أمل هباني *عندما التقيتها في الخرطوم بعد سنوات من الحدث  الاسوأ في علاقتي وحبي لوطني ..  كنت ابحث عن فعل ذات الحدث  عليها في عينيها في روحها في سلام داخلي يشع منها  ... 

فقد كانت صديقتي وزميلتي المحببة ..كاتبتي المفضلة ….وحلمي بأن نصنع سوداننا الجديد جميعنا معا …. جالت بخاطري ذكرى ذلك اليوم التي ظلت مهملة في مخزن الذاكرة من شدة رهقها بذاك الحدث  ……

*يوم الانفصال كنت ارقد طريحة فراشي كمن ينتظر وصول الموت الذي يسمع خطواته وهو طريح الفراش لا يقو على شئ …يومها علمت بموت استاذ الصادق الشامي ذلك المحامي والانسان  الخير …تخير استاذ الصادق الشامي ذلك الرجل المحترم يوم موته فليس هناك يوما افضل من هذا للمغادرة! وجه استيلا كان يقترب مني حتى يملأ الغرفة باكملها ثم يشيح عني أو اشيح عنه ….اتصلت بي صديقتي الكاتبة الاكثر رهقا وحزنا   هادية حسب الله …لاواسيها وتواسيني في انفصال الجنوب الذي ذبح كلينا ولم يعد يعنيه  ….

*…قلنا لبعضنا كلمات في ذلك اليوم تخلت  عن اداء مهمتها في ايصال المعاني ….لااذكر ماذا قلنا لبعضنا بالتأكيد كلاما رماديا …. لكن قبلها منذ ايام الاستفتاء ؛ ابتكرت هادية  فكرة عبقرية ..اعتقد أننا كنا سنفقد قدرتنا على الاستمرار ومواصلة المشوار لولا هذه الفكرة  التي تبنيناها في مبادرة لا لقهر النساء تحت مسمى الحداد المتبصر نحزن على وطن لم يسع الجميع …طوال شهر ونحن كالام التي فقدت ضناها فاصبحت تحوم حول جثمانه وهي تربط بطنها من حرقة الحشا …

*لبسنا الابيض والاسود وكل الالوان التي ترمز للحداد في ثقافاتنا المختلفة ؛ وكأننا قررنا أن نحتفي بالتنوع الذي لم يدركه رئيس أو مسئول أو يعبأ احد لضياع أمل الوحدة بسبب فقدانه .. …..(كربنا )  رأسنا بديباجة كما كانت (حبوباتنا ) يفعلن عند الحداد ويستعذن منه في اوقات الهدنة مع الموت (الله يكفينا شر الكريب) أي الحداد لكن الله لم يكفنا شره فلقد ماتت الوحدة العليلة والتي كنا ننفخ فيها من احلامنا الساذجة بأنها ستعيش وتحيا لو عملنا من أجلها ….كنا ضمن الفئة (الغشيمة ) في هذا السودان ؛هادية واستلا ورشا واحسان وعواطف وسميرة وجميعنا من لم نتوقف لحظة عن احساس الفقد العظيم ….قطعة من جسدنا قطعت هكذا والقي بها في المجهول بحجة أن اهلها ارادوا ذلك …ذهبنا نودع اخواتنا في هوامش الخرطوم التي احتوتهم لسنوات طويلة بحملات (ملح وملاح ) و(من بيت لي بيت ) ….عله يقدم شيئا او يؤخر …..

*قاطعنا المناسبات السعيدة والافراح حكت لي هادية انها اذا اضطرت أن تذهب لمناسبة فإنها تذهب بثوب الحداد الابيض وأن اهلها ومعارفها ينظروا اليها نظرات حيرة ومعاتبة …اخبرتها أني قاطعت جميع المناسبات القريبة والبعيدة …كنت استغرب كيف يتزوج الناس ويحتفلون في صالات الافراح ويبتهجون والسودان يتمزق والجنوب ينفصل ..وعندما اعلن عن ارائي هذه يضحك علي معظمهم قائلين هذا خيارهم هم ارادوا ذلك …ليس هناك طرف خاسر هم ارادوا ذلك ونحن لا يهمنا الأمر كزوجين ارهقتهما المشاكل والمشاحنات لم يكن قرار الطلاق صادما لكليهما ….لكنه كان صادما لنا نحن أولئك النسوة اللائي آمن بأن  وطننا  يجب ان يبقى واحدا من حلفا الى نمولي …يسعنا جميعا ويسعدنا جميعا بعدله ومواطنته وتحررنا من كل ما أدمانا وابكانا …

*عدت الى الحاضر وانا اصافح استيلا واتفحصها كأم ذهبت ابنتها بعيدا عنها في بعثة للدراسة …

نواصل بأذن الله …