محمد جلال أحمد هاشم "يجب أن يجتمع النّاشطون والدّارسون في مجال كتابة اللغات السّودانيّة عامّة، واللغات النّوبيّة خاصّة، ليتواضعوا على نظام كتابيّ بعينه، فيتّبعوه جميعاً. ولكن بكلّ أسف، حتّى الآن لا يُوجد أيّ نظام كتابي لهذه اللغات"

 

 

The Writing System

أو

النّظام الكتابي

أخضر عزاز في قزاز

والآن دعوني يا سادتي أشرح لكم ما أعنيه بقولي هذا من أنّه لا يوجد نظام كتابي يستند عليه النّاشطون النّوبيّون في كتابتهم للغة النّوبيّة. سأقوم بضرب بعض الأمثلة من كتابات إسفيريّة وردت بموقع عبري ـ تبج المقروء، ومن ضمنها حكاية نوبيّة ذائعة الصّيت تحمل عنوان: Arman Digintee، وتقابلها في حكايات وسط السّودان المستعرب حكاية “أخضر عُزاز في قزاز”. وترد الحكاية ضمن مجموعة حكايات جمعها من ألسنة الرّواة وفرّغها كتابيّاً الأستاذ الهادي حسن أحمد هاشم الذي يُشهد له بجهد غير مسبوق في هذا المجال. وما سنحاول تبيانه هنا كيف أنّه اتّبع في كتابتها بالحرف اللاتيني منهج الكتابة الفونيميةphonemic writing ، أي ما يُسمع يُكتب وما لا يُسمع لا يُكتب. في المقابل سأقوم بتبيان بعض ملامح النظام الكتابي الذي قمتُ بتطويره والذي يقوم على المنهج الصّرفصوتيمي، أو المورفوفونيمي morphophonemic؛ أي لا يقتصر على نقل أصوات الكلمة المسموعة بل يعمد أيضاً إلى عكس قوامها الصّرفي. في هذا سأقوم بإعادة كتابة بعض الجمل والكلمات الواردة في حكاية أرمن دِقنْتي بالمقارنة مع ما أورده الأستاذ الهادي حسن أحمد هاشم.

 المثال الأوّل: جاء في أوّل الحكاية الجملة التّالية: falafiintaangoon (وأثناء ما هو خارج)، مكتوبة بنفس واحد حسب تصويتها، أي حسب المنهج الصّوتيمي. باتّباع المنهج الصّرفصوتيمي يتضح أنّ هذه ليست كلمة واحدة، بل شبه جملة تجري على النّحو التّالي: fala fiin taan goon وبإجراء كتابة إعرابية parsing بسيطة سنحصل على الكلمات والمورفيمات التّالية: fal-a fii-n taan goon.

المثال الثّاني: أيضا ورد في الحكاية ما يلي: kuduudinkeellikkoni (ثمّ وأصغرُهم) وكأنّها كلمة واحدة، بينما في الواقع هي غير ذلك: kuduudin keelli goon، هذا في حال كون kuduud (صغير) في موقع الفاعل (لاحظ علامة الفاعل li في: kuduud-in keel-li goon). أمّا إذا كانت kuduud في حالة المفعول به، في هذه الحالة فإنّ علامة الفاعل li سوف تختفي لتظهر علامة المفعول به ga التي ستُدغم في أداة العطف goon التي لم تكن في الأصل سوىga on ، أي علامة المفعول ga زائداً أداة العطف الأصلية oon . عليه؛ بما أنّ goon نتجت في الأصل عن اندغام الأداتين، فليس من المنطقي أن نقول:  kuduudin keelga goon، بل نقول:kuduudin keelgoon . وهذه هي الحالة الوحيدة التي تتّصل فيها أداة العطف بالمفعول به كلاحقة، بينما تنفصل في حالة الفاعل.

المثال الثّالث: جاء في الحكاية iigatiron (قال له) التي ينبغي أن تُكتب حسب المنهج الصّرفصوتيمي على النّحو التّالي: iiga tiron حسب الكتابة الإعرابيّة التّالية: iig-a tir-on.

المثال الرّابع: ورد في كتابة الحكاية: sigir mukkikenkummun (لم تكن المركب تمخر) التي نكتبها حسب المنهج الصّرفصوتيمي على النّحو التّالي: sigirli mukkiken kunmun، حسب الكتابة الإعرابيّة التّالية: sigir-li mukk-i-ken kun-mun. ولتلاحظ إثبات علامة الفاعل. كما ألفت النّظر إلى أنّ حرف / i/ الوارد في الفعل mukkiken ما هو إلاّ تصويت رابط juncture vowel اقتضته ضرورة الشّدّة الواردة في حرف الكاف. وقد يتساءل المرء هنا عن القاعدة التي اعتمدناها في إلحاق الفعل المساعد ken، إذ لماذا لم نفصله عن الفعل؟ الجواب عن هذا يكمن في استخلاصنا لقاعدة تقول بأن جذر الفعل في اللغة النوبية (هنا: mukk) لا يرد أبداً لوحده، بل لا بدّ أن تلحقُه لاحقة لتصريفه. وهذه هي نفس القاعدة التي تحكم إلحاق أداة النفي mun للفعل kun (هنا مجرّد فعل مساعد مثل has في الإنكليزيّة)، إذ لا يجوز أن نكتبهما على النحو التّالي:kun mun ، إذ من شأن مثل هذه الكتابة أن تجعل جذر الفعل kun يقف عارياً، وحيداً دون تصريف، وهذا يتعارض مع القاعدة المستخلصة.

المثال الخامس: جاء في مكتوب نص الحكاية ما يلي:tanynyafiin aaddiguu gaablisangoon  (وثمّ هم ماشّين، قابلوا الضّباع)، إذ ينبغي أن يكون الإظهار الكتابي للجملة وفق المنهج الصّرفصوتيمي كما يلي: tanynya fiin, aadiguuga gaablisan goon ، بتفكيكها إعرابيّاً على النّحو التّالي:  tanyny-a fii-n aadi-guu-ga gaabl-i-s-an goon . ولا أغادر هذه النّقطة دون التّنويه إلى ورود كلمة aadi (الضّبع) عندنا بدون تشديد على الدّال، بعكس ما جاء عند الكثيرين ممّن كتبوها وفق المنهج الصّوتيمي. وهذه قصّة طويلة تتعلّق أيضا بمنهجنا في النّظام الكتابي، حيث انتبهنا إلى ما تواضعنا عليه باسم التشديد الزّائف جرّاء خلخلة نظام تصويتات اللغة العربية للنّظام النغمي للغة النوبية، ولا مجال للتّعرّض له هنا في هذه العُجالة. كما نلفت النّظر إلى تثبيتنا باستمرار لعلامة المفعول به فيaadi-guu-ga .

وبعد، هذا ما كان من أمر الطّريقة التي يتّبعُها أحد أشهر العارفين باللغة النّوبيّة؛ ولكنّا لا نعلم بأيّ طريقة كان أيّ شخص آخر من ثُلّة العارفين باللغة سيقوم بإظهار نفس القطعة بنفس الجمل والكلمات أعلاه كتابيّاً. فهم قطعاً كانوا سوف يتّبعون نظاماً مختلفاً. عليه؛ نفس القطعة لو كتبها فلان ربّما تكون مختلفة عمّا لو كتبها زيد، عمّا لو كتبها عبيد … وهكذا دواليك. لماذا؟ لأنّه ببساطة لا يوجد نظام كتابي فيتّبعونه، دون أن يكون هذا خطأً قد ارتكبوه. وهذا ما يحتّم أن يجتمع النّاشطون والدّارسون في مجال كتابة اللغات السّودانيّة عامّة، واللغات النّوبيّة خاصّة، ذلك حتّى يتواضعوا على نظام كتابيّ بعينه، فيتّبعوه جميعاً. ولكن بكلّ أسف، حتّى الآن لا يُوجد أيّ نظام كتابي، فيما أعلم، بخلاف الذي قمنا بتطويره حسبما شرحناه لكم أعلاه. وما يدعو للأسف أنّه لم يُكلّف أيّ واحد من المعنيين بكتابة اللغات السّودانيّة بعامّة، واللغات النّوبيّة بخاصّة، بالتّكرّم بنقد هذا النظام الأوّلي، ذلك كيما ننتهي إلى أحد ثلاثة احتمالات: أوّلها، إمّا أن نتّفق جميعاً على أنّه لا يصلح؛ أو، ثانيها، أن نتّفق بأنّه يصلح كما هو؛ أو، ثالثها، نتّفق بأنّه يعاني من العديد من أوجه الخلل، فنقوم بتجاوزها، ومن ثمّ نكون قد وصلنا إلى نظام كتابي متّفق عليه.