محمد جلال أحمد هاشم ،، لا نملك نظاماً كتابيّاً للغة النوبية بخلاف الذي قمنا بتطويره عبر الكورسات التي درّسنّاها. وحتّى هذا النظام الذي قمنا بتطويره لا يزال قيد التجريب، وبه الكثير من الثّغرات التي لم تُسَدّ حتّى الآن’’  

 

The Grammatology

أو علم أنظمة الكتابة

يندرج النّظام الكتابي Writing System تحت علم أنظمة الكتابة Grammatology. وهذا باب كبير في مجال علوم اللسانيّات، وإن كان قد دخل باحة البحث والتّقصّي حديثاً. 

ومع نهضة الشّعوب ذات اللغات الوطنيّة العديدة، زادت أهمّيّة هذا الباب في علم اللسانيّات، وأصبح الاهتمام به يتزايد يوماً بعد يوم. وفي هذا يأسف المرء كون أنّ السّودان من الدّول ذات الاهتمام القليل، إن لم نقل المعدوم، في هذا الشّأن. ولا يستقيم هذا قياساً بالثّروة اللغويّة التي يذخر بها.

النّظام الكتابي للغة النّوبيّة: هل هو موجود؟

هذا شيء آخر ينبغي للناشطين اللغويّين أن يولوه اهتماماً كبيراً، وهو بأيّ نظام كتابي Writing System يمكن أن يتمّ تدريس اللغة النوبية؟ في هذا كنت قد كتبتُ في العديد من المواقع الإسفيريّة النّوبيّة، ذلك استناداً على دراسات علمية عكفنا عليها سنين عددا، رأياً خطيراً كان ينبغي للعاملين ــــ مؤسساتٍ وأفرادا ـــــ في حقل اللغة النوبية من لفيف المجدّدين وباعثي اللغة ألاّ يعبروا به غير مبالين. هذا الرأي الخطير يقول بأنّنا حتّى الآن لا نملك نظاماً كتابيّاً للغة النوبية بخلاف الذي قمنا بتطويره عبر الكورسات التي درّسنّاها. وحتّى هذا النظام الذي قمنا بتطويره لا يزال قيد التجريب، وبه فيما نعلم عنه الكثير من الثّغرات التي لم تُسَدّ حتّى الآن. ففي رأينا، لا تعدو أغلب الكتابات التي يرفد بها من نالوا حظّاً في معرفة الأشكال الكتابية ــــ أي الحروف ــــ باللغة النوبية القديمة (أو بالحرف الروماني) كونها خربشات أبجدية تقوم في أفضل حالاتها على منهج الكتابة الصّوتيميّة أو الفونيمية Phonemic Writing أو طريقة الكتابة الصّوتيّةTranscription ، بيد أنّ هذا لا علاقة له بالنّظام الكتابي، وبخلاف لغتين أو ثلاثة لا توجد لغة على وجه الأرض تُكتب بهذه الطّريقة.

نّشير بدءاً إلى أنّ النُّظم الكتابية في الأساس غير معنية برصد أصوات اللغة (كما تفعل الكتابة الصّوتيميّة أو  الفونيمية)، بل هي معنيّة بأن تعكس تراكيب اللغة أوّلاً، ثمّ أصواتها ثانياً. ولهذا يُسمّى هذا النّظام بالكتابة الصّرفصوتيميّة، أو المورفوفونيمية. أي أنّ الدّارسين ليس فقط سينطقون الجملة بطريقة صحيحة، بل سيرون تراكيب اللغة ماثلة أمام أعينهم. خذوا المثل التّالي: جملة “إغرفْ لي ماءً” باللغة النوبية؛ إذ كتبها بعض الدّارسين في الكورسات التي قمتُ بتدريسها على النّحو التّالي، متّبعين تصويتات النّطق: aman gollekkir. ولدى طلب تفسير منطقي لتركيبgollekkir ، انتبه الكثيرون إلى أن حرف /g/ ينبغي أن يلحق بكلمة aman على النحو التّالي:amang ، أي aman-ga، أي علامة المفعول به؛ ثمّ قليلاً قليلا، تكشّفت للعديدين أن كلمة ollekkir  نفسها تتكوّن من فعلين هما:oll + ekkir . بالطّبع الكتابة الصحيحة للجملة تجري على النحو التّالي:amanga olla ekkir ، بتفكيكها إعرابيّاً على النّحو التّالي:aman-ga oll-a ekkir ، لتعني حرفيّاً: غارفاً، إحضر [لي] ماءً. وبالطّبع في حالة الكلام يتمّ إدغام حروف التّصويت vowels الواردة في نهاية الكلمات بحيث يكون النطق منكفئاً فقط على الحروف الجامدة على النّحو التّالي:amang- oll- ekkir . هذه يمكن النّظر إليها بوصفها الكتابة العامّيّة. أمّا الكتابة الفصيحة (القياسيّة) فتكون:amanga olla ekkir . هذا حتّى لو جرى الإدغام في تجويد articulation حروف التصويت. وهذا هو ما نعنيه بقولنا إنّ النظام الكتابي يكون معنيّاً بعكس التراكيب اللغوية أكثر من تصيّد capture أصوات اللغة، والتي تأتي في المرتبة الثّانية. عليه فقد يكون هناك افتراقdivergence  بين الكتابة والنّطق، إذ ليس بالضّرورة أن يتطابقا. من ذلك في اللغة الإنلكيزيّة: knife. حيث تقف الكاف كمخلّفات من نظام صوتي قديم. وهذا يرينا كيف يعكس النّظام الكتابي تاريخ اللغة في بعض جوانبه المهمّة.

متولّي بدر وكبّارة من الرّوّاد، ولكن!

في توسّمهم لنظام كتابي للغتهم يتكلّم كثير من النّوبيّين عن كتاب متولّي بدر المعنون: إقرأ بالنّوبيّة الذي أصدره معهد الدّراسات الأفريقيّة والآسيويّة بجامعة الخرطوم في عام 1978م، وإن كان قد ظهر على أنّه بلا تاريخ. كما يتكلّمون بنفس التّوسّم عن كتاب مختار خليل كبّارة الذي يحمل عنوان: اللغة النّوبيّة، كيف نكتبها الذي صدر بالقاهرة عام 1997م من قبل مركز الدّراسات النّوبيّة والتّوثيق. لن نتطرّق هنا لكتاب متولّي بدر، فقد اتّبع النّظام الصّوتيمي في الكتابة، متّخذاً من الأبجديّة الرومانية (أي نفس حروف اللغة الإنكليزيّة) كوسيط كتابي. على هذا سوف نتناول بالنّقد كتاب كبّارة.

نبدأ بالزّعم أنّ كتابه هذا، على ما فيه من أهمّيّة كبيرة، لا علاقة له بالنّظام الكتابي. فهو عبارة عن مقدّمة تعريفية بالأشكال الكتابية للغة النوبية القديمة. وحتّى في كونه مقدّمة تعريفية للأشكال الكتابيّة للغة النوبية القديمة، يحتاجُ كتاب كبّارة إلى نقد وتحليل لتجاوز أوجه الخلل فيه، وهي كثيرة عادة الكتب العلميّة. وكم كنّا سنظفر به منه شخصيّاً لو أنّ المنايا أمهلته؛ ولكنّ الرجلَ مات وكتابُه لمّا يصدُرْ بعدْ. فلا أولى من أن نقوم بذلك بالنّيابة، وهذا ما حاولنا القيام به، فبذلناه لمن يهمّهم الأمرُ فمرّ به القوم مرور الكرام وكأن الأمر لا يعنيهم في كثيرٍ أو قليل؛ فتصوّروا!

من أوجه النقد التي يحتاجُها كتّاب كبّارة مجمل التعديلات التي أدخلها على الأشكال الكتابيّة للغة النوبية القديمة. من ذلك مثلاً أنّه لا يعتمد الحرف المروي للواو حسبما هو موجود في اللغة النوبية القديمة. وهذا أحد أخطر ما كشفته تلك اللغة إذ احتوت على ثلاثة أشكال كتابيّة (حروف) من اللغة المرويّة، الأمر الذي يعني أنّ النوبيين كانوا على درجة من الإلمام باللغة المرويّة التي كان العلماء يظنّون أنّها اندثرت قبل ذلك بقرون في أغلب الأحوال. وفي الحقيقة لا يُشيرُ كبّارة أبداً إلى أنّ أبجديّة اللغة النوبية القديمة تتكوّن من جماع ثلاث أبجديات هي الإغريقية ثمّ القبطيّة ثمّ المرويّة؛ إذ يكتفي بذكر الأولتين فقط دون الإشارة إلى الثالثة. ولهذا كان من الطّبيعي أن يستخدم شكلاً كتابيّاً آخر لم تستخدمه النوبية القديمة إلاّ للضّمّة المُمالة مشتركاً مع حرف آخر لكتابة صوت الواو. هذا جانب من جوانب أخرى أفضنا في شرحها ويمكن للنّاس أن يُراجعوها في مظانّها. لكن كلّ هذا لا يعني أن كتاب كبّارة، فيما أزعم، يحتوي على أيّ نظامٍ كتابي على أهمّيته ورياديّته.