خالد فضل  * ترابي المفاصلة: البشير دكتاتور وبدائي يصف وزراءه ب"العبيد"! * ترابي الوثبة  دعا الله  أن تكون وحدته مع الرئيس غدا! * كان العشم ان ينسى التائبون "وهمْ اسلامية الدولة" 

كنت الى وقت قريب أتصور أنّ الاسلاميين فرع  الترابي قد وعوا الدرس وعرفوا بالتجربة والبرهان أنّ بنيان الطغيان يطال الآخرين في بدايته ولكنه سينقلب على بناته أنفسهم فيهرسهم تحت وقع سنابكه , وأنّه سكة ملغومة إن عبرتها مرّة بحرفنة فلن تسلم الجرة في كل مرة , لذلك كان في تقديري أنْ تتاح الفرصة للشعبيين وللاسلاميين المتذمرين من استبداد سلطتهم للعودة الى حضن الديمقراطية الوارف , وظلالها السمحة وروحها المتسامحة,  وأنّ الشخص الديمقراطي مسيح في تسامحه ودعوته لحب مبغضيه, وأذكر , وهنا مجال لنقد ذاتي وتحمل مسؤولية أدبية, أنني توليت كتابة كابشنات على صور نشرناها في (أجراس الحرية) لندوة شارك فيها د. الترابي ضمن آخرين بمقر الجريدة  وتحت صورة الترابي كتبت ( إمام الحريات ) كذا كذا , واقتبست المقطع من الأدبيات التي كان يشيعها عنه أتباعه , ربما بسماحة الديمقراطي حسبما أتصورها , ربما بغفلة واردة بكل تأكيد , ربما بسوء تقدير , وأنّى لي بادعاء حصافة تقيني مزالق سوء التقدير؟ المهم تجدني الآن استرجع شريط أكثر من عشر سنوات تقريبا ظل فيها الترابي وحوله فئة من أتباعه يظهرون تنائيا عن الجماعة المستبدة بالحكم وامتيازاته , ويصوبون نحوهم كل ألوان وأشكال النقد ويظهرون المعارضة , ويدعون الى اسقاط النظام بثورة شعبية عارمة تنتظم الولايات ,

ومن آخر ما سمعته من الاستاذ كمال عمر الأمين السياسي لحزب الترابي , في المؤتمر الصحفي لقوى الاجماع الوطني بدار الحزب الشيوعي السوداني صبيحة مشاركة الترابي والصادق في لقاء الوثبة الشهير (ينائر 2014م) قال كمال عمر بالحرف إنّهم مع اسقاط النظام !  دخل الترابي السجن مرارا خلال تلك الفترة , وأشيع تكرارا أنّه عومل بقسوة وفظاظة , وفي إحدى المرات قيل أنّه حرم من (النوم على مرتبة قطنية) امعانا في اذلاله  وجلب الأذى له , يومذاك علّقت في (الصحافة ) التي كنت أكتب فيها , برواية حزينة عن الحرمان من مراتب القطن , ولدرجة أنّ الشهيد الطالب بجامعة الخرطوم محمد عبدالسلام قد أغتيل بسبب مطالبته وزملائه الطلبة بمراتب قطن في مخازن صندوق رعاية الطلاب وقتذاك .

وتم التشكيك في القوى العقلية للترابي من جانب بعض تلامذته النافذين وقتها وقيل إنّ آثار ضربة كندا المشهورة قد أثّرت عليه . لم تكن هجمات التلامذة على شيخهم تعجبنا , لم نفرح ونشمت بالترابي ,  فالقدر الضئيل من معرفتنا , واللجام الأخلاقي الذي نزعم أنّ لنا فيه نصيب , كانا يعصمانا عن الوقوع في فخ الشماتة , , وكان أملنا أنّ الترابي وصحبه وقد ذاقوا مرارة البطش , وخبروا فجيعة الغدر وفهموا أثر القمع والترويع والتنكيل والاذلال قد آمنوا حقا بحقوق الانسان , واعتنقوا الديمقراطية مبدأ حياة لا يستقيم حتى الدين بغير قيمها وممارستها ,

كنا نظن أنّ الترابي ومشايعيه قد وطّنوا أنفسهم على مفارقة سكة العدم هذه , واهتدوا الى صراط شعبهم المستقيم دون لجلجة فارغة ومناطحة خاسرة لواقع بلادهم من حيث طبيعته التعددية ومزاج شعبه المتنوع , وكان العشم أنّ من ضمن ما نسيه الترابي ورفاقته( وهمْ اسلامية الدولة )بعد أن علموا وعايشوا تجربة الدولة الاسلامية وأكذوبتها الكبرى وفريتها العظيمة , واصبحوا واقعيين يلتزمون جانب الحريات والعدالة ويعملون ضمن غالبية الناس العاديين من أجل اقالة عثرة البلاد وانقاذها من براثن القمع والعنصرية والاستغلال واعادتها الى دولة لكل الناس بقومياتهم وأعراقهم ودياناتهم وثقافاتهم , وقد اطلعوا عن قرب على أدبيات القوى الديمقراطية وعايشوا حياة كوادرها , فهل لمسوا فيها ميلا أنانيا كما عند جماعة الاسلام السياسي ؟ هل لمحوا فيها غدرا كما هو سلوك جماعتهم ؟ ما الذي يعيبونه أخلاقيا أو سياسيا على قوى المعارضة الديمقراطية , وهل كانوا مخلصين في تحالفهم معهم , هل محضوهم النصح الخالص من واقع درايتهم التامة بخبايا جماعتهم , وهل كانت توبة الترابي التي أعلنها من الانقلابات توبة نصوحا ؟

وهاهو عمر البشير كعادته الانقلابية يقود انقلابا جديدا , عطّل بموجبه الدستور الانتقالي 2005م , هذه المرة جاء الانقلاب تحت ذريعة التعديلات , والملاحظ أنّ من أهمّ التعديلات التي اجراها عمر البشير على الدستور هي ذاتها ما كان الترابي وشيعته يعتبرونها السبب الرئيس في صراعهم في عام1999م, إذ أشاعوا حينها أنّ الترابي يريد الحرية للشعب في اختيار ولاته بينما عمر البشير وشلة القصر الجمهوري يتمسكون بحقهم هم في اختيار من يرونه أنسب للشعب في الولايات , لذلك انتصر عمر البشير لرؤيته وازاح الترابي من الحزب والبرلمان ,وما أشبه ليلة الاستبداد ببارحته , فقد انقلب عمر البشير على كل الدستور الانتقالي والذي يعتبر نظريا من أفضل الدساتير التي عرفها السودان , وقد حظي بمشاركة واسعة نسبيا وتضمن وثيقة لحقوق الانسان يعتد بها ,

كل هذا شطبه عمر البشير في جولة طغيان جديدة , ومع ذلك لم يبد الترابي ململة ناهيك عن موقف صريح , كانما حكمة الاستاذ كمال عمر القائلة بأنّهم مستمرون في الحوار حتى لو اعتقل الترابي وكل قيادات الحزب هي التي تقود الترابي وليس أي رؤية أو فكرة , مما يجعل الترابي في موقف لا يحسد عليه لجهة فقدان المصداقية تماما , وهو الذي قال في آخر خطاباته إنّه يتمنى أن يتوفاه الله وهو مطمئن على البلد !! بعد أنّ حذّر السودانيين من الانزلاق الى مصير بلدان مجاورة بعد ثورات الربيع العربي في مصر وسوريا واليمن , وهي الأحداث الدموية المفجعة التي وصفها بأنها غضب من الله على الأمّة الاسلامية , ولا ندري أنسأل عن الأسباب التي تجعل الله يغضب على أّمّة المسلمين دون غيرها من الأمم أم كثير من السؤال اشتياق وكثير من ردّه تعليل على حد زعم أبي الطيب المتنبئ؟ ولم ينس الترابي في طبعة (دار الوثبة) من الاستشهاد بتوحد أوروبا , ثم دعا الله منيبا أن تكون وحدته غدا مع الرئيس وأحزاب وثبته لا تشقق واحتراب ولا تمزّق لأنّه في هذه المرّة والحمد لله قد امتدّ (بنا )الحكم بعد أن اصابتنا الفتن جميعا وقامت علينا السلطة ثم تقدّمتْ الينا بكلمات , ومن حيّاكم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها , وإنْ جنحوا للسلم فاجنح لها , هذا هو الترابي التائب من الانقلابات , المندغم في صفوف الشعب من أجل ازاحة الطغيان ,

يقول في ندوة التعديلات الدستورية بدار اتحاد المحامين نوفمبر2014م , إنّه يتحدث للجميع وكأنّه أحد أفراد المؤتمر الوطني وليس في اتجاه النقد للنظام من باب التشفي والحقد الدفين , وأنّه متمسّك بالنجوى في الحوار وآثر عدم الحديث في الاعلام , لأنّه لا يريد اثارة أحد ويقول في نجواه أشدّ مما يقوله في الحوار , كما أنّه لا يستطيع التشكيك في دوافع الرئيس وراء التعديلات وتعيين الولاة , وذلك لتفشي القبلية أثناء انتخاب الولاة .(سودان تربيون 24نوفمبر2014م). ويحقّ التساؤل هذه المرّة عن الترابي , طبعة ما قبل العودة الى القصر , (البشير ديكتاتور , وهو الذي كان طوال الوقت يفضل فصل الجنوب ليتفرغ لقمع أبناء السودان المطالبين بالحريات , كما إنّه عنصري يطلق على الجنوبيين لفظ العبيد , بل وزيره لعدة سنوات علي الحاج وهو طبيب من أقصى غرب السودان كان البشير يطلق عليه الفريخ , ومعناها العبد الصغير وهي كلمة للتحقير من بقايا عهد العبودية والرق الذي أُلغي في السودان أوائل العشرينيات من القرن الماضي , وهو أيضا بدائي , ضيّق الأفق لا يرى الاّ عشيرته …. إلخ ) ندوة الشروق المصرية , أعدها للنشر هيثم نوري , الراكوبة 15/8/2011م. هذا هو البشير بمنظار الترابي قبل الوثبة , أمّا الآن فقد امتدّ (بنا الحكم) ولله الحمد , ونسأله أنْ تكون وحدتنا غدا أنا والرئيس …. أيُظلم الترابي إنْ وُصف بالحرباء أو انطبق عليه قول مظفر النواب في وصف الفتنة ( كجلد الأفعى صيفا وشتاء تتجدد)!!!