كان منهم من أعضاء الحزب الجمهوري بالإضافة للأستاذ محمود، الأستاذ عبداللطيف عمر، والأستاذ جلال الدين الهادي، والأستاذ خوجلي محمد خوجلي، والأستاذ إبراهيم أحمد، وفي الجانب الآخر: الدكتور أحمد بدران (جامعة القاهرة)، والأستاذ سعيد ميرغني حمور، والأستاذ فضل بشير عبدالله، كما كتبت مقالات في ذلك المناخ، ومن كتابها: الشاعر محمد محمد علي، والأستاذ بابكر كرار، والأستاذ على عبد القيوم، والأستاذ محمد مصطفى الفكي، والأستاذ عثمان خالد مضوي، وغيرهم.
  8. 8.   كانت هذه الفترة بالتحديد، أكثر الفترات التي تناول فيها الأستاذ محمود رئيس الحزب الجمهوري، مشكلة مياه النيل والحدود مع مصر ومشكلة القضايا العالقة مع مصر، عبر المحاضرات في دار الحزب الجمهوري بمدينة مدني وعبر المقالات الصحفية. كما سيأتي تفصيله لاحقاً.
  9. 9.   شهدت هذه الفترة تحديداً بداية المواجهة بين الأستاذ محمود ومشايخ المعهد العلمي بأم درمان، ومشايخ الأزهر بالقاهرة المبتعثين للمعهد. بدأت المواجهة بسبب ندوتين.الأولى نظمها المعهد عن “مستقبل الثقافة العربية في السودان”وتحدث فيها شيخٌ مبتعثٌ من الأزهر. حضر الأستاذ محمود المحاضرة، وكتب نقداً قوياً لما جاء فيها ونشر بصحيفة أنباء السودان بتاريخ 18 أكتوبر 1958م. والمحاضرة الثانية قدمها الأستاذ محمود وكانت بعنوان: اشتراكية القرآن، ولم يعجب مشايخ المعهد، ما جاء فيها.
  10. 10.   كانت هذه الفترة تحديداً أكثر الفترات على الإطلاق، التي نشر فيها الأستاذ محمود المقالات السياسية، وهي مقالات طويلة تناولت الشؤون السياسية وقدمت نقداً قوياً للحركة الوطنية والأحزاب السياسية والعلاقات مع مصر… إلخ، وتجد أحياناً له مقالين في يوم واحد، أو مقالاً وبياناً، كما هو مبين في التفاصيل اللاحقة.
  11. 11.   في هذه الفترة كان للأستاذ محمود، رئيس الحزب الجمهوري، ولأول وآخر مرة، بالإضافة للمقالات الصحفية، عمودان صحفيان، متتاليان، وليسا في وقت واحد، بصحيفة أنباء السودان. العمود الأول كان بعنوان: “كلمة حق”، والعمود الثاني بعنوان: “مشكلة اليوم”. وكلا العمودين كانا في صدر الصفحة الأولى من الصحيفة. وكان في عمود: “مشكلة اليوم” يتناول مشاكل محلية وإقليمية وعالمية.
  12. 12.   هذه الفترة تحديداً شهدت تقديم الطلبات من بعض الأحزاب السودانية للتحالف مع الحزب الجمهوري وتوحيد النضال والعمل المشترك. فاصدر الحزب الجمهوري البيانات، لتوضيح ذلك للرأي العام، كما سيأتي مفصلاً . أيضاً، كتب يحيى محمد عبدالقادر، في كتابه: شخصيات من السودان: أسرار وراء الرجال، ج3، ص 144-146، قائلاً: “وقد حاول الحزب الاشتراكي وحزب الشعب (الكتلة) وكلاهما جمهوري أن يتعاونا معه بحجة وحدة الأهداف الرئيسية بين ثلاثتهما ولكن الحزب الجمهوري (فقط) رفض هذا التعاون لاتهامه كلا من الحزبين بممالأة المستعمر”.
  13. 13.   في هذه الفترة حظي الحزب الجمهوري بإعجاب كبير في الساحة السياسية. كتب بشير محمد سعيد (1921م-1995م)، مقالاً بعنوان: “الجمهوريون يرسمون الطريق”، ونشره في صحيفة السودان الجديد، العدد 1630، الأحد 8 يونيو 1952م، قائلاً: “إن في السودان الآن (8/7/1952م) نحواً من خمسة عشر حزباً كل منها ينادي بأعلى صوته أنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ هذا الشعب من براثن الاستعمار، وهي تقوم في معظم الأحوال لا على برامج سياسية واضحة ولكن على استغلال عواطف وعصبيات لا تمت إلى السياسة بصلة… وإني لأنتهز هذه الفرصة فأدعو جميع الأحزاب أن تحذو حذو الحزب الجمهوري فتخرج على الناس أهدافها ومراميها وتتعاون على تربية الشعب تربية سياسية لابد منها إن أردنا للشعب أن يكون له صوت وكلمة في حكومته”.
  14. 14.   في هذه الفترة تم حوار كبير بين الأستاذ محمود والشاعر محمد محمد علي عن الدين والأدب، ونشرت مقالاته في الصحف خلال عام 1954، وقد نشرت بعض المقالات والردود عليها في صحيفة الجمهورية، الناطقة بلسان حال الحزب الجمهوري. لقد وصف الدكتور حيدر إبراهيم، الحوار بين الأستاذ محمود والشاعر محمد محمد علي، بأنه “من أرقى الحوارات السودانية”.

لابد من الإشارة – وقبل تقديم التفاصيل الموثقة لما ورد أعلاه – إلى أنني استبعدت الكثير من الأنشطة التي قام بها الأستاذ محمود في هذه الفترة تحديداً، واستبعدت كذلك حوارات كبيرة ومراسلات كثيرة، من أجل الاختصار من جهة، ولصلتها – تلك الحوارات والمراسلات – بالأدب من جهة أخرى، ومن نماذج ما استبعدته من الحوارات: حوار تم بين الأستاذ محمود والدكتور محمد النويهي، وحوار تم بين الأستاذ محمود والعلامة عبدالله الطيب، وحوارات ومراسلات أخرى كانت على هامش ندوة عبدالله حامد الأمين، وكل هذه الحوارات وغيرها نشرت على صفحات الصحف السودانية. ولكني استبعدتها.

نواصل في الحلقة القادمة ونتناول: “تفاصيل نشاط الحزب الجمهوري في الساحة السياسية خلال الفترة (1952- 1958) (بيانات، ندوات، محاضرات، مؤتمرات، مساجلات، رسائل إلى رؤساء دول ومفكرين، مقالات، تصريحات، …إلخ)”