د.ناهد محمد الحسن

حين تشاركت مقالي عن زواج القاصرات في عدة مواقع صدمت بأراء بعض المتعلمين الذين اعادوا انتاج مواقف تقليدية في قضية زواج القاصرات بحجة زواج السيدة عائشة من الرسول (ص). وهي قضية اختلف حولها الفقهاء. وما سنورده من مواقف ضد زواج القاصرات هي حجتنا العلمية التي تبني موقفنا من هذا النوع من الزيجات على الحجة لا المواقف الانطباعية. إن زواج القصّر غير مقبول بإعتبار عدم الجاهزيّة النفسيّة والعاطفيّة للطفلات في هذا العمر. والسؤال هل عمر البلوغ (عمر العاصفة والضغوط).. هو العمر المناسب للإلتزام الزواجي؟ وهل هنالك مخاوف من رغبات جنسيّة تعصف بالفتاة وتجعل تزويجها ضروريّا؟ إنّ الّذين يتحدّثون عن جاهزيّة الفتاة للزواج بعد البلوغ باعتبار النضج الجسدي قيد التطوّر يهملون النضج النّفسي الضروري للتواؤم مع تعقيدات الزواج العلائقيّة والأموميّة والقانونيّة. تعتبر نظرية التطوّر النّفسي الإجتماعي لإركسون إحدى المقاربات النظريّة الهامّة في فهم الحاجات والازمات النفسية الأجتماعية التي تساعد في توجيه التعامل مع الحاجات العاطفية /النفسية الأجتماعية في سائرالمراحل العمرية،حيث تقدم هذه النظرية اطارآ منظمآ لتطور الفرد ضمن المنظور التطوري الأجتماعي النفسي.

 ففي فترة المراهقة المبكّرة مثلا ,أي من عمر 12سنة إلى عمر18 سنة تكون المهمّة التطوّريّة لهذا العمر هو الشّعور بهوية المجموعة عبر القدرة على الإندماج في شلّة والتجاوب معها وإلاّ فإنّ فشل هذه المرحلة يتحول إلى شعور بالغربة يلازم المراهق في سنين حياته القادمة, لأنّ المهام التطوّريّة الّتي لا تتم معالجتها في مرحلتها يتم ترحيلها إلى مراحل أخرى بشكلها المأزوم ويصير علاجها أكثر صعوبة وتعذّرا.بينما بين عمر 18 وعمر 21 وعبر التّجريب بالأدوار الحياتيّة الّتي ينهض بها المراهق/ة , تنشأ وتضّح ملامح الهويّة الفرديّة والّتي يكون نتاج فشلها الهويّة المشوّشة والحدود المختلطة للأنا .وهو بالضّبط ما يحدث للفتاة التي تقتلع من سلّم تطوّرها الطبيعي وترحّل إلى مراحل لاحقة دون أن تكون مستعدة نفسيّا لهذه النقلة ودون حدود واضحة للأنا ما شرحته الصوفيّة النسويّة بما يعرف بالخبرات العدميّة التي تختبرها المرأة في حياتها بلا جدواها ولا معنى لحياتها في لحظات تيقّظها الخاصة التي تشرق فتريها أنّهاتمنح بوجودها كلّ شئ معنى إلاّ وجودها نفسه!.كما إن المحاولات الذكوريّة لإقتناص المرأة في وقت باكر قبل إكتمال أناها ليست بريئة إطلاقا بشكل واعي أو لاواعي مهمّا تدثّرت بالشرعيّة الإجتماعيّة والثقافيّة.كما إنّها نتاج عقد وإشكالات تربويّة خاصّة بطرق التربية في المجتمعات المتخلّفة حيث يأخذ نظام القهر على المستوى اللاواعي شكل العلاقة السّادوماسوشيّة. (هنالك من ناحية طرف قاس, ظالم مستبد ينزل الأذى والعذاب بضحيّته لا يستطيع ان يحس بالوجود الا من خلال تبخيسها, وتسبيب الآلام لها , لايحس بالقوّة الاّ من خلال االتحقّق من ضعف الضحيّة الّذي هو سببه.جوهر الساديّة ولبّها هما علاقة سطوة , لا يستطيع المتسلّط السّادي أن يكون إلاّ من خلال التعزيز الدّائم لسطوته. وهذه لاتتعزّز الاّ من خلال إضعاف الطّرف الآخر في العلاقة وتصل غايتها عندما يعترف هذا الطّرف المازوشي بسطوة السّادي) .لهذا تعتبر الطفلة ضحيّة مثاليّة خانعة لرجل يشعر بعدم الثقة في نفسه ويريد أن يصب قلقه وشكوكه خارجه في شخص يكون أكثر ضعفا وجهلا منه وبالتالي يمكنه عبر قهره واسكاته تفريغ قلق الخصاء والهجر عليه وكل مشاعر الخوف من عدم الكفاءة الجنسيّة والإقتدار .

لذلك تشير الدراسات إلى إرتفاع نسبة العنف المنزلي الموجّه للأم والأطفال في حالة صغر الوالدين نتيجه للعديد من الأسباب على رأسها هذا الخنوع الّذي تشعر به المرأة ويجعلها عرضة للإعتداء كما إنّ الصبيّة المطلوبة للزواج في هذا العمر مهما كان زكاؤها أو عبقريّتها فإنّها عبر إقتلاعها من سلّم التّعليم تكون مكافئة لأيّا كان وضعه التعليمي وخبراته المعرفيّة ,وهو جانب آخر من جوانب إنتهاك الحقوق, وهو حرمانها من الإنتقائيّة العالية والمبنيّة على الوعي . ومن ثم عجزها المالي وتسليمها للرجل يتحكّم بها كيف يشاء .يتزوّج عليها أو يطلّقها متى ما عنّ له ذلك , لتجد نفسها غير مؤهّلة أكاديميا او وظيفيّا لتقوم بشأن نفسها وأسرتها مما يجعلها عرضة للإبتزاز والإذلال .وهذا هو جوهر الضّغوط النفسيّة المصاحبة للزواج في هذا العمر , عدم الشّعور بالأمن والعجز عن السيطرة على المصير هما المسؤلان عن وضعيّة القهر التي تحكم السياق العلائقي بين الرجال والنّساء في هذه الحالة الزواجيّة. كما يعتبر الزواج بتداعياته الكثيرة من( حمل , إنجاب ,طلاق , وفاة زوج, مشاكل زوجيّة) , أحد أهمّ مصادر الضغوط الحياتيّة الممرضة. و مصطلح ضغط في علم النفس  ذو دلالات نفسيّة وصحيّة خطيرة على عكس التعامل الشّائع معه لدى العامّة. فالشّخص المعرّض للضغوط بإستمرار عرضة للامراض الجسدية ( القرح ، القلب ، الضغط ، الالتهابات  حيث تقلل الضغوط المستمرّة المناعة – وغيرها ..كما هنالك ايضا الامراض النفسية العصابيّة بأنواعها المختلفة كإضطرابات القلق والإكتئاب والأمراض التحوليّة(الهستريا).الإنتكاسات المستمرّة في الأوضاع الصحيّة .وبالطّبع هنالك إختلاف بين الأفراد في الإستجابة للضغوط تعتمد على العوامل المعرفيّة والقدرة التواؤميّة للشخص المبنيّة على الخبرة والإدراك. فالتحكّم في الضّغوط يتطلّب جهد أكبر من مستوى الضغط ليحدث التواؤم.ولكي يتم هذا الأمر هنالك عوامل يجب أن تتوفر في الشّخص والموضوع الجالب للضغط. في الفرد تعتبر القدرات المعرفيةوالخبرات الحياتيّة, وتقدير الذّات والمهارات في التواؤم ووجود الدعم الاجتماعي, أشياء أساسيّة لرفع كفاءة الإنسان في مواجهة الضغوط. وجميعها –ربّما عدا الدعم الأسري أحيانا- شروط غير متوفّرة في الصبيّة القاصر .لا سيما تقدير الذات الذي ينبني أساسا على مفهوم إيجابي للذات ,ينبني بدوره على الدّور الّذي تلعبه في المجتمع والطريقة التي ينظر لك بها الآخرون والنماذج التي تتمثلها في حياتك وتتماهى معها.وفي مجتمع ذكوري –شوفيني , تظل المرأة في وعي الرّجل حالة دائمة من الفصام فهي مسقط كل عيب وعار ومصدر غواية وشرور وهي مثال الأمومة الصّافي , الطيبة المحبّة والتضحية. أمّا الأشياء التي لها علاقة بمسبب الضغط فهي أنّه يسهل التنبؤ و التحكم به .والزواج بالطّبع مثال ناجح للضغط الذي يحمل هذه الصّفات ما كان الشّخص المتزوّج مؤهّلا وقادرا. وتكون العمليّة التواؤميّة الصّحيحة قائمة على القدرة على التحفيز..الاستباق .. التخطيط التنفيذ.. والانجاز.. أشياء بالطّبع لا تمتلكها الصبيّة القاصر.

يقف خلف المناداة بزواج القصّر -خصوصا الفتيات-فكر سقيم , يخشى جسد المرأة ويود لو يراكم سجونه . وتجده غير واثق في نفسه ومرتبك كما يجد نفسه عرضة للغواية بمجرّد أنّ هنالك أنثى في الجوار .