خالد فضل ،،هنالك فتوى قديمة للترابي في أوائل التسعينيات تبيح تشتيت القبائل الزنجية في دارفور لأنها أصبحت تعارض الحركة الاسلامية’’

حسنا , وبعيدا عن المعزوفة المعروفة حول انتماء كليهما (الوطني والشعبي ) لمنظومة تنظيمات الاسلام السياسي التي تملأ فضاء واسعا على ساحة البلدان الاسلامية , هل يمكن النظر الى مجريات الأوضاع السياسية في السودان من زاوية سعي الشعبي لوراثة الحكم والهيمنة مرة أخرى , بعد أنّ أطاحت ببعضهم مجريات الصراع المحتدم بين قيادات التنظيم الاسلامي الأوسع انتشارا في السودان , والذي اتخذ في آخر دوراته مسمى الجبهة الاسلامية القومية لينقض ّ على السلطة عبر انقلاب الانقاذ 1989م , ومن بعدها أنشأ حزبه السلطوي بمسمى المؤتمر الوطني ثم تولّد عنه المؤتمر الشعبي الذي عاشت قياداته وكوادره لردح من الزمان بعيدا عن مراقي الحكم وإنْ لم تنقطع صلتها به . وفي أدب الاسلاميين بالطبع لا توجد ممارسة للأدبيات الحديثة عن الديمقراطية والتبادل السلمي الديمقراطي للسلطة عبر آليات الانتخابات والتنافس الحر المفتوح على مختلف الاحتمالات بما فيها الخسارة وتقبّل النتائج أيّا كانت والانتظار في صفوف المعارضة لحين الدورة القادمة , في أدبهم وتربيتهم , التي تخلط بين نصوص الآيات ومحاولات مقاربتها للواقع , تقفز النصوص على شاكلة (ولقدْ كتبْنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ) “105” سورةالأنبياء . والوارث يملك طبعا , فالحكم عندهم عبادة منصوص عليها في القرآن , ولذلك لا يمكن أن تنقطع بانتخابات ربما تأتي بغيرهم , ووعد الله المكتوب في الذكر ومن بعده الزبور والمنصوص عليه في القرآن هو وراثة العباد الصالحين للأرض , وبلة الغائب ليس بدعا في هذا المضمار فلربما للرجل إلمام بآيات القرآن ومنها استقى نبوة وراثة عمر البشير وتحوله ل (ملك) على السودان , حسبما نشر مؤخرا في صحافة الخرطوم التي يسيطر على معظمها جهاز الجنجويد للأمن والمخابرات , ويبث عبرها رسائله الملغومة وخزعبلاته المعلومة . خاصة وأنّ النص القرآني يسعفهم مرّة أخرى ب ( الذين إنْ مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) “41” سورة الحج  , ومن قبل عمر البشير صار القذافي “يرحمه الله” ملكا لملوك افريقيا وانتهى به الأمر طريدا يقتل بعد أسره مختبئا في جوف ماسورة صرف صحي , ولله في ملكوته شؤون !!

   عودا على بدء , وبهذه القراءات للنصوص , تمكّن الاسلاميون من الهيمنة والسيطرة على عقول ملايين المسلمين في كل البلدان الاسلامية , مع تذويق أدبياتهم بمسحة حداثة مثل هياكل ومؤسسات تنظيمية ومجالس شورى وكليات انتخابية وغيرها من صور الديمقراطية  وألوانها البرّاقة بينما الأصل ظلّ مستندا على عقيدة التمكين , وما حدث في تجربة السودان يبرهن عمليا على ذلك , فما من بلد تم هدم كل بنيانه هكذا ضربة لازب الاّ لغرض , والغرض اتضح وهو تمكين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الخ الخ , أمّا من بعد التمكين فهذا هو السؤال الذي يجرجر الديمقراطية ومناقشة الوقائع والمقارنة والمناظرة والندوة والمهرجان الخطابي والمظاهرات والضغط عبر الاعلام والبرلمان والاحزاب المعارضة وتقديم الاطروحات البديلة وغيرها من وسائل النظام الديمقراطي والحياة الديمقراطية , والمحاسبة والتقاضي والعدالة وغيرها من لغة لا يحب الاسلاميون سماعها , فهي مما لا يتفق والنص على وراثة الأرض والتمكين فيها , والوراثة والتمكين قرآن يتعبد بهما , فهل في ذلك شك أيّها العلمانيون الكفرة؟؟ ومؤخرا أجاز المجلس الوطني قانونا دينيا جديدا يعاقب كل من يفتح عقله على شأن من شؤون المسلمين بعقوبات  دنيوية منها السجن  والاعدام لا فرق بين نصوص القرآن وأحاديث النبي (ص) وتاريخ الاسلام بأشخاصه الطبيعيين الذين كانوا يأكلون ويشربون الحلال والحرام ويخطئون ويصيبون كسائر البشر , ومن عجب أنّ عليّا (كرّم الله وجهه) كان قد فطن الى أنّ القرآن حمّال أوجه , فقال قولته الشهيرة في هذا المعنى , عندما وجد معاوية , خصمه السياسي العنيد وهو من كتبة الوحي حسبما درسنا في المناهج المدرسية , يستخدم آيات القرآن لتبرير تمرّده على سلطة أمير المؤمنين الذي تمت مبايعته في المدينة المنوّرة . 

   في أجواء الهوس العاصفة هذه , ما الذي يمنع جماعة حزب المؤتمر الشعبي من العمل على وراثة مكان جماعة حزب المؤتمر الوطني , خاصة وأنّ الأخيرين قد شبعوا حدّ التخمة من فيوض التمكين والميراث الذي ورثوه تصديقا للوعد القرآني , وشروطه تنطبق عليهم دون أي شكوك تساورهم , وإنْ ساورت حسب زعمهم بعضا من رقيقي الاسلام بعرقهم واثنيتهم كالمرحوم داؤود يحي بولاد !, ففي كتاب للاستاذ سليمان حامد الحاج أورد أنّ هنالك فتوى قديمة للترابي في أوائل التسعينيات تبيح تشتيت القبائل الزنجية في دارفور لأنها أصبحت تعارض الحركة الاسلامية . إذن , فالمؤتمر الشعبي وهو يكرر عبارات مطاطية عن استمرار حواره مع الوطني تحت لافتة الحوار الوطني مهما وضع بعضهم العراقيل إنّما ينطلق من قاعدة راسخة ويستمد عزمه من خطّة قديمة تمّ تطبيقها فاثمرت , هي خطة التمكين التدريجي مثلما حدث في عهد النميري , آخذين في الاعتبار أنّ العقبات آنذاك كانت حقيقية تتمثل في وجود مناوئين فعليين للاسلاميين في سلطة مايو , بينما تبدو الصورة الآن مختلفة , فالترابي يستقبل بالتكبير والتهليل عند عتبات المجلس الوطني الذي يمثل أحد مؤسسات التمكين الموروثة للاسلاميين , ومعظم الموظفين فيه (تقرأ نواب), يبهرهم الترابي بقدرته الرهيبة في جعلهم ورثة السودان والمتمكنين فيه بغير وجه حق , إنّهم مدينون له بهذا العز السلطاني الذي فيه يرفلون , وعلى وزن المجلس الوطني قس بقية مؤسسات الورثة التي اقتنصها الذين إنّ مكناهم في الأرض , وبالفعل فإنّ العودة لبعض المواقف تمكّن من قراءة هذه الصورة بوضوح شديد . فالمجلس الوطني رغم كرتونيته وصوريته لا يوجد فيه أعضاء من التنظيمات السياسية الأخرى عدا من المؤتمر الشعبي , إنّها احدى دروب العودة للانتفاع من الورثة, على الأقل بالبقاء حول أسوارها والتلصص على مايدور داخل حوش هذه الورثة علما بأنّ عددا مقدّرا ممن ظلوا ينتفعون من فيوض وعائدات التمكين وقد أظهروا خلال احتدام المعارك حول الغنائم انحيازا لجانب المنفعة المتصلة دون فترة انقطاع , مع أنّ قلوبهم ظلت مع العرّاب الذي يدينون له بالفضل طمعا وخشية , هولاء ظلوا غواصات داخل كار الوطني ينقلون كل شئ للشيخ وجماعته حتى وهو محبوس في كوبر , وعلى قاعدة (دافننو سوا)فإنّ أي طرف منهم لم يسع لنسف الآخر نهائيا ولأنّ طبيعة تنظيمهم تستمد طريقة عملها من أدبيات العصابات والمافيا فلا غرو أن كان هنالك حدود مرعية فيما بينهم وحتى إنْ ظهر غير ذلك , ناحية أخرى , الملاحظ أنّ عددا من الذين كانوا في البداية مع الترابي قد تخلوا عنه , انسربوا واحدا تلو الآخر وريثما يعود الواحد منهم لحوش الورثة يقدم له عصير المنصب مخلوطا بمخصصات وامتيازات وحصانات , ثم يبدأ الواحد منهم في مدّ لسانه ذمّا وقدحا في قوى المعارضة عبر الأكليشيهات الجاهزة من عمالة وارتزاق مع تعريجة خفيفة على الشعبي وتحوله لبؤرة حقد اثني وهيمنة عنصرية قبل أن يختم خطاب أوبته بالاشادة بمؤسسية وديمقراطية واستقامة رفاقتهم في الوطني , هكذا أخذ محمد الحسن الأمين حصته في الورثة , والحاج آدم يوسف , والحاج ماجد أو ناجي وغيرهم , وبند الوراثة ثابت , وآية التمكين حاضرة , والغش بالاسلام تجارة رابحة ورائجة , فأجواء الهوس ومناخاته ومفارخه تشتغل في البصات السفرية وحافلات المواصلات وندوات عبدالحي وعبدالكريم واعلانات الرد على الحلبي تملأ الطرقات , من هو الحلبي ؟ ليس مهما المهم أنّ وسائط الاعلام واذاعات الإف إم تشنّف الأثير بحكاوي الدين وونسات الأصحاب الفارغة , ودور الجامعات وساحات المدارس ميادين تدريب على الكلاشنكوف والسيخ والعصي فللربّاطة ادارة وأسلحة ومخازن تشوين وتمويل ومركز الاستاذ محمود يغلق بالغباء والسطحية ومنظمات المجتمع المدني تحاصر وتصادر , هذه أجواء مثالية لاعادة السيطرة على الورثة أو اقتسامها على الأقل , وعمر البشير في خطابه عام 2010م لتقديم نفسه مرشحا للرئاسة قال : هل سبق وكذّبنا عليكم ؟ وفي سنار قبل أيام قال في الدورة المدرسية : انتخبوا البخاف الله !! ولم يسأله أحد بالطبع عن (الخائف من الجنائية الدولية) !! هل توجد فرصة أفضل من هذه لكمال عمر ليحوز ما فاته من نصيب الورثة ؟؟؟ ومع ذلك يبقى السؤال , ماذا نحن فاعلون ؟وأعني بنحن , بقية الشعب السوداني أولئك الذين توزّع الاسلاميون وطنهم اسلابا وغنائم , أنظل على هذه الحالة من الخفوت والاستسلام والهوان ورجم قيادات المعارضة بكل شين وترديد سؤال البلاهة من البديل ؟؟؟؟؟؟