خط الاستواء عبد الله الشيخ  (( مضت نحو أربع سنوات، منذ أضرم البوعزيزي النيران في جسده، محولاً رماده، مثل طائر الفينيق ، إلي لهيب ثورة عارمة أطاحت بديكتاتورية "مُدنكلة" ،ثم ما لبثت النيران، أن إشتعلت في دول عربية أخري.

و لم يمض وقت طويل حتي أدرك الناس أن ما عُرف بثورات الربيع العربي لم يكن إلا محاولة مستميتة من قِبل بعض التيارات الاسلاموية لإعتلاء سدة السلطة. لقد “ركب الجماعة الموجة”، حسب تعبير الثورة المضادة نفسها، و اكتشف الناس أن الغضب كان يمور في الصدور، لكنما المشروع الوطني- الديمقراطي لم يكن حاضراً، بل لم يكن جاهزا أصلاً ،لأن النخبة الحداثوية في  مجال السياسة و الدولة ، كانت غارقة في الثرثرة و التنظير، داخل أبراجها العاجية المخملية، مغيّبة أو غائبة..

و هكذا ملأ  “الجماعة” الفراغ و إعتلوا المنابر و صاروا أبطال الميادين و الساحات، متوهمين أن هذا يومهم الذي يوعدون ،و أن الرب قد مكّنهم في  الأرض وإستخلفهم فيها!. لقد نظر الكثير من المثقفين و المفكرين العرب، الي حقيقة  ما جري خلال الحقبة الأخيرة في بلدان الربيع العربي ، علي أنه ثورة شعبية استهدفت بالأساس القضاء علي أنظمة ديكتاتورية باطشة . لكن الشيء المهم هنا ، هو أنه لا ينبغي النظر إلي الفعل الثوري علي أساس عاطفي. فالثورة فعل واعٍ وخلّاق، يستند إلي ميكانيزمات محددة لتغيير أوضاع  سياسية و اجتماعية معينة ، و تأسيس سلطة جديدة مختلفة كليا عن السلطة السابقة.  و الثورة كمفهوم سياسي، إرتبط لدي غالبية الناس بعملية تغيير الأنظمة السياسية  أو ما يعرف في الأدب السياسي بمصطلح الانتفاضة، التي تكون موجهة في الغالب ضد السلطة الشمولية او التولتارية. بيد أن مفهوم الثورة من ناحية أخري، ينداح بالطبع، ليشمل  دائرة أكبر تتعلق بتثوير الأوضاع الاجتماعية  نفسها، من خلال تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية و محاربة كافة مظاهر التخلف و الانحطاط ، و بناء مجتمع العلم و الحداثة. فالثورة ليست إطاحة بنظام سياسي و إقامة أخر مكانه فحسب، لكنها سلسلة متصلة من عمليات الإزاحة و الإبدال .. إزاحة كل ماهو فاسد و إحلال المشاريع الإنسانوية الديمقراطية ، مكان المشاريع الظلامية التي تكرِّس لهيمنة جديدة، ليست أقل خطرا عن مثيلاتها السابقات.

 و بالنظر إلي مآلات الربيع العربي، فان المرء قد لا يستغرقه التفكير طويلاً، قبل الجزم بأن العملية في نهاية الأمر، لم تفض إلي غاياتها الحقيقية. فالمشهد برمته يتراجع بصورة كبيرة، في ظل الانحطاط الحضاري للشعوب العربية و الإسلامية. فما شهدناه لم يكن الا إنقلابا علي صعيد السياسة و الدولة ، لأن الثورة لم تكن ثورة علي الذات،ولا علي الوجدان المضطرب العقيم، و لا ثورة تؤسس لمجتمع عصري تسوده لقيم الخير و الحب و الجمال، بل كانت مجرد حركة استندت الي تأسيس الحاضر انطلاقا من مفاهيم قاصرة، أرادت استلهام الموروث وفق رؤية انغلاقية جامدة لن تؤدي الا للمزيد من الإنحطاط .

إن المطلوب ليس انقلاباً علي السلطة السياسية، بل انقلاباً معرفياً يستهدف تثوير المجتمع و الدولة معا. فالأمر فى ثورات الربيع العربي، كان أشبه بوضع العربة أمام الحصان ، و دونكم تاريخ الثورات الإنسانية العظيمة كالثورة الفرنسية التي أحدثت نقلة حضارية هائلة في التاريخ الإنساني. إن المشهد الآن تتوسطه صورتي البوعزيزي و الكساسبة ، في إشارة واضحة  الى الخسارة الماحقة لما عرف بثورات الربيع العربي . إنه مشهد تتقاسمه الحرائق المشتعلة، و يالها من حرائق ،، و شتان ما بين نار و نار،، نار اشتعلت في قلب تاريخ يسوده الإضطراب و التخلف و البؤس و الظلم، و أخري أشعلتها يدا أبي لهب، فتباً له و تب…. لم تكن نيران داعش من قبس الساسانيين، مُشعلي أعظم النيران المقدسة التي ظلت مخبوءة تحت رماد تراثنا الحضاري، الذي عجزنا عن قراءته وفق منطق و فلسفة العصر… أن داعش لم تكن مشروعا لتأويلات من النظرية الماركسية مثلاً .. لقد خرجت داعش من صلب التراث الإسلامي ، وهزيمتها لن تبدأ، إلا  بثورة في العقول تعيد تأسيس العقل العربي الإسلامي، وفق منهج جديد يعيد قراءة و تفكيك التراث، و دون ذلك هو الخسران المبين.)).

 *د. معاوية محمد الحسن / أُستاذ جامعي