نبيل أديب عبدالله ,,رغم كل هذا فهل ستجري الإنتخابات؟ هنالك شك في ذلك سببه تصرفات الحكومة. فرغم نفي الحكومة المغلظ لما رشح من حديث عن تعطيلها، فإن الإستمرار النشط للدورة البرلمانية، يشكك في نفي الحكومة،،

أن تكون مراقباً للشأن السوداني هو من أكثر الأمور مشقة، لأن معرفة السياسات الحكومية مؤخراً أصبحت تحتاج إلى قدر من القدرة على حل الألغاز، لا تتوفر عادة إلا للسحرة والحواة. ولا يبدو سبب مشقة إستخلاص سياسة الحكومة من تضارب تصريحات المسؤولين مع بعضها البعض فقط، بل أيضاً من تضارب تلك التصريحات مع ما تتخذه الحكومة من إجراءات. أهم حدث يبدو لأي مراقب للمسرح السياسي السوداني الآن هو الإنتخابات، وما إذا كانت ستُجرى أم لا. وسياسة الحكومة هنا تنطوي على لغز متعدد الطوابق، فرغم إتساق تصريحات المسؤولين على إصرار الحكومة على إجرائها في موعدها، فما زالت المسألة ملتبسة في نظر المراقب الذي لا يدري سبباً  لذلك الإصرار على إجراء الإنتخابات، رغم أن جميع القوى السياسية غير المشاركة في الحكم تعارض ذلك. فما الذي يدعو الحكومة لطرح سلطتها للمنافسة عليها مع الآخرين في الصندوق الإنتخابي إذا كان أولئك  الآخرون لا يرغبون في ذلك؟ قد يكون ذلك مفهوماً، في مجتمع ديمقراطي ثابت الأركان، إذا كانت الحكومة قد طرحت سياسة أتت أكلها مما أكسبها حظوة لدى الناخبين تود إغتنامها، ولكن القول بذلك هنا يتعدى مرحلة إشتطاط الخيال إلى مرحلة التوهم. واللغز الثاني هنا هو أن الحكومة تطرح دعوة لحوار وطني عميق، تدعو فيه المكونات السياسية والثقافية للتوصل للمبادئ الرئيسية التي يجب أن تُحكم اللعبة السياسية بموجبها، وهي المبادئ التي ستحدد بالضرورة طبيعة وحدود السلطات التي ستطرح في صندوق الإنتخابات، فما هو جدوى إجراء الإنتخابات قبل التوصل لكل ذلك؟ الرد الذي سيسمعه المراقب هو أن الإنتخابات هي إستحقاق دستوري لا تملك الحكومة أن تحرم الشعب منه. حسناً وماذا بشأن الإستحقاقات الدستورية الأخرى، التي بدون توفرها لا يكون للإنتخابات معنى؟ ماذا عن الإستحقاق الدستوري المتمثل في حرية التنظيم والتجمع السلمي؟ وهل تختزن الذاكرة الحية أي إذن صدر لصالح مسيرة معارضة لسياسات الحكومة؟ ولماذا يتطلب الأمر إذناً؟ ألا يكفي الإخطار لأغراض حماية المسيرة وتنظيم حركة المرور؟ وماذا عن الإستحقاق الدستوري المتمثل في حرية الصحافة، على ضوء مصادرة أعداد هذه الصحيفة أو تلك بشكل يومي؟ وماذا عن الإستحقاق الدستوري المتمثل في الحق في الحرية الشخصية والأمان، ومازال فاروق وأمين وفرح عقار معتقلين بسبب توقيعهم على إعلان سياسي؟ هل تلبي أي إنتخابات تجرى في غيبة كل تلك الحريات أي إستحقاق دستوري؟ ذِكْر المعتقلين يقودنا للغز ثالث فكيف يمكن للمتنافسين في الإنتخابات أن يعرفوا سياسة الحكومة بالنسبة لنداء السودان، وهو مشروع سياسي يتجمع حوله عدد من الكيانات السياسية، هل سيسمح بخوض الإنتخابات للقوى التي تتبناه؟ بتعبير آخر هل تعتبره الحكومة عمل سياسي مشروع؟ أم مشروع إجرامي يستدعي العقاب؟ بعد أن صرح السيد رئيس الجمهورية بأن الإمام الصادق المهدي سيُواجه بإجراءات قانونية حال عودته للسودان بسبب توقيعه على نداء السودان، صرح السيد نائب رئيس الجمهورية بأن السيد الصادق غير مطلوب أمنياً، وأن عودته للسودان مرحب بها. وبين التصريحين تقدم جهاز الأمن، لمجلس شؤون الأحزاب، بطلب لحل حزب الأمة بسبب توقيع رئيسه على وثيقة نداء السودان. هذه المواقف المتضاربة عصية على الفهم، وبالأخص على ضوء صدور قرار من رئيس الجمهورية بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، إستجابة لطلب أعضاء 7+7 من الجانب غير المشارك للحكومة بإطلاق سراح المعتقلين، وعلى رأسهم فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني. النظرة المتعجلة لتلك القرارات والإجراءات، قد يبدو لها أن تصريح السيد نائب رئيس الجمهورية قد صدر إستناداً على قرار السيد الرئيس بإطلاق سراح فاروق وأمين وعقار، بإعتبار أن المأخوذ عليهم جميعاً هو أنهم من الموقعين على وثيقة نداء السودان. حسناً إذا كان ذلك كذلك، فلماذا يا ترى ظل الثلاثي فاروق ومدني وعقار قابعون في السجن، في وقت يُرحب فيه بعودة شريكهم في التوقيع على الوثيقة التي هي السبب في إعتقالهم في المقام الأول؟ لا يقف التساؤل عند هذا الحد، فإذا كانت الدولة قد غيرت موقفها من تلك الوثيقة، أو حتى رأت أن هنالك، مع إحتفاظها برأيها الأول، مصلحة في تجاوز المسألة كلها، والعمل على تجميع الصف الوطني، ورأت لسبب تعلمه هي، أن تبدأ بحزب الأمة ثم تلحق به الآخرين، فلماذا لم يسحب جهاز الأمن شكواه التي تطالب بحل حزب الأمة؟ إن ما جرى منذ إعلان السيد رئيس الجمهورية قراره بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، لا يحل اللغز بل يزيده غموضاً.

ففي اليوم التالي لصدور قرار رئيس الجمهورية وجهت النيابة تهماً لأمين وفاروق بمخالفة مواد عقوباتها التي تتضمن الإعدام والسجن الطويل لا تسمح بالإفراج عنهما بالضمان. إلا أن المتهمين بحسب عمريهما لا يجوز توقيع عقوبة الإعدام عليهما مطلقاً بسبب الإدانة في التهم الموجهة إليهما ولا عقوبة السجن والذي يستبدل عند الإدانة بعقوبة التغريب، والتغريب هو تحديد اقامة الجاني بعيداً عن منطقة ارتكاب الجريمة، والفعل موضوع الإتهام إرتكب في أديس أبابا. ومع ذلك فإن النيابة طلبت وحصلت على أمر بتجديد الحبس بالنسبة لهما، في غيبتهما وغيبة ممثليهما القانونيين، ثم رفضت السماح للدكتور أمين مكي بحضور عقد زواج إبنه. وهذا يجعل تصريح السيد نائب رئيس الجمهورية حول الترحيب بالإمام الصادق غير مفهوم على الإطلاق. فرغم إعتقادنا الجازم بأن ما قام به فاروق وأمين لا يوقعهما تحت طائلة القانون، فإن ذلك يبدو أنه إعتقاد لا تشاركنا فيه الأجهزة المنوط بها إتحاذ الإجراءات القانونية في مواجهة السيد الإمام فيما لو عاد.

رغم كل هذا فهل ستجري الإنتخابات؟ هنالك شك في ذلك سببه تصرفات الحكومة. فرغم نفي الحكومة المغلظ لما رشح من حديث عن وجود إتجاه لتعطيل الإنتخابات، فإن الإستمرار النشط للدورة البرلمانية، يشكك في نفي الحكومة. كان السيد رئيس البرلمان قد صرح في أوائل نوفمبر من العام الماضي أن البرلمان سينتهي أجله في نهاية العام الماضي، وأن أحداً لا يملك ، ولا حتى رئيس الجمهورية، سلطة أن يمد من أجَل البرلمان بعد إنقضاء العام ولا لساعة واحدة. ولا يهمنا تصريح السيد رئيس البرلمان من حيث الساعات التي تلت نهاية العام، فقد كنا نعلم أن البرلمان لن ينتهي أجله بالشكل الذي وعدنا رئيسه به، وأنه ستجرى له إجراءات إسعافية تبقيه على قيد الحياة حتى 3 يناير، لتكتمل المدة التي يتطلبها الدستور بين وضع التعديلات الدستورية على منضدة البرلمان والمداولة حولها. وبالفعل تمت مناقشة التعديلات في جلسة واحدة بمجرد إنقضاء المدة، وتمت إجازتها بشكل متعجل ومخالف للدستور، وبهذا فقد إنتهت الحاجة للبرلمان والتي من أجلها تم مد أجله. ولكن ما أن إنتهي البرلمان من مهمته التي عاد بسببها إلى الحياة بعد موته السريري الذي أعلن عنه السيد رئيس البرلمان، حتى بدء في عملية إنتاج مكثف فأصدرعدداً من القوانين يفوق كل ما أصدره طوال الدورة التي تم مد أجلها بغرض إجازة التعديل الدستوري فحسب. لا يملك المرء إلا أن يتساءل متى وُضِع ذلك الكم من القوانين على منضدة برلمان يفترض أن أجله قد إنتهي؟ وما العجلة في ذلك؟ و بعض تلك القوانين، مثل قانون رفاه الحيوان، هو في حد ذاته رفاهية تشريعية، الحاجة له قد لا تظهر قبل عقدين أو ثلاث من الزمان، مما جعل البعض يرى تقديمه في الساعة الأخيرة الغرض منه فقط تحويل الأنظار عن قوانين أخرى يجري تمريرها أمام برلمان إنفض سامره بالفعل. من ذلك مثلاً قانون حرية المعلومات، والذي ظلت الحكومة مترددة بشأنه رغم الحاجة الملحة له بإعتباره “إستحقاق دستوري” منذ صدور الدستور، مما يجعل الزج به، لإصداره دون إتاحة زمن كاف لنقاشه، ودون عرضه على الخبراء المختصين، مسألة مثيرة للريبة. والسؤال هنا هو إذا كان هنالك برلمان جديد سيتم إنتخابه في أقل من شهرين، ولن يكون مختلفاً في ولائه السياسي عن البرلمان الحالي، فما هي العجلة التي تحتم إصدار كل هذه القوانين قبل ذهاب البرلمان الحالي إلى مثواه الأخير؟ هل تخشى الحكومة من البرلمان القادم؟ إذا كانت الحكومة تخشى البرلمان القادم، فإنه بالقطع لن يكون البرلمان الذي سيأتينا عبر الإنتخابات المعروفة نتيجتها سلفاً، والتي يعدنا بها، أو يهددنا بها لوشئت، الحزب الحاكم.