عبدالله الفكي البشير " التغييب والتهميش والبتر للمعارف، يعود إلى إشكاليات تتصل بالفشل في إدارة مجتمعات التعدد الثقافي، فهي مجتمعات تحمل في داخلها القابلية لتزوير التاريخ"

لقدَّال والحزب الجمهوري ونقاء السريرة وصفاء الطوية

احقاقاً للحق، فإن الدكتور القدَّال حينما كتب ما كتب عن نقاء السريرة وصفاء الطوية، كما ورد آنفاً، لم يكن يتحدث عن الفترة ما بين 1952- 1958، في تاريخ وسجل الحزب الجمهوري. وقد ركنت البروفيسور فدوى، إلى قول القدال، وخاطبت به هذه الفترة 1952- 1958، وهي تبرر خلو الأطروحة وعدم ذكرها للحزب الجمهوري في حين أن موضوع الأطروحة وعنوانها هو: تاريخ الحركة السياسية السودانية. الشاهد أن القدال لم يحدد فترة تاريخية بعينها حينما كتب عن نقاء السريرة وصفاء الطوية عند الحزب الجمهوري، ولم يعب ذلك، وما كان له أن يعيب ذلك، فقد كتب مشيراً للنقاء، قائلاً: “أول الأحزاب الداعية للاستقلال هو الحزب الجمهوري الذي أسسه الأستاذ محمود محمد طه عام 1945م. ونشر الحزب برنامجاً انتقد فيه التيارين الكبيرين لارتباطهما ببريطانيا ومصر ولانعدام المذهبية في عملهما، ودعا إلى…. قيام جمهورية سودانية…. فقد أخرج الحزب دعوة الاستقلال من محيط المناورات وطموح السيد عبدالرحمن، إلى نقاء العمل السياسي الحقيقي من أجل الاستقلال فألبسها دثاراً ناصعاً جعل منها دعوة يمكن أن تلهم جيلاً بأكمله. كما أخرج العمل السياسي من دائرة المناورات والتكتيك، إلى رحاب العمل الفكري القائم على البرنامج الملزم المحدد الجنبات والآفاق”. وهذا غير ما ذهبت إليه البروفيسور فدوى، وهي تستند على قول القدال وتبرر به غياب الحزب وضآلة نشاطه السياسي خلال الفترة ما بين 1952- 1958 وهو الاطار الزمني للأطروحة المشار إليها.

كذلك كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “إن أزمة الحزب الجمهوري، أنه قائم على نقاء السريرة وصفاء الطوية، دون أن يدرك أن ذلك النقاء وذلك الصفاء لابد لهما من مناورات وعمل تكتيكي”. ثم بناءً على ذلك، كتبت البروفيسور فدوى، وهي تتحدث عن طالبتها، قائلة: “وقد أبانت في دراسة موثقة جداً تلك التكتيكات والمناورات التي أشار إليها القدال، ولا توجد مناسبة للإشارة للأستاذ محمود أو كتبه أو كتب تلاميذه في قائمة المصادر والمراجع” (انتهى). هنا أيضاً الأمر يحتاج من البروفيسور فدوى للمراجعة، والممارسة لبعض النقد الذاتي، فنقاء السريرة وصفاء الطوية لم يمنع الحزب الجمهوري من النشاط، كما أتضح لنا آنفاً، كما أن التكتيكات والمناورات التي ابانتها الطالبة في أطروحتها، لم تبنها بالمقارنة مع منشورات الحزب الجمهوري عن نقاء السريرة وصفاء الطوية.

وبعد كل هذا، أين عدم الالتزام الأكاديمي والأخلاقي، الذي أشارت إليه البروفيسور فدوى، هل هو في كتاب: “الأستاذ محمود والمثقفون”، أم أنه تجلى بوضوح في إنتاج الأكاديميا السودانية وفي إرث مؤرخي الحركة الوطنية السودانية، ودارسي تاريخ السودان السياسي، وطرق تبريرهم للآراء؟

دراسة المغاير والخارج عن السائد والمألوف أحق من دراسة المتشابه

كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “وقبل ذلك لم يشارك الأستاذ محمود محمد طه في مؤتمر الخريجين الذي تأسس عام 1938 ولم يكن عضواً فيه ولا في لجانه”. والحق أن عدم المشاركة في مؤتمر الخريجين، موقف ومشاركة. وفي تقديري، هذا الموقف أحق بالدراسة من مواقف أولئك الذي كانوا جزءاً من مؤتمر الخريجين. خاصة وأن صاحب هذا الموقف، بيَّن لنا الأسباب وشرحها بتفصيل في بيانات عديدة. في يوم 9 نوفمبر 1945 أصدر الحزب الجمهوري كما ورد آنفاً، بياناً بعنوان: “موقف الحزب الجمهوري من المؤتمر ومن وثيقة الاحزاب المؤتلفة”، ونشر البيان في صحيفة النيل بتاريخ 22 نوفمبر 1945. (برغم أن الأستاذ محمود في مرحلة تأسيس مؤتمر الخريجين 1938، وهو في عطبرة غير اسم النادي من نادي السكة الحديد بعطبرة إلى نادي الخريجين، للتفاصيل أنظر محور: موقف الأستاذ محمود من مؤتمر الخريجين ضمن كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون). أوضح الحزب أسباب اختلافه مع مؤتمر الخريجين، وما معنى تسمية المؤتمر بمؤتمر الخريجين العام.وتناول البيان حق العضوية في المؤتمر، ولماذا لا يعمل الحزب الجمهوري سياسياً تحت لواء المؤتمر؟ وما هو الشرط الذي يتعاون بموجبه الحزب الجمهوري مع أي هيئة؟ …إلخ. وفي 17 مارس 1947 أصدر الحزب الجمهوري بياناً بعنوان: “إلى المؤتمر والأحزاب” تناول البيان قرار المؤتمر أو وثيقة الأحزاب قياساً بالفهم السياسي المستنير،وقال هما أسوأ دعاية للسياسي السوداني في فهمه لقضية بلاده. وأضاف البيان قائلاً: “قضيتنا قضية حرية ولا سبيل إلى كسبها إلا بإثارة الشعب حولها بالدعوة الجريئة السافرة وأول الخطوات لتوحيد البلاد بفتح الجنوب على مصراعيه – واستكراه الحكومة على احترام الحريات العامة – حرية الكتابة – وحرية الكلام وحرية التنقل (فعلا لا قولاً)… إلخ”. وأضاف: “نحن موقنون أنكم تطلبون الخير ولكنكم تجهلون أصل القضية ولهذا رأينا أن نتصدى لنصيحتكم إذ لو كنا نتهمكم بسوء القصد (الخيانة) لكان لنا معكم شأن آخر. وختم البيان قائلاً: “وليس الخائن لدينا من يفهم قصد السبيل ثم يحيد فقط وإنما الخائن أيضاً الجاهل الذي تأخذه العزة بالإثم وقد أعذر من أنذر”. وغير ذلك من البيانات والمقالات الكثيرة.

هذا في تقديري ما يجب أن يتناوله ويدرسه الطلاب بشأن مؤتمر الخريجين. المواقف المغايرة والخارجة عن السائد والمألوف التي تستحق الدراسة، لأنها تمكننا من أن نفهم ونفسر الوقائع والأحداث.

أيضاً في ردها على قولي في كتاب الأستاذ محمود والمثقفون: “لقد درج الأستاذ محمود في مشاركاته بأن يعلن انسحابه متى ما تحقق الغرض الذي شارك من أجله في الحدث أو النشاط وذلك عندما انسحب من الجبهة الاستقلالية الأولى التي تكونت عام 1946 عقب بروتوكول صدقي – بيفن”، كتبت البروفيسور فدوى في الرد على هذه النقطة قائلة: “لكن عندما  انسحب الأستاذ محمود من لجنة تعديل الدستور عام 1956 كان بسبب سقوط اقتراحه وعدم تحقق غرضه وليس بسبب تحقيق الهدف”.  ففي تقديري أن الأستاذ محمود بإعلان انسحابه من لجنة تعديل الدستور عام 1956 احتجاجاً على سقوط اقتراحه، استطاع أن يحقق غرضاً وهدفاً عابراً للمكان والزمان، لنأتي نحن لندرسه وننقب فيه. فقد ملكنا عبر ذلك الاعلان المسبب والموثق موقفاً يسعفنا في الفهم عندما ندرسه. فقد أعلن الأستاذ محمود عن انسحابه من اللجنة بخطاب، وكعادته في تمليك الرأي العام للحقائق، نشر خطابه في صحيفة الرأي العام بتاريخ 26 يناير 1957، وجاء فيه:

“حضرة السيد رئيس لجنة الدستور القومية، والسادة أعضاء اللجنة المحترمين.. تحية طيبة، وبعد: يؤسفنا أن نبلغكم انسحابنا من اللجنة القومية للدستور، وذلك لانهيار الأساس الذي قبلنا به الإشتراك فيها.. فقد جاءت فكرة تكوين هذه اللجنة عقب رغبة حقيقية أعلنها الرأي العام السوداني، كيما تساعد على إبراز الرأي المعبر عن مُثُل الشعب الإنسانية، ليصاغ منها دستوره، وقامت الحكومة بتنفيذ فكرة تكوين اللجنة باعتبار أنها أصلح من يقوم بمثل هذا العمل .. وما كنا لنبخس الحكومة حقها في شكرها على أدائها هذا العمل لو سارت فيه السير الصحيح.. ولكن مع الأسف كونت اللجنة بصورة يصدق عليها أن تعتبر لجنة حكومية، وليست قومية، فاستحلّت الحكومة لنفسها أن تعيّن رئيسها، وتعيّن أعضاءها المستقلين، حسبما يروقها، وهذه من أخص حقوق اللجنة التي ما كان للحكومة أن تتغوّل عليها.. وكان أملنا أن تسترد اللجنة حقوقها المسلوبة، ولكن اللجنة نفسها، خذلتنا عندما أسقطت الاقتراح الذي تقدمنا به في هذا الصدد فارتضت لنفسها بذلك وضعاً مهيناً، لا نشعر بالكرامة في قبوله، والاستمرار فيه.. وقد قال بعض أعضاء اللجنة، أن اللجنة عينتها الحكومة، وعينت لهااختصاصاتها، وليس من حق أعضائها أن يعيدوا النظر فيما حددته الحكومة، بل لايتورّع بعض الأعضاء من أن يعلن أن الدستور منحة تمنحها الحكومة للشعب الذسلات الألسني هي ولية أمره فيفصح بذلك عن كفرانه بالشعب أصل الدساتير، كل هذا يقال داخل اللجنة، واللجنة تقبله. وبذلك وضح أن الحكومة تريد أن تجعل هذه اللجنة مخلب قط في يدها وتتخذ منها أداة لعمل تلبسه ثوب القومية.. وإزاء كل هذا لا يسعنا إلا أن نعلن إنفصالنا من هذه اللجنة.. وختاماً تفضلوا بقبول فائق الاحترام،الحزب الجمهوري”.

والحق هذه المواقف هي التي تستحق الدراسة والبحث، عندما نتحدث عن مؤتمر الخريجين أو  لجنة الدستور القومية 1956. ولكن دراساتنا الأكاديمية لا تنشغل بالمغاير والمختلف والخارج عن السائد والمألوف، وإنما تركن للمتشابه والمتسق والساير ضمن القطيع. وهذا ما يتطلب منا وقفة قوية ونقد شجاع.

الأطروحة الثالثة

(إسهامات الأعضاء الجنوبيين في البرلمانات واللجان والمجالس السودانية “1948- 1969”) رسالة ماجستير، جامعة الخرطوم، 2004.

عن هذه الأطروحة كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “تتحدث الباحثة في بحثها عن مداولات الأعضاء الجنوبيين في برلمانات ولجان ومجالس محددة  ولا تتحدث عن دور الزعماء السياسيين ورؤيتهم لمشكلة الجنوب ولم تورد أي رأي لحزب آخر وموضوعها محدد”.

                مع قبولنا للموضوع المحدد للأطروحة، بدراسة الأمر بمعزل عن دور الزعماء الشماليين، فإن مجادلتي لا تنصب على دور الزعماء الشماليين ورؤيتهم لمشكلة الجنوب، برغم أن الأستاذ محمود والحزب الجمهوري نشر خلال الفترة ما بين 1945- 1969،  أكثر  من 21 (بيان، مقال.. كتيب… إلخ)  متحدثاً أو مشيراً فيها لمشكلة الجنوب، أو مشكلة الجنوب ومشكلة الشمال، أو مشكلة الجنوب والساسة الجنوبيين (احتفظ بنسخة من كل هذه المنشورات)، وإنما أقول أن الأطروحة تناولت في متنها قضايا عديدة، لا يمكن أن تدرس في اطار مداولات الأعضاء الجنوبيين، فقط، فهي أحداث ووقائع، ومنها: المجلس الاستشاري لشمال السودان، وقد خصصت له الأطروحة عنواناً جانبياً، كما درست الأطروحة في الفصل الرابع: “جنوب السودان خلال الحكم العسكري”، وتناولت ضمن الفصل الخامس: مؤتمر المائدة المستديرة، واللجنة القومية للدستور 1956م، واللجنة القومية للدستور عام 1966م-1968م، ومسودة الدستور، ….إلخ.الشاهد أن هناك تقاطعات كثيرة في الأطروحة. ولكن اطلاق الأحكام التي تجرد الحزب الجمهوري من النشاط خلال الفترة 1952- 1958 كما هو الحال في  الأطروحة السابقة، يفسر لنا عدم الالمام بأنشطة الحزب الجمهوري في المراحل السابقة واللاحقة.

ففي اطار تناول هذه الأطروحة، ليس عن دور الزعماء السياسيين ورؤيتهم لمشكلة الجنوب، إذ قالت البروفيسور فدوى أن الأطروحة لا تتحدث عن ذلك، كما ورد آنفاً، وإنما في اطار ما تناولته الأطروحة، في حالة المجلس الاستشاري لشمال السودان، مثلاً. فإن الذي لا يعرفه الكثير من أساتذة تاريخ السودان السياسي، أن زعيم الحزب الجمهوري وكذلك قادته سجنوا بسبب نضالهم ضد قيام المجلس الاستشاري لشمال السودان. بل أن الحزب اعتبر قيام هذا المجلس تقسيماً للسودان، وظل رافضاً بالمقاومة والصدام لأي قانون يصدر عنه. وفي هذا، كان الحزب الجمهوري، حسب علمي، هو الحزب الوحيد في الساحة السياسية الذي دخل قادته السجن بسبب المقاومة للمجلس الاستشاري لشمال السودان. هنا ينبغي أن الفت الانتباه، إلى أنني أتحدث عن السجن الأول للأستاذ محمود، 50 يوماً، (الأحد 2 يونيو- الاثنين 22 يوليو 1946)، وليس السجن الثاني، عامان، (الأحد 22 سبتمبر 1946- الثلاثاء 21 سبتمبر 1948) الذي كان بسبب قيادة الأستاذ محمود لثورة رفاعة/ الخفاض الفرعوني، (راجع الفصل الخامس من كتاب الأستاذ محمود والمثقفون، عن ثورة رفاعة). فقد كان السجن الأول للأستاذ محمود بسبب منشورات ضد المجلس الاستشاري لشمال السودان وضد القوانين التي أصدرها المجلس. ففي يوم 3 يونيو 1946 نشرت صحيفة الرأي العام خبراً بعنوان: “رئيس الحزب الجمهوري في السجن”، وأوردت في نص الخبر قائلة: “مثل الأستاذ محمود محمد طه المهندس أمس أمام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الاخلال بالأمن العام. وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخص بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لا يشتغل بالسياسة ولا يوزع منشورات أو أن يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك. ولكن الأستاذ محمود رفض التوقيع مفضلاً السجن. وقد اقتيد لتوه إلى سجن كوبر ولم تستغرق هذه الإجراءات كلها غير وقت يقل عن الساعة”. ويقول الأستاذ محمود: “”أنو الإنجليز نواياهم مبيتة لفصل الجنوب ولذلك جعلوا المجلس الاستشاري لشمال السودان ونواياهم كلها في أنهم يفصلوه .. فدا كنا بنحمس بيهو  الجماهير”(لقاء الأستاذ محمود بمندوبي معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، مصدر سابق).

                وفي يوم الاربعاء 26 يونيو سنة 1946م نشرت صحيفة الرأي العام، بياناً بعنوان: “بيان رسمي من مكتب السكرتير الإداري عن رئيس الحزب الجمهوري”، جاء فيه: “ظهرت بيانات في الصحف المحلية حديثاً بخصوص محمود محمد طه الذى هو الآن تحت الحراسة بالخرطوم بحرى نتيجة لرفضه أن يمضى كفالة المحافظة على الأمن – وهذه البيانات قد إحتوت على معلومات غير دقيقة والحقائق كالآتي: لمدة يومين رفض محمود محمد طه أن يشتغل وهذا يخالف قوانين السجن فلم يعمل له أي شئ في اليوم الاول أما في المرة الثانية فقد حكم عليه بالبقاء ثلاثة أيام (بالزنزانة ) (والأكل الناشف) – ولو أنه رفض أيضا أن يقف عند الكلام مع ضابط السجن فإن العقوبة التي نالها الآن لم تعط له لهذه المخالفة لنظام السجن – وبهذه المناسبة يجب أن يعلم أن كل المساجين مهما كانت جنسياتهم أو طبقاتهم يجب أن يقفوا الى ضابط السجن إنجليزياً كان أو سودانياً. وبالطبع لم تتخذ أي وسيلة لمنع هذا المسجون أو أي مسجون آخر من أداء واجباته الدينية”.

                                كذلك قام أعضاء الحزب الجمهوري بإصدار المناشير ضد المجلس الاستشاري لشمال السودان، وضد القوانين التي أصدرها المجلس: قانون الخفاض ولوائح تعاطي الخمور. وخطب أعضاء الحزب الجمهوري في الشوارع ضد المجلس الاستشاري لشمال السودان. فقد أوردت صحيفة الرأي العام في يوم الخميس 27 سبتمبر 1946م، العدد 453، خبراً جاء في نصه: “اعتقل بوليس الخرطوم بحري مساء أمس ذا النون جبارة وعبدالمنعم عبدالماجد أعضاء الحزب الجمهوري عندما ألقيا خطابين أمام السينما الوطنية بالخرطوم بحري ونددا فيهما بالمجلس الاستشاري وقانون الخفاض وكبت حرية الرأي والخطابة، وباعتقال هذين بلغ عدد المعتقلين من الحزب الجمهوري خمسة مازالوا في السجن”. وفي يوم الجمعة 4 أكتوبر 1946م نشرت صحيفة الرأي العام خبراً تحت عنوان: “عضوان من الحزب الجمهوري يطلق سراحهما”، يقول نص الخبر: “النص “أطلق سراح منير أفندي صالح عبدالقادر وعبدالمنعم أفندي عبدالوهاب اللذان قبض عليهما قبل أيام بتهمة إلقاء خطب تندد بالمجلس الاستشاري وقانون الخفاض في مكان عام في الخرطوم.  كان اطلاقهما بلا ضمان”. وفي يوم 25 سبتمبر 1946، نشرت صحيفة الرأي العام خبراً بعنوان: “الحزب الجمهوري ينظم موكباً”، وجاء في نص الخبر: “اجتمع أعضاء الحزب الجمهوري مساء أمس وساروا في موكب اخترق شارع الملك بالخرطوم وقد خطب منصور عبد الحميد في أحدى المقاهي التي صادفتهم في الطريق فاعتقله البوليس للتحقيق وقد سمح لخمسة من زملائه أن يحضروا معه التحقيق ومنع البوليس الباقين من الدخول. واستمر التحقيق إلى ما بعد منتصف الليل حيث أطلق سراح المقبوض عليه بضمانة وكان الغرض من الموكب والخطبة الاحتجاج على اعتقال رئيسه والتنديد بقانون الخفاض”. وفي يوم الخميس 10 أكتوبر 1946م، نشرت صحيفة الرأي العام تحت عنوان: “المعتقلون من الحزب الجمهوري”،  قائلة: “اطلق أمس سراح سعد صالح وذا النون جبارة وعثمان عمر العتباني ومنصور عبدالحميد بضمانة على أن يحضروا لمحكمة الجنايات في يوم 13 و14 الجاري لنظر قضيتهم بتهمة إثارة الشغب. أما منير صالح وعبدالمنعم عبدالوهاب فقد اطلقا بلا ضمان لعدم توفر الأدلة ضدهما”.

الشاهد نحن هنا أمام مواقف سياسية ومقاومة عملية وقوية للمجلس الاستشاري لشمال السودان، وهي متفردة ونادرة المثال، فهي الأحق بالذكر والتناول، فبدلاً من ذكر تواريخ قيام المجلس ….إلخ ينبغي أن نضخ مواقف المقاومة والمصادمة للاستعمار، التي تمت بالفعل، لتكون حاضرة في تاريخ السودان، وفي مناخات الدراسات الأكاديمية.

الأطروحة الرابعة

(انتخابات وبرلمانات السودان مايو 1965 – مايو 1969 رسالة ماجستير جامعة الخرطوم 2011). عن هذه الأطروحة، كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “لم تذكر الحزب الجمهوري في خلفيتها التاريخية لأن هدى ذكرت فقط الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات البرلمانية التي تناولتها في بحثها ولا يوجد دور للحزب الجمهوري في ما تناولته”.

تناولت الأطروحة ضمن الفصل الأول، وفي عناوين جانبية: مؤتمر الخريجين، الأحزاب السودانية 1945- 1954، والمجلس الاستشاري، والأحزاب الاستقلالية، وغيرها من الموضوعات. وتناولت ضمن الفصل الثاني، وفي عناوين جانبية كذلك: ميثاق أكتوبر، والخلافات بين حكومة أكتوبر والأحزاب السياسية، انتخابات أبريل 1965 بين المعارضين والمؤيدين لإجرائها، وغيرها من الموضوعات. وتناولت ضمن الفصل الثالث: مشكلة الجنوب بعد اندلاع ثورة أكتوبر 1964 وقبل إجراء الانتخابات التكميلية، وغيره من المحاور. وتناولت ضمن الفصل الرابع: التعديلات التي ادخلتها الجمعية التأسيسية على الدستور، والمشكلة الدستورية وحل الحزب الشيوعي، اللجنة القومية للدستور… وغيرها من المحاور… إلخ.

الشاهد أن في كل هذه المحاور كان للأستاذ محمود والحزب الجمهوري حضور ودور كبير. ويكاد الباحث يجد للأستاذ محمود والجمهوريين مواقف مقاومة موثقة، أو نشر كتاب أو كتب أو توزيع مناشير … إلخ، في أي محور من المحاور آنفة الذكر، وقد وردت إشارات كثيرة آنفاً. إلى جانب المواقف المغايرة عن الأحزاب في مؤتمر الخريجين، كما وردت الإشارة آنفاً، أو في المجلس الاستشاري لشمال السودان، كما ورد آنفاً. كما أن قضية محكمة الردة نوفمبر 1968 من أكثر الموضوعات التي كان يجب أن يتم تناولها في هذه الأطروحة. خاصة وأن الأطروحة في الفصل الخامس وقفت عند الجمعية والدستور، حتى مايو 1969. وقد ورد الحديث عن دور الحزب الجمهوري في مقاومة المجلس الاستشاري لشمال السودان. كما أن الحديث عن الأحزاب السودانية والمجلس الاستشاري ومشكلة الجنوب وقضية الدستور… إلخ لا يشترط أن يكون الحزب مشاركاً في الانتخابات البرلمانية. وفي كل تلك المحاور كان للأستاذ محمود بيانات ومناشير وكتابات منشورة ومتوفرة في دار الوثائق القومية. من المهم الإشارة إلى أن الحزب الجمهوري عبر عن رأيه بشأن عدم المشاركة في الانتخابات والبرلمانات، ولكنه لم يغيب نفسه وإنما أعلن عن منهجه في سعيه لنشر وتسييل مبادئه، و”التزام جانب الحق والعمل على الإسهام في تنوير الشعب”. فالسياسة عنده ليست تهريج وكراسي حكم… إلخ، وإنما هي “تدبير أمر الناس بالحق وبميزان”، من خلال البرامج والخطط والمذاهب والمواقف، وتنوير للشعب وتنمية وعيه بحقوقه وحريته… إلخ. فقد جاء في خاتمة البيان الذي أصدره الحزب الجمهوري في يوم 21 فبراير 1953م بعنوان: “بيان من الحزب الجمهوري – الاتفاقية الانجليزية المصرية”، “إن الجمهوريين لن يشتركوا في انتخابات ولا برلمان ولكنهم سيوسعون مبادءهم إذاعة وشرحاً وتبييناً حتى يعتنقها السودانيون قاطبه فيبلغوا بها أسباب الحرية”. وقد كتب الأستاذ محمود بصحيفة أنباء السودان، في يوم 4 أكتوبر 1958، ضمن حديثه عن: “نحن شعب بلا سياسة”، قائلاً: “أما أنت فما شئت وأما أنا فما أرضى لهذا الشعب أن يظل غنيمة باردة لتضليل هذه الأحزاب الفاسدة الجاهلة وإني للخلاص لعامل وعلى الله قصد السبيل”. وعن فهم الجمهوريين للسياسة جاء في افتتاحية العدد الأول من صحيفة الجمهورية بتاريخ 15 ينار 1954م، كما ورد آنفاً: “الجمهوريون حزب سياسي ولكنهم لا يفهمون السياسة على أنها اللف والدوران .. وإنما يفهمونها على أنها تدبير أمر الناس بالحق وبميزان”.

أسباب التغييب والاقصاء

مما تقدم يتضح لنا أن أمر التغييب والاقصاء للأستاذ محمود ومشروعه، في تاريخ السودان السياسي، لا يتصل كله بالنية كما ذهبت إلى ذلك البروفيسور فدوى، قائلة: “لو كان لعبد العظيم نية مبيتة في إقصاء الأستاذ محمود أو لمشرفته لما أورد ما ذكرته”. فالأمر لا يرجع كله للنية المبيتة وإنما هناك أسباب عديدة، أوجزتها في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، وقلت: “تكاد تخلو جل قوائم مصادر ومراجع دراسات الأكاديميا السودانية، من اسم الأستاذ محمود ومن كتبه وكتب تلاميذه. فالأمر هنا أبعد من أن يكون مرتبطاً بالحرية الأكاديمية،… أيضاً من المهم الإشارة إلى أن الإغفال والتجاهل لم يكن كله متعمداً ومقصوداً، فبعضه يعود لضعف التدريب الأكاديمي، والغياب لإعمال الحس النقدي. وهو أمر موروث في الأكاديميا السودانية، يعود إلى طبيعة الجرعة التعليمية في نظام التعليم الذي أسسه المستعمر في بواكير القرن العشرين. فهو تعليم كان يهدف، كما ورد آنفاً، إلى تخريج الكتبة والفنيين، وليس صناعة قادة المستقبل. نتج عن ضعف التدريب الأكاديمي الاستمرار في حالة اللا إعمال للحس النقدي، وضعف الاتصال بالمصادر ومظانها، وبالوثائق واستنطاقها”.

يتضح مما تقدم في هذا المقال، أن التغييب كان نتاجاً لعدم الالمام والمعرفة بنشاط الحزب الجمهوري والأستاذ محمود، إلى جانب ضعف الاتصال بالمصادر ومظانها، وبالوثائق واستنطاقها. وفي هذا تتفق معظم الدراسات الأكاديمية وكتب مؤرخي الحركة الوطنية وكتب أساتذة تاريخ السودان السياسي. أما الطلاب فلم يكونوا سوى الضحية، كما ورد آنفاً. فأسباب التغييب والإقصاء عديدة، فما ينطبق على دراسات الفقهاء، مثلاً ربما لا ينطبق على كل دراسات التاريخ السودان السياسي، فدراسات الفقهاء كان العمد فيها واضحاً، بينما دراسات التاريخ السياسي كان الأوضح فيها عدم الالمام، وليس النية المبيتة، على الأقل في حالة البروفيسور فدوى وطلابها. الشاهد أنني خصصت للتغييب والتهميش والتجاهل وبأسبابه العديدة ستة فصول من كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، كما وردت الإشارة آنفاً.

أيضاً كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “أوكد أن مجموعة الطلاب الذين أشرفت وأشرف عليهم  ليس ضعيفي الصلة – كما أورد المؤلف – بفهارس ومصادر الدراسات السودانية في دار الوثائق القومية.  ولو أعاد المؤلف النظر في قائمة المصادر والمراجع لتلك الأطروحات لوجد أن دار الوثائق القومية تتصدرها وكانت سكناً  بالنسبة لهم إبان إعداد أطروحاتهم. ولم يكن ذلك بسبب ضعف التدريب الأكاديمي حيث ذكر مؤلف الكتاب في ص 1064 … وإنما بسبب تدريب الطالب على التقيد بالموضوع الذي يبحث فيه فأخرج هؤلاء الطلاب أطروحات موثقة ومتوازنة وجيدة استوفت مستلزمات البحث العلمي الأكاديمي الجاد”. 

نحن في حاجة لممارسة بعض النقد الذاتي، فمن واقع هذا المقال، ومن واقع بعض ما ورد في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، يتضح أن ضعف الصلة بمصادر الدراسات السودانية في دار الوثائق القومية، أمرٌ موروثٌ وماثلٌ ومتوسعٌ في الأكاديميا السودانية، وليس فقط لدى طلاب البروفيسور فدوى. يضاف إلى ذلك أن هذا المقال، والذي اتاحت فرصته البروفيسور فدوى وهي مشغولة بطلابها، وهذا شيء جيد، كشف في بعض تجلياته وآفاقه الكثير مما هو غير معلوم لدى الكثير من أساتذة تاريخ السودان السياسي بشأن الأستاذ محمود والحزب الجمهوري، على أقل تقدير حجم النشاط خلال الفترة ما بين 1952- 1958. أكثر من ذلك فإن المصادر التي تعتمد عليها الأطروحات في تاريخ السودان السياسي، لا سيما المذكرات والسير الذاتية وكتب الحركة الوطنية… إلخ، مصادر تحتاج منا لما انطوت عليه، لاعمال الحس النقدي، فبعضها كمصدر للتاريخ قليل الفائدة، ومنها ما هو ضعيف، وبعضها الآخر لا قيمة له، وقد فصلت ذلك في الفصل السادس عشر. فقد هُمش وغيب الكثير مما هو مركزي في تلك المصادر.

الشاهد إن المسؤولية جماعية، نحن شركاء في هذا الأمر، أمر التغييب والتهميش، سواء بنقد إرث تاريخنا أو نقد إنتاج وإرث الأكاديميا السودانية، ومن ثم السعي الجماعي لتصحيحه.فليس طلاب البروفيسور فدوى، هم المقصودون، وليس البروفيسور فدوى هي المقصودة، وإنما جاء ذلك في اطار نقد لمناخ وإنتاج وإرث للأكاديميا السودانية في ما يتعلق بالأستاذ محمود محمد طه ومشروعه.

إن القضية،في تقديري، أكبر وأعمق وأشمل من طلاب البروفيسور فدوى، فالتغييب والتهميش والبتر للمعارف، يعود أيضاً إلى إشكاليات تتصل بالفشل في إدارة مجتمعات التعدد الثقافي، فهي مجتمعات تحمل في داخلها القابلية لتزوير التاريخ.  كما أن المسؤولية عن التزوير لا تقع على جهة بعينها، ولا تتحملها جماعة بعينها، أو ثقافة بعينها، فالكل عندي ضحايا، وإنما هي مسؤولية جماعية، والتصحيح لهذه الأوضاع هو أيضاً مسؤولية جماعية، وهو عمل جماعي. فأداء الأكاديميا السودانية عمل تراكمي، وإرث مؤرخي السودان، قد تحكمت فيه عوامل عديدة ومتداخلة، لهذا فمن الواجب أن نبدأ بالتصحيح عبر الحوار والنقد واستنهاض المروءة الأكاديمية. فالتغييب والتهميش وبتر المعارف في عقول الطلاب، في تقديري، هو أحدأسباب بتر الأراضي، ولا يمكن قراءة ما حدث لجنوب السودان، وما يعيشه السودان اليوم من حروب ومن مناخ تشظي، بمعزل عن بتر المعارف في عقول الطلاب، وسجل وأداء الأكاديميا السودانية. 

مقترح بحث ماجستير أو دكتوراة  أكاديمي علمي محايد متكامل

كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: “ختاماً أتمنى أن تسنح لي الفرصة لأشرف على بحث ماجستير أو دكتوراه  أكاديمي علمي محايد متكامل يتناول بالتحليل والنقد الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري”. في تقديري، أننا قبل التأمل في الدعوة للإشراف على بحث ماجستير أو دكتوراة  أكاديمي علمي محايد متكامل، علينا في الأكاديميا السودانية، أن نمارس النقد الذاتي بشأن اطلاقنا للأحكام، عن أنشطة الحزب الجمهوري ودوره في الساحة السياسية. وعلينا العمل على تحرير العقول من الصورة النمطية التي ورثتها الأكاديميا السودانية من المؤرخين، وسارت عليها، بشأن دور الأستاذ محمود والحزب الجمهوري في تاريخ السودان السياسي. وعلينا كذلك الانفتاح على الإرشيف، وبعث الوثائق واستنطاقها، وأن لا نستكين لما لدينا من معارف، أو ما هو معلن من التاريخ. لأن الإِشراف لا قيمة له إذا لم نكن منفتحين بما يكفي على الإرشيف، ومتحررين من التسليم بالصورة المنمطة.

من المهم الإِشارة إلى أن الدراسات الأكاديمية في العالم قد قطعت شوطاً كبيراً في دراسة مشروع الأستاذ محمود، من السودانيين وغير السودانيين. لقد سبق وأن رصدت أكثر من 25 أطروحة، أنجزت في مختلف أنحاء العالم. يضاف إلى ذلك، أنه في هذه الأيام تحديداً، وبناءً على اتصالات مباشرة معي، هناك أطروحة دكتوراة في أربيل، كردستان العراق، وأخرى (لا أتذكر إن كانت دكتوراة أو ماجستير) في بوسطن بأمريكا، وثالثة أطروحة ماجستير في نيويورك بأمريكا، ورابعة أطروحة دكتوراة في تونس (أعتقد أنه تم انجازها).

وحسب مراقبتي وتقديري، فإن النشر والاصدارات في السودان خارج دوائر الأكاديميا السودانية، أصبح أكثر كماً وكيفاً، ولم تعد دور النشر الملحقة بالجامعات السودانية، منبعاً للإنتاج الفكري ومغذية بما يكفي للسوح الثقافية والفكرية. فالأمر قد تجاوز الأكاديميا السودانية بأطروحاتها وبدور نشرها. ففي هذه الأيام، وحسب متابعتي، هناك أكثر من (15) كتاباً عن الأستاذ محمود محمد طه ومشروعه بصدد النشر، أعدها أكاديميون وباحثون، وبعضها دخل المطابع، وقد شرفني بعض مؤلفيها بكتابة مقدمات لكتبهم. من هذه الكتب: ثلاثة كتب عن دور الأستاذ محمود في الحركة الوطنية السودانية، وكتاب بعنوان: بعض أوراق جمهوري: (السودان: بلدٌ وشعبٌ وفكرة)، وكتاب عن ثورة رفاعة/ الخفاض الفرعوني، وكتابين عن أدوات التبليغ عند الأستاذ محمود محمد طه، وكتاب عن: النظرية الروحية للبيئة والتنمية مأخوذة عن فهم مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه (حالة البيئات الجافة بالسودان)، …إلخ.

تجديد الدعوة للحوار

أرجو أن تسمح لي البروفيسور فدوى، فأكرر شكري لها، على اهتمامها ونقدها وتوضيحها. فقد أعجبني نقدها، إذ كان نقداً علمياً وبناءً، سيساهم قطعاً في ترفيع مستوى الحراك والسجال، وفي استرجاع منابر الحوار بشأن الأستاذ محمود ومشروعه. وفي الختام أجدد ما جاء في مقدمة كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، من دعوة للمثقفين من أجل الحوار والنقد، عن الكتاب. جاء في الدعوة: “ختاماً أستميح القارئ الكريم عذراً، بأن أقدم هذه الدعوة والنداء من أجل انطلاق حوار جديد… فقد اختطف الفقهاء والوعاظ  منابر الحوار وسوح السجال، وسيطروا عليها في السودان وكذلك العالم الإسلامي، وقد تجلى ذلك بوضوح، كما يبينه هذا الكتاب، في الحوار الذي تم مع الأستاذ محمود محمد طه… ان الحوار والسجال في حاجة إلى التطوير والضبط والتقنين بالعلم والأخلاق. لهذا فإنني أذكِّر نفسي أولاً، والآخرين ثانياً فأقول: أرجو من النقاد والمختلفين في الرأي والرؤية معي، في السودان وفي غيره، وبالمثل أطالب نفسي، ومن أجل إثراء الحوار الفكري أن يكونوا في هذه الجولة (وفي تقديري أن هذا الكتاب يدشن الجولة الثانية من الحوار بشأن مشروع الأستاذ محمود) علميين في نقدهم وفي التعبير عن اختلافهم وفي دحضهم الحجج وتفنيدهم لما أتيت به. كما أرجو منهم، ومثلما سعيت في كتابي هذا، وأرجو أن أكون قد وفقت، إلى أن ألتزم التزاماً صارماً بالمنهج التوثيقي، أن يكونوا هم كذلك. أن يتحدثوا بالوثائق والأدلة والبراهين العلمية، وبلغة العقل لا لغة الخطابة والعاطفة. لنستهل جولة جديدة من الحوار الجديد”. 

تعقيب على البروفيسور فدوى عبدالرحمن على طه