د.ناهد محمد الحسن منذ ان تدخل مطار الخرطوم تواجهك شعارات من نوع الرؤية والرسالة لا علاقة لها بواقع الحال..فمطار الخرطوم من أسوأ المطارات في افريقيا من كافّة الوجوه..

وسلوك الناس داخل المطار هو تعبير ملائم  لمقتضى الحال..لا أحد يحسن الوقوف في الصف ولا التخلّص من النفايات بصورة صحيحة. وشوارع الخرطوم هي امتداد لهذه الفوضى..فليس من الغريب ان تنزل احد السيارات الفارهة زجاجها لتلقي بالنفايات على قارعة الطريق دون ان تتوقف وتتساءل حتى..الطرق صمّمت خصيصا ليتعثر فيها البغال والبشر..! حيث لم يكلف صانعوها خاطرهم بتسويتها قبل ان يدلقوا عليها حبر الأسفلت..وكبري المنشية ليس استثناءا لهذه الظاهرة السلوكية العامة الموسومة بالركاكة في كلّ شيء..وأيّ مبرّرات من المسئولين عليها أن تنظر الى منشآت الإنجليز المغتصبين (النصارى..!) قبل ان تقدّم اعتذاراتها…

إنّ إضطراب الحياة السياسية في السودان مع غياب الشفافية والمحاسبية..وتدنّي مستوى القائمين على أمر الخدمات في البلد..دفعت السودان الى حضيض الحياة الإنسانية. يقول علماء التربية ؛ إنّ نمط التنشئة المتساهل للأطفال الذي لا توجد فيه توقعات من الوالدين او اي مطالبات سلوكية  من أطفالهم ..هو المسئول في كثير من الحالات عن الإنحرافات السلوكية لدى الأطفال مستقبلا. وغياب الحدود المفروضة واللازمة والتي تطبق على الجميع بدون استثناء هو سمة السودان في عصر الإنقاذ . واذا أجرينا مقارنة بين  المسئولين السودانيين في عصر الإنقاذ والأطفال ناتج العملية التربوية المتساهلة فإن  الاطفال الذين يتعرضون لهذا النمط من التنشئه المتساهلة في الدراسة التي أجرتها ديانا بومرند على الأطفال قبل المدرسة ..كانوا غير ناضجين بدرجة كبيرة ممايؤدي الي تكوين مفهوم خاطئ للذات عندهم .وبهذا ظهرت لديهم مشكلات في ضبط اندفاعيتهم ، وكانوا غير مطيعين . ومتمردين عندما يطلب اليهم ان يقوموا باشياء تتعارض مع رغبتهم الانية وقد كانوا ذوي مطالب عالية ويعتمدون علي الراشدين ويخلو عالم هؤلاء الاطفال من الحدود المفروضه التي تؤطر ماهو مسموح القيام به او الممنوع اجتماعياً وقانونياً واخلاقياً وقد اظهر هولاء الاطفال قدرة اقل علي المواظبة في مرحلة ما قبل المدرسة مقارنة بالاطفال الذين يمارس اباءهم قدراً اكبر من الضبط . وقد كانت العلاقة بين نمط الوالدية المتسامحة والاعتمادية والسلوكيات الإنقيادية علاقة قوية وبشكل خاص لدي الذكور .فعندما يخطئ  الاطفال فان والديهم يساهمون معهم في  تقليل الخطأ  .مما يجعلهم يفتقرون لمعايير الحكم علي السلوك وذلك لغياب  المعاير والقوانين التي تحكم سلوك  الطفل مما يؤثر علي دافعيته فينشأ وهو مهملا ،او غير قادر علي الاعتمادعلي نفسه ويحتاج الي دعم دائم وقد يكون خارجاً علي القانون.

اذا قارنا هذا بردود فعل الدولة تجاه التعدي على المال العام وقوانين التحلّل وماشابهها..فإن غياب النموذج الأخلاقي المتّسق هو المسئول عن الفوضى التي تضرب أطنابها في هذا البلد ، والتي أودت في ربع قرن فقط بحضارة وتاريخ بلد عظيم كالسودان. وقد لزم خمسمائة عام من فوضى شبيهة ليدخل الحضارة العربية في أزمة شبيهة. حيث يعرف المختصون في الأدب الفترة الممتدّة ما بين غزو هولاكو بغداد (سنة 656 هـ/ 1258 م) وغزو نابليون مصر (سنة 1213 هـ/ 1798 م) بعصر الانحطاط. فهل كان المكون الحضاري السوداني هشّا للدرجة التي تهاوى فيها بهذه السرعة؟! أقول هذا وأنا أدير ذاكرة الأغنية السودانية إلى (سال من شعرها الذهب/ فتدلى وما انسكب/ كلما عبثت به/ نسمة ماج واضطرب..الى أن يقول / أى غصن إذا انثنى/ فيه تحتفل الدّنا/ والثريات والسّنا/غير بدرى إذا احتجبعشت فى الحب منتهى/ التيه .. ولكن بلا انتهاء/ تائه .. ذاهل النّهى/ شفّنى الوجد والطرب/ إن تكن أنت لم تزل/ يوم بدر المنى اكتمل/ نحن شلناك فى المقل/ وقعدنا على اللّهب..)..حين أتأمّل هذا النّص..استدعي أبوآمنة حامد الذي يرى الجمال في تفاصيل اللون وتموجات الشعر مع النسيم ويخلق من هذا صورة شعرية ساحرة تتسلّل الى أحاسيس صلاح بن البادية فيرقّص الكلمات بالنغم ويثوّرها…فيبلغك شيء أبعد من نغم راقص..جمال ساحر..وإله عظيم..وشاعر وفنّان شعرا بقدرة الخالق ولم يقويا على الإحتمال..! أقارن هذا بأغنيات عصر الإنقاذ (حبك قايلو اسطورة /وبقيتي لي أكبر ماسورة)..هل نسمّي هذا عصر انحطاط الكلمة والفكرة واللغة..أم هو أبعد من ذلك..صدمة في الحس والشعور..فالصدمة النفسية تعزل أحاسيسك وتبلّد شعورك..بإختصار..هذا البلد بحاجة الى استشفاء طويل..يداوي عصر الصدمة ويغسل ملامح الإنحطاط…