لقد سعدت كثيرا  بتعليق الاستاذ عبد الله الشيخ علي الندوة التي قدمها مركز الديمقراطية والسلام بمناسبة الذكرى الثلاثين لاستشهاد السيد الأستاذ محمود محمد طه. 

فإنما بتقديم مثل هذه الندوات والتعقيب عليها يجري الحوار البناء الذي يعالج القضايا القومية الكبري. سأبدأ تعقيبي هذا بتوضيح موجز للعنوان، ثم اعلق بإيجاز كذلك علي تساؤلات الأخ عبد الله الشيخ .

مشروع الأستاذ محمود محمد طه الحضاري الذي تساءل عنه الاستاذ عبد الله الشيخ  في ندوة 18 يناير 2015 هو مشروع قديم قدم بدايات سير الانسان في طريق الرجعي من ما يصفه القرآن بمقام “أسفل سافلين“، نحو الحرية الفردية المطلقة .الإنسان من حيث هو غاية كل الوسائل وعلي قمتها المجتمع الصالح الذي يقوم علي دعائم الديمقراطية، الاشتراكية والمساواة الاجتماعية ،كما بيّن الاستاذ محمود في الفصل السادس من كتابه: الرسالة الثانية من الاسلام. فالنضال من أجل تأسيس الديمقراطية كمنهج للحياة ، وأساس للعمل السياسي العام، هو أمر في غاية الأهمية ، لكن ذلك لا يعني أن الديمقراطية غاية في ذاتها،  وإنما هى وسيلة لازمة لنهج الإنسان نحو كمالاته علي طريق محمد صلي الله عليه وسلم،  فى  عقديتى كمسلم، والتى لا أستطيع أفرضها علي أحد، حتى لو حاولت ذلك بكل الوسائل. فالأمر عندي، أن السعي لتأسيس الديمقراطية هو مقاصد الدين، على شريطة أن نعلم ، أن الديمقراطية والدين نفسه، هما من وسائل الإنسان الذي هو وحده غاية كل الوسائل. لهذا فمن الحكمة (وضع الأشياء في أماكنها)، أن اشير لهذا المشروع الحضاري القديم في معرض حديثي عن الديمقراطية،حتي أُذكِّر المستمع ، أن الديمقراطية وسيلة هامة  لكنها ليست غاية.  فمن هذا المنطلق أتناول هنا بعض تساؤلات الأستاذ عبد الله الشيخ عسي أن أُزِيل بعض اللبس أو الغموض الذي ربما لحق بما قلته في ندوة 18 يناير.

أولا في عقوبة الردة تحت المادة 126 من القانون الجنائي السوداني الصادر فى عام 1991، فقد بادرت فى تقديمى للنقاش فى هذه الندوة بتسجيل موقفي المبدئي ضد عقوبة الردة في الدقيقة 33:51 من الندوة حسب التسجيل المذاع علي  الإنترنت. وبكل إحترام وتقدير أشير هنا لأنى لا أحتاج في معارضتي لحكم الردة للإفتاء بأنها ليست حداً، كما تكرم الاخ عبد الله الشيخ بالاقتراح في تعليقه علي الندوة، لأني أعارض تطبيق الدولة لما يسمي بالشريعة الاسلامية بما في ذلك جميع الحدود. فحتى لو سلّمنا جدلا بأن عقوبة الردة هى من الحدود، فأنا أعارض توقيع أي عقوبة عليها. وقد أعلنت معارضتي لتطبيق الحدود أثناء فترة الحركة الجماعية للإخوان الجمهوريين وبوجود الأستاذ محمود نفسه. كما أنني أعلنت هذا الموقف مرات عديدة  كتابةً ومشافهةً. ويمكن الإشارة هنا أنني أعلنت معارضتى لزعم الدولة الإسلامية وتطبيقها للحدود في الندوة العامة التي أقامتها صحيفة أجراس الحرية إدارها الأستاذ الحاج وراق قبل حوالى سته أعوام على ما أذكر، وكان الأستاذ عبد الله الشيخ وقتها رئيس تحرير الجريدة التي قامت بنشر مداولات تلك الندوة.

بذكري لهذه التفاصيل لا أقصد أنني أتوقع ان يذكر الأستاذ عبد الله الشيخ ما ورد في تلك الندوة، وإنما أعني أن موقفي في معارضة حكم الردة قديم ومعلن، وأنه قد سبقت الإشارة له (فى حوالى الدقيقة 33:34) في  نفس  ندوة 18 يناير 2015 ، التي يعقب عليها الأستاذ عبد الله. وقد عاودت الحديث عن الردة للمرة الثانية في معرض الإجابة على تساؤل الأخ صبري الشريف وكان ذلك حوالي 23 دقيقة بعد الساعة الثانية من الندوة. وفي هذه المرة الثانية كنت أقول بعدم إحتمال نجاح حملة التوقيعات التي ذكرها الأخ صبري للمطالبة بإلغاء المادة 126 طالما ظل مشروع ما يسمى بتطبيق الشريعة الإسلامية قائماً. والذي أوكد عليه هنا هو ضرورة مواجهة مسألة تطبيق الشريعة برمتها. وإنما أتحدث هنا عن عدم جدوى إستراتيجية معارضة المادة 126 بمعزل عن قضية تطبيق الشريعة بصورة عامة. أما عن “صخب العامة وسطوة رجال الدين التقليديين”، الذي أشار له الأستاذ عبد الله الشيخ في تعقيبه على الندوة، فهذا لا يمكن أن يزول إلا بتقديم المنهج الكامل للإصلاح الإسلامي مثل الذي قدمه وعاش عليه الأستاذ محمود محمد طه. فأنا لا أنتظر زوال سطوة رجال الدين التقليديين في مجتمعات الشرق “المغلوبة على أمرها” كما وصفها الأستاذ عبد الله بالتوقيع على عريضة تطالب بإلغاء مادة في قانون العقوبات السوداني. فالمشكلة في نظري هي أن هذه الشعوب ليست مغلوبة على أمرها فيما يتعلق بالفهم القائم على الشريعة الإسلامية، وإنما هي على هذا الفهم المتخلف للشريعة بكامل إرادتها. فما يجري في باكستان ، أفغانستان ، العراق ، سوريا ، نيجيريا، السودان ، الجزائر، ليبيا ، اليمن، وبالطبع السعودية وإيران،  يدلل على إستعداد شعوب تلك البلدان للتضليل وتمكين النخب الحاكمة من إستغلال عواطف شعوبها، لأن تلك الشعوب لا تزال تعتقد بحرفية وقدسية ما يسمى بالشريعة الإسلامية. لذلك فأنا أدعو إلى وضع مسألة الردة في السياق الأوسع للشريعة الإسلامية، ولا أبرر ذلك الحكم كما فهم الأخ عبد الله الشيخ.

وختاماً لهذا التعقيب الموجز، أشير إلى ما سمّاه الأخ عبد الله “تقاعساً أو تكاسلاً، يحجب الرؤيا” على الإخوان الجمهوريين في تقصيرهم الكبير في الحركة السياسية الراهنة في السودان. وأنا أوافق على هذا التشخيص، وأكثر منه، لو كنت أقبل الافتراض بأن هنالك كياناً قائماً ومتماسكاً أسمه “الأُخوان الجمهوريين” أو الحركة الجمهورية اليوم، وأن هذا الكيان بمقدوره أن يقرر ويفعل أو يترك بقوة الدفع الذاتية. فلا جدوى من إنتظار حراك ما هو غير موجود. صحيح أن هنالك عشرات من الرجال والنساء السودانيين (وأنا منهم) ، الذين تتلمذوا على يد الأستاذ محمود محمد طه وانتفعوا على تفاوت بينهم، بترشيده وتربيته لهم. إلا أننا جميعا قد إنخرطنا الآن في مسار الحياة العامة. لذلك لايصح عندي الحديث عن هؤلاء الأفراد بأنهم كيان واحد متماسك يملك القدرة على القرار والعمل. لذلك فإنني أدعو الأستاذ عبد الله وغيره من دعاة الإصلاح والتغيير في السودان إلى التعامل مع تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه كأفراد، يتصرفون سلباً وإيجاباً على مسئوليتهم الشخصية ، وحسب تفاوت ملكاتهم وقدراتهم على العطاء، مثلهم مثل غيرهم من السودانيين المعاصرين. وفي تقديري بأن هذا المنهج الفردي للتعامل مع تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه هو أقرب لإحترام جهد الأستاذ محمود في تربيتهم، من محاولة إرجاعهم إلى قالب الحركة السابقة بنظمها الخاصة وتقاليدها في العمل العام. فأنا كتلميذ للأستاذ محمود مثلاً، أرى أن مساهمتي الأفضل هي في المجال العلمي والأكاديمي الذي أقدم من خلاله فهمي لأقوال وأفعال الأستاذ محمود محمد طه، وأنا أنتظر المحاسبة على جميع أقوالي وأفعالي أمام الله سبحانه وتعالى. ويمكن لمن يشاء من تلاميذ الأستاذ محمود أن يأخذ باقتراح الأخ عبد الله الشيخ بإنشاء إذاعة تقتصر على نقل محاضرات وأحاديث الأستاذ محمود، إلا أنه إذا فعل فسيكون ذلك بصفته الشخصية، وليس باسم كيان الاخوان الجمهوريين. كما يمكن أن يتصدى لهذا العمل أي إنسان لا علاقة له بحركة الإخوان الجمهوريين السابقة، وذلك لأن تراث الأستاذ محمود ملكٌ مشاع للإنسانية جمعاء، وليس وقفاً على تلاميذه.

وأختتم تعقيبي هذا بلفت النظر للمجهود الكبير الذى قام به عدد من تلاميذ الأستاذ لتقديم محاضراته وكتبه ومواد صوتية فى موقع خاص على الإنترنت www.alfikra.org ويمكن لأي إنسان في أي مكان في العالم، الدخول لذلك الموقع وإنزال ما يشاء من مواد فكرية وروحية. ومع خالص المودة والتقدير وطلب العفو لله والرسول .. عبد الله أحمد النعيم.